لندن – «القدس العربي» : علق ستيفن كوك في مقال له بمجلة «بوليتكو» قائلاً إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد فهم على ما يبدو تعقيدات الشرق الأوسط باستثناء موقفه من أزمة قطر التي عقد فيها الأمور. وأضاف أنه عندما أراد بداية العملية السلمية في الشرق الأوسط قام بشيء غير تقليدي وأرسل صهره ومستشاره جارد كوشنر، الذي لا يملك خبرة في السياسة والدبلوماسية وفشل في النهاية بتحفيز جولة جديدة من المباحثات.
وكان أمراً محرجاً للرئيس والبيت الأبيض إلا أنه من منظور أوسع فقد كان قرار ترامب الغوص في القضية المعقدة مطمئنًا حسب الكاتب، خاصة أن الرئيس أرسل مستشاره الأهم في مهام حول العالم ومنها القضية التي شغلت كل الرؤساء الأمريكيين وحاولوا ترك بصماتهم عليها.
وأضاف الكاتب أن هناك الكثير مما يجعل المراقبين يعربون عن مخاوفهم من الطريقة التي يدير فيها الرئيس سياسته الخارجية، من دعوته للرئيس الفلبيني المتهم بجرائم ضد مهربي المخدرات واحتفائه بالرئيس عبدالفتاح السيسي المتهم بقتل المتظاهرين والانقلاب على رئيس شرعي إلى مواقفه المتناقضة من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين – الناتو ومقاربته مع الكرملين، حيث اجتمع يوم أمس مع الرئيس فلاديمير بوتين في أول اجتماع لهما منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض. كما أن تغريداته التي نشرها في حزيران (يونيو) حيث نسب المجد لنفسه وأنه وراء حصار قطر من أربع دول بمبرر دعمها للإرهاب. وهو ما أثر على جهوده لبناء تحالف سني لمواجهة التطرف والخطر الإيراني على المنطقة.
العودة التقليدية
ويضيف كوك أنه بعيداً عن مهزلة قطر فالسياسة الخارجية للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط تتجه نحو ما يمكن تحقيقه وما لا يمكن تحقيقه. ويقول إن محاولة واشنطن الضغط على إيران والروس في سوريا هي عودة إلى المدخل الأمريكي التقليدي تجاه الشرق الأوسط. فرغم الصدمة التي أصابت الكثيرين من الحريصين على حقوق الإنسان وترحيب السيسي بكلام الرئيس في الرياض إلا أن واشنطن وبعد 16 عاماً من الترويج للديمقراطية والفشل فيها أدت إلى العودة التقليدية والبراغماتية لما يمكن تحقيقه وهو القضاء على تنظيم «الدولة» (داعش) ومواجهة إيران. ويشير إلى أن عملية الهندسة الاجتماعية في الشرق الأوسط قد فشلت. ويستحضر في هذا السياق تجربة الفرنسيين في عام 1798، أي الحملة التي قام بها نابليون بونابرت والتي كانت تهدف للتأثير على المصالح البريطانية وشملت في جزء منها برامج لفهم ودراسة مصر. وبعد نصف قرن استخدم خديوي مصرعدداً من الجنرالات الأمريكيين للمساعدة في عملية تحديث وتدريب الجيش المصري.
ويعتقد الكاتب أن التجربة الفرنسية والدور الأمريكي في منتصف القرن التاسع عشر كانا مقدمة للدعم الذي ضخته واشنطن لمصر بعد توقيع المعاهدة المصرية -الإسرائيلية. وكان الهدف من وراء المساعدة حماية المعاهدة من جهة ودعم شرعية المؤسسة العسكرية والسياسية في مصر. وبالتالي تخفيف إمكانية حدوث ثورات في بلد يعتبر حيوياً للمصالح الأمريكية بالمنطقة. وتغير الوضع عندما بدأ جورج دبليو بوش في أعقاب هجمات أيلول/سبتمبر (9/11) وغزو العراق بالترويج للديمقراطية في المنطقة. ولقيت جهوده دعما من الحزبين الرئيسيين الأمريكيين مع أن القادة السعوديبن والمصريين عارضوا هذه الجهود.
ومع فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية عام 2006 واستمرار نظام حسني مبارك سجن المعارضة بدا أن جهود بوش لا تثمر. وفي تقرير داخلي عام 2009 أعدته وكالة التنمية الدولية الأمريكية أن لا أثر واضحاً للمساعدات الأمريكية في مجال دعم الديمقراطية وذلك في الفترة ما بين 2004- 2008. لكل هذه الأسباب اندلعت الثورات العربية التي تطالب بالخروج من أزمة القمع. ويشير الكاتب إلى أن مشكلة الولايات المتحدة مع هذه الثورات كانت مرتبطة بغياب الرؤية الواضحة للتعامل مع الواقع الجديد. فيما فشلت الانتفاضات بتقديم أجوبة مقنعة حول العلاقة بين الفرد والدولة ودور الدين في المجتمع. ويناقش الكاتب هنا أن الثورات العربية لم تثمر كثيراً سواء دعا الرئيس باراك أوباما إلى نشر الديمقراطية أم لا أو دعا وزير الخارجية السابق، جون كيري إلى خروج بشار الأسد من السلطة أم لم يدع، إلا أن فشل الانتفاضة أو عدم نجاحها يظل في النهاية «قصة عربية» ولم تستطع الولايات المتحدة بكل سطوتها أن تؤثر على الواقع ووجدت نفسها بين القوى المتنافسة بالمنطقة ومطالب الحلفاء الأوروبيين. ومن هنا فهم ترامب وإدارته سواء عرضا أم قصدا محدودية القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، وقرروا بناءً على هذا متابعة سياسة خارجية تقوم على التأكد من تدفق الطاقة – النفط والغاز المسال وتأمين إسرائيل ومنع أي دولة – باستثناء الولايات المتحدة من التسيد على المنطقة، بالإضافة لمكافحة الإرهاب. وكل ما قامت به الإدارة حتى الآن، باستثناء إطلاق صواريخ على قاعدة عسكرية سورية تصريحات خطابية وكلام. إلا أن الرئيس اعترف بفشل عملية الهندسة الاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وركز على المصالح الجوهرية الأمريكية بالمنطقة.
ويناقش الكاتب أن تحويل أموال الدعم لدعم برامج الديمقراطية حرفت الانتباه عن تمويل برامج تعليم وصحة وما إلى ذلك كانت أموال الدعم الأمريكي تسهم بها. ومن الميزانية التي ستقررها وزارة الخارجية للدعم الخارجي إشارة عن عدم نية الإدارة بالاستثمار الكبير فيها. بالضرورة الترويج لمشاريع الديمقراطية التي يرى الكاتب أنها ستفشل حتماً.
خطة لسوريا
وضمن التحولات في المواقف الأمريكية يرى سبنسر إكرمان بموقع «ديلي بيست» أن ترامب أخيراً أصبحت لديه خطة ولكنها لا تتعامل مع الاعتبارات التي أشار إليها كوك أعلاه بل ويتعاون فيها مع الروس. ويشير هنا إلى تصريحات وزير الخارجية ريكس تيلرسون وعبر فيها عن استعداد الولايات المتحدة للتعاون مع الروس في سوريا. ونقل الكاتب عن «فريق ترامب» قوله إنهم يجهزون لإطلاق استراتيجية جديدة في سوريا وتقوم على عدد من الملامح: أهمها بقاء الأسد في السلطة والقبول بالمناطق الآمنة التي اقترحها الروس وحلفاؤهم والاعتماد على موسكو بما في ذلك قوات روسية تقوم بحراسة مناطق من البلاد.
ويرى المراقبون أن هذه هي الخطة التي كان يتوقع ظهورها في ظل التخبط الذي أبدته الإدارة الأمريكية بالملف السوري، مع أن ترامب وفريقه أكدا مراراً أن «لا دور» للأسد في سوريا المستقبل. ويكشف إكرمان أن كبار مستشاري ترامب بمن فيهم كوشنر ومستشاره السابق للأمن القومي مايكل فلين دفعوا ومنذ أشهر باتجاه علاقات قوية مع الروس. وبناء على تصريحات لمسؤول في الإدارة طلب إعادة صياغة كلامه لا اقتباسه وتم تأكيده من مصدرين في البيت الأبيض فإن الهدف الرئيسي لترامب وفريقه هو هزيمة تنظيم «الدولة».
ولأنها تعلمت من درس العراق ترى الإدارة أنه بدون قوة فاعلة على الأرض تحمي المناطق التي يخرج منها التنظيم تظل إمكانية عودته قائمة. وهناك مخاطر أخرى تتعلق بالتقاطع وتلاقي القوى التي يدعمها الروس والأمريكيون على الأرض بشكل جعل من إمكانية المواجهة بين الطرفين محتومة. ولو اندلعت معارك بينهما فسيقوم تنظيم «الدولة» والجماعات الجهادية باستغلال الوضع. ففي المناطق «المحررة» مثل منبج يشكو العرب من «محرريهم» الأكراد وطريقة تصرفاتهم. ويقول مسؤول بارز ينسق مع الروس للتأكد من عدم حدوث مواجهات حادة بين الأطراف إن التنسيق هو اعتراف بالواقع.
من المسؤول؟
إلا أن السؤال يظل قائماً حول من سيدير المدن والبلدات التي سيخرج منها تنظيم «الدولة»؟ ولا تفكر الولايات المتحدة تسليم المناطق للأسد أو إرسال قوات أمريكية للقيام بمهام المراقبة ومن هنا يقول المسؤول إن المناطق التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية ستظل واقعة تحت إشرافها أما المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام فقد تشارك فيها قوات روسية كما حصل في حالة حلب. ويحضر الأتراك أنفسهم لإرسال قوات مدعومة منهم للسيطرة على المناطق التي خرج منها الجهاديون. ويقول إكرمان إن الأساس الذي قامت عليه الخطة الجديدة هو التعاون في الأشهر الأخيرة بشأن «مناطق خفض النزاع» أو تخفيف فرص الصدام في الجو رغم التوتر بين البلدين عندما قام الطيران الأمريكي بإسقاط طائرة تابعة للنظام قرب الرقة. ومع ذلك ظهرت خطة عمل بين الطرفين. ففي الوقت الذي تتقارب فيه خطوط القتال للجماعات التي يدعمها الطرفان إلا أن التصرف الأمريكي – حسب المسؤول – كشف للروس عن استعداد واشنطن لحماية حلفائها، بشكل أكد للروس جدية الأمريكيين. وكان تيلرسون قد تحدث قبل مغادرته باتجاه أوروبا عن مناطق تخفيف النزاع كمجال محتمل يتعاون فيه الأمريكيون والروس بالإضافة للتعاون في توزيع المساعدات الإنسانية. ولاحظ إكرمان أن تيلرسون في مواقفه السابقة التي حاول من خلال بناء سياسة خارجية مستقلة واجه تدخلاً من الرئيس أو صهره لكن ليس هذه المرة.
وستكون خطته محلاً للنقاش في زيارته إلى تركيا بعد انتهاء قمة العشرين التي عقدت في هامبورغ الألمانية. ويقول المسؤول إن ما يصفه وزير الخارجية هي خطة مؤقتة تقوم على بناء مستويات الثقة مع الروس. وهو تحرك لن يمضي بدون انتقاد، فعندما اقترح جون كيري عام 2016 تعاوناً محدوداً في حلب لقي معارضة من البنتاغون والحزب الجمهوري. وجاء النقد بسبب ما يحمله العسكريون والمشرعون من شك تجاه الروس. ولكنه في صورة أخرى يشير إلى تباين المواقف الأمريكية والروسية في سوريا. فقد تدخلت روسيا عام 2015 من دعم النظام السوري، فيما طالبت أمريكا في ظل إدارة أوباما برحيله كضرورة. ويقول المسؤول إن الإدارة تدرس ما ستفعله بالأسد، وهو أمر تقول إنه اعتراف آخر بالواقع.
ومن هنا تظل مشكلة التعامل مع روسيا في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» أمراً إشكالياً وينتظر المراقبون ليروا نتائجه. ونقل إكرمان عن مسؤول قوله: «بالطبع كان هذا هو موقفنا (من الأسد)» و»لا أعرف كيف سنتابع ما عملناه ولم نعمله وأدى إلى هذه النتيجة». ويعلق الكاتب أن المراقبين توقعوا النتيجة خاصة أن موقف إدارة ترامب لم يكن حاسماً بما فيه الكفاية. ولكنه أخبر صحيفة «وول ستريت جورنال» إنه يشك بالمعارضة السورية ودعمها. ويشير الكاتب هنا إلى تصريحات تيلرسون وممثلة واشنطن في الأمم المتحدة نيكي هيلي اللذين قالا إن الولايات المتحدة ليست معنية بمصير الأسد. وفي الوقت الذي قبل تيلرسون هزيمة تنظيم «الدولة» مقابل بقاء الأسد ناقشت هيلي أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس «لا يمكن أن يظل الأسد في سوريا متعافية».
فصل روسيا عن إيران
ويقول إكرمان إن أحد ملامح الإستراتيجية الأمريكية الناشئة تركز على محاولة دق إسفين بين روسيا وإيران، مع أن احداً لا يعتقد إن هذا ممكن. ويرى المسؤول الأمريكي أن موقف أمريكا من عدم السماح لعودة تنظيم «الدولة» قريب لروسيا منه لإيران، فهذه تريد أن يحكم الأسد كل سوريا وهو ما تراه موسكو أمراً غير واقعي. ويعلق الكاتب هنا أن التعاون المقترح مع روسيا بدأ مع مايكل فلين، المستشار السابق للأمن القومي الذي تحدث عن توسيع آلية تخفيف النزاع إلى آلية عمل عسكري. ولم توافق وزارة الدفاع (البنتاغون) عليها لأن الكونغرس فرض قيوداً على تعاون كهذا. ويرى المراقبون أن موقف الكونغرس سيعقد من تطبيق استراتيجية سوريا الجديدة.
ويقول مصدر إن القبول بمبدأ قبول الأسد في السلطة قد يثير معارضة من صقور سوريا/روسيا خاصة رئيس لجنة الجيش في الكونغرس، السناتور جون ماكين والذي اعتبر فكرة تيلرسون وهيلي القبول ببقاء الأسد صورة عن تحالف مع الشيطان.
وبعيداً عن الموقف في الكونغرس، فهناك ملمح آخر وهو قبول الإدارة بخطة محادثات السلام التي ترعاها روسيا بالتعاون مع إيران وتركيا. واتفقت القوى الثلاث بدون مشاركة أمريكية على إنشاء مناطق تجميد للنزاع- ينزع منها السلاح لتسهيل عودة المهجرين ووصول المساعدات الإنسانية. ورفضت المعارضة مقترحات الأستانة لأنها محابية للنظام السوري. ويعترف المسؤولون الأمريكيون بمظاهر القصور في خطة مناطق التجميد. وفي الوقت الذي قال فيه مسؤول إن تراجع معدلات العنف له علاقة بمحادثات الأستانة إلا أنه تردد في التعامل معها كعملية ناجحة. ولأن الولايات المتحدة تدعم قوات سوريا الديمقراطية وهي بالضرورة قوات حماية الشعب إلا أن روسيا لديها استراتيجية أوضح من تلك التي تتبناها واشنطن. وفي النهاية فمشكلة سوريا التي تسبب بها الأسد لن يحلها لقاء واحد بين ترامب وبوتين بل هي قضية تحتاج إلى أجيال.
ليست بهذه البساطة
فالحرب كما يقول روي غوتمان في الموقع نفسه دخلت عامها السابع وأدت إلى أكبر كارثة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية وقسمت دول الناتو وأدت لتدخل لاعبين كثر فيها، كل لديه أجندته الخاصة. ومع ذلك فهناك تقبل واسع للموقف الروسي بشأن الأسد. ويشير إلى موقف الرئيس الفرنسي المنتخب إيمانويل ماكرون.
وفي الوقت الذي تتقدم فيه قوات سوريا الديمقراطية الموالية لأمريكا نحو الرقة تتقدم الميليشيات الشيعية الداعمة للنظام باتجاه المدينة وكذا نحو دير الزور. ويرى غوتمان أن حديث تيلرسون عن التعاون والتنسيق مع الروس ترك مسألة بقاء الأسد بدون معالجة، مع أنه ترك المسألة في حديث خاص مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش للروس كي يقرروا أمر الرئيس. والمسألة ليست بهذه البساطة كما يرى غوتمان. فحتى لو وعد الروس بتغيير النظام فلن يكونوا قادرين على عمل هذا. فهم وإن غيروا المعادلة على الأرض إلا أنهم لا يتحكمون بها بل القوى الموالية لإيران: حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية والباكستانية.
وعليه فإيران التي قام الحرس الثوري قبل 3 أعوام بضخ الجنود والضباط لديه «فيتو». لذا فإن بقاء الأسد في السلطة يعني استمرار الحرب والنزوح بل والتقسيم. ويرى الكاتب أن الموقف الفرنسي الجديد القائم على عدم وجود البديل الشرعي للأسد لا يأخذ بعين الاعتبار صراع الأجندات. فتركيا حليفة الولايات المتحدة وعضو الناتو تريد رحيل الأسد. ولأن لديها 600 ميل حدود مع سوريا وقامت ببناء منطقة آمنة طولها 810 أميال داخل سوريا، فلديها هي الآخرى حق الفيتو على بقاء الأسد أو رحيله. ويخلص الكاتب للقول إن الوضع في سوريا دخل حالة من الإنسداد لا يمكن لمبادرة أمريكية- روسية كسر جمودها.
إبراهيم درويش