تعويم الدرهم المغربي دون موافقة الحكومة والبرلمان يثير أزمة في المصرف المركزي والقطاع الاقتصادي

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: بعد إعلان مدير بنك المغرب عبداللطيف الجواهري، بداية الشهر الجاري، موعداً للانتقال الرسمي إلى نظام تعويم الدرهم المغربي، قدم المسؤول الأول عن السياسة النقدية في ندوة صحافية مرافعة عن مخطط تعويم العملة المغربية محاولاً في الوقت نفسه طمأنة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين حول مستقبل العملية التي حدد لها مبدأ التصاعد التدريجي كإجراء احترازي خلال السنوات الثلاث المقبلة في أفق التحرير الكلي لتجنب المخاطر التي تحملها عملية تحرير الدرهم. لكن في المقابل لم يظهر محافظ البنك المركزي اهتماما كبيرا لجدل من نوع آخر تفرضه الشكليات المسطرية على قرارات السياسة النقدية في ارتباطها بالسلطة التنفيذية (الحكومة) والسلطة التشريعية (البرلمان).
ولم تستطع الحكومة ولا البرلمان المغربي مجاراة ايقاع سرعة بنك المغرب الذي انتقل إلى السرعة القصوى خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر رمضان الكريم، حيث كان عموم الفاعلين الاجتماعيين ومن بينهم الحكومة والرأي العام ينتظرون موعد الندوة الصحافية ليوم الخميس 29 حزيران/يونيو التي دعا إليها في وقت سابق محافظ البنك المركزي بمعية وزير المالية المغربي، لبسط خطة الانتقال التي سيستيقظ عليها المغاربة يوم الاول من تموز/يوليو. إلا ان تأجيل الندوة الصحافية التي صادفت اجتماع المجلس الحكومي طرح استفهامات جديدة حول مستقبل قرار سياسي يجمع الجميع على انه اتخد بعيداً عن الحكومة والبرلمان.

غياب السلطة التنفيذية

ويرى بعض المراقبين للشأن السياسي المغربي، ان المؤسسة التشريعية (البرلمان) فشلت في تفعيل أدوارها الرقابية والتشريعية التي خولها لها دستور 2011ولم تنجح في متابعة موضوع حساس يستدعي مسائلة السياسة النقدية في المغرب ورسم حدود تحركها خصوصا عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد.
ففي قلب الوثيقة الدستورية يسمح الفصل 74 من دستور المملكة بإتاحة الحق للسادة أعضاء مجلس النواب بوضع مقترحات قوانين حول السياسة النقدية، مدخل رقابي لم يتم استثماره ولا التفكير فيه، يضع مؤسسة البرلمان خارج الزمن الاقتصادي للبلاد ويسائل مرة أخرى عن دوره ان لم يكن قادراً على القيام به من حيث التفاعل وترجمة القلق الشعبي الذي يحمله مخطط تحرير العملة(الدرهم). بالإضافة إلى ذلك فإن أحكام الفصل 102 من مقتضيات الدستور تسمح باستدعاء محافظ البنك المركزي ليوضح خطة تحرير صرف سعر العملة.
ولا يختلف عموم الفاعلين على ان الحكومة والبرلمان كسلطات أساسية في مجال التشريع والمراقبة وتتبع السياسة النقدية، أبانت عن عدم قدرتها على مجاراة ايقاع سرعة البنك المركزي الذي من مهامه تنفيد السياسة النقدية تحت أعين رقابة لا تتدخل في استقلاليته المؤسساتية، وانما تحرص على تتبعها نظراً لترابط مجمل القضايا الاقتصادية بمدبري الشأن العام من حكومة وبرلمان.بالإضافة إلى ذلك فإن المجلس الحكومي الأخير لم يستمع حتى إلى تقرير وزير المالية المغربي الذي كان مبرمجا للحديث عن موضوع خطوة تعويم العملة أمام ضغط حراك الريف الذي أخد حيزاً زمنياً يقول بعض التقارير الإعلامية انه تجاوز ثلاث ساعات من زمن المجلس الحكومي. واعتبر عبد الواحد جاي الخبير الاقتصادي، والمسؤول السابق في البنك المركزي ان السلطات النقدية لا يحق لها اتخاذ قرارات تمس التوازنات الكبرى لمالية البلاد في غياب نص تنظيمي تصدره الحكومة وهو الأمر الذي سقطت فيه السلطات النقدية في الساعات الأخيرة من بدء عملية تحرير سعر الصرف.
وحسب توضيحات بنك المغرب ان القرار جاء بالتشاور مع مجموعة من المعنيين من بينها الحكومة ومكتب الصرف. أي أن القرار رسميا لم يتم إدراجه في أجندة القرارات الحكومية التي تضعها وزارة المالية كأولوية استثنائية في جدول أعمالها.
ويضيف نائب رئيس مركز عزيز بلال للدراسات الاقتصادية، ان البرنامج الحكومي الذي قدمه رئيس الحكومة سعد الدين العثماني لم ينص على وضع السياسة النقدية ضمن سياسته في التسيير الحكومي، بل اكتفى بالتنصيص على خلق لجنة مشتركة بين الحكومة وبنك المغرب لتتبع السياسة النقدية فقط.

محاولة لفهم المعنى

وقدم المسؤول الأول عن السياسة النقدية ما يشبه شروحات الإطار العام لأهداف عملية تحرير الدرهم التي ستعتمد على نظام مقايسة لسعر الدرهم مقارنة بسعر اليورو والدولار من طرف بنك المغرب ومكتب صرف العملة مع الحفاظ على دور البنك المركزي في التدخل عند تناقص مخزون العملة الصعبة عن مستويات معينة، وخاصة خلال الثلاث سنوات الأولى من التحرير.
وبعد هذه الخطوة التجريبية التي ستظل خاضعة لمجهر السلطات النقدية المغربية سيتم المرور إلى نظام التحرير الكلي الذي يعني ان الدرهم سيدخل إلى عالم المواجهة والمنافسة في الأسواق العالمية.

«كثر الهم يضحك»

وفي محاولة للإقتراب من وعي المجتمع وتتبعه لقرار من حجم تعويم الدرهم أي الانتقال إلى مواجهة السوق العالمية بما تحمله من مخاطر وتحديات وطنية يستلزمها إعداد أرضية اقتصادية صلبة للدخول غمار التجربة، يعجز أغلب المواطنين عن فك طلاسم لغة مدير بنك المغرب حتى عندما يحاول الخبراء من الاقتصاديين تبسيط شروحاتهم وتفكيك المفاهيم المرتبطة بالسياسة النقدية، فإن تلك المهمة تكون صعبة في غياب واقع اقتصادي تلمس مؤشراته على وجوه المغاربة. إن فهم معنى تحرير العملة لدى المغاربة توزع بين السخرية اللاذعة التي عكستها مواقف نشطاء رواد مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان مثل شعبي «اش خاصك العريان.. خاصني خاتم أمولاي» في إشارة إلى هشاشة الاقتصاد الوطني وعدم قدرته على المنافسة الدولية وواقع الفقر والعطالة التي تتخبط فيها البلاد. أما بعض النشطاء وهم فئة اجتماعية مواكبة للأحداث وعلى اطلاع بما يجري من أحداث دولياً ووطنياً، فإن تعويم الدرهم بالنسبة إليهم أصبح مرادفاً للسباحة أو فن العوم. وجاء في بعض التعليقات و«الهاشتاغات» ان عملية تعويم الدرهم في بحر السوق العالمية هي دعوة لإغراق البلاد وتسليمها لرؤوس الأموال والمضاربين، في حين وصف بعضها العملية مثل مشاركة المغرب في الألعاب الأولمبية في رياضة السباحة، متسائلة هل يستطيع درهم فقير الفوز بميدالية ذهبية في سباق الدولار واليورو والجنيه الإسترليني، وغيرها من العملات القوية؟ مضيفا بلغة عامية الله يستر.

كابوس يزعج المغاربة

وأدى تعويم العملة المصرية مع نهاية 2015 بعدما فرض عليها صندوق النقد الدولي هذا الممر الإجباري حتى تتمكن من الحصول على مراجعة استدانتها والحصول على قروض جديدة، إلى انهيار الجنيه أمام أعين مختلف الفاعلين الاجتماعيين، تحت ضغط الحاجة إلى استيراد المواد الأساسية والغذائية، واستفاد الموردون من الوضع الجديد، فكان المواطن المصري ضحية انهيار الجنيه المصري الذي فقد 70٪ من قيمته وارتفع التضخم إلى مستويات خطيرة.
ولا يتحدث عموم المغاربة سواء منهم الباحثون والمهتمون بالاقتصاد والمال أو المواطنون عن تحرير العملة إلا باستحضار صورة مصر كما رسمتها التقارير الإعلامية لحظة انهيار الجنيه المصري ودخـول الــبــلاد في المجهول والكارثة الاجتماعية التي زادت حدتها بعد قبولها شروط المؤسسات المانحة.
ويخشى المغاربة تكرار هذه التجربة الأليمة في ظل أوضاع اقتصادية ما زالت تبحث عن مخارج للنهوض الاقتصادي الذي يعتبر شرطا أساسيا لولوج تقلبات السوق العالمية المتحولة وهو الأمر الذي يغيب في ظل انتقال ديمقراطي مغربي معطل ما زالت تضعه التقارير الدولية في مراتب متأخرة في مجال التنمية الاقتصادية وهو ما تعكسه كذلك تقارير مؤسسات الإحصاء المغربية خصوصا في مجالات الفقر الاجتماعي.

إملاءات صندو ق النقد الدولي

بالنسبة لنورالدين الأزرق، الباحث في المالية العامة في المغرب، فإن تحرير سعر صرف الدرهم طرح على جدول أعمال مراكز القرار الاقتصادي والنقدي في المغرب مباشرة بعد نهاية برنامج التقويم الهيكلي في تسعينيات القرن الماضي بتحفيز من صندوق النقد الدولي، لكن تمكن المغرب بفضل إجراءات حكومة عبدالرحمان اليوسفي، ووزير المالية المغربي فتح الله، من إنهاء علاقته وتدخلات الصندوق المالي في قراره المالي من خلال اجراءات اقتصادية جعلت المغرب يحقق توازنات ماكرواقتصادية بل وحتى فائضا موازناتيا خلال سنوات 2007 و2008. كما ان إجراء تغيير سلة صرف الدرهم دفعت في إتجاه خفوت هذا المطلب لدى المانحين الدوليين. 
ويرجع المتحدث الأسباب الرئيسية لعودة المؤسسات المالية إلى التدخل وتوجيه السياسة النقدية في المغرب إلى تعاقد حكومة عبد الإله بن كيران حول خط الائتمان، الذي فتح باب اشتراطات المؤسسات المانحة الداعية إلى تعويم العملة وهو الشرط الرئيسي الذي كان وراء قبول أصحاب القرار المالي المغربي بمبدأ تحرير سعر الصرف ضمن باقي المعطيات الاقتصادية الأخرى.
ويقول أهل الاختصاص في مجال السياسة النقدية، كلما انخفضت قيمة الدرهم زاد الطلب على العملة الصعبة لتغطية الصادرات، ما سيضعف العملة الوطنية التي ستفتح الباب لرفع أسعار السلع المستوردة التي تعتبر سلعا حيوية بالنسبة للمستهلك والمصنعين، مع ارتفاع التضخم، مما سيزيد من المخاطر على المواطنين بشكل لا يمكن توقعه نظرا للاختلالات البنيوية التي يعرفها الاقتصاد المغربي الذي يرتبط أساسا بوضعية الميزان التجاري وميزان الادعاءات والذي يقر الجميع بانه مختل لصالح الواردات في بنيته السلعية والمالية، وهو عجز بنيوي لا يمكن تجاوزه إلا من خلال سياسة اقتصادية معتمدة على التصنيع والتصدير.
وفي هذا السياق يرى الباحث الاقتصادي نورالدين الازرق، أن هذه سياسة غير متوفرة اليوم. بل ولا يتوفر البلد حتى على تدابير القيام بها والحديث عن نمو صادرات المغرب وخصوصا من السيارات هو نوع من السراب لان المصدر ليس المغرب بل الشركات المصنعة فيه وبالتالي فان عائدات هذا التصدير لا تؤثر في ميزان الأداءات فعليا وهذا الأمر يسري على المهن بأكملها.  كما ان المغرب وفي افق تحول نموذجه التنموي ملزم بالاستيراد وهو ما سيزيد من تعميق هذا العجز ولو على المدى المتوسط والقريب.

ناقوس الخطر

وفي سياق ردود الفعل الاجتماعية على قرار تحرير الدرهم، قالت المنظمة الديمقراطية للشغل (نقابة عمالية) أنّ تحرير العملة الوطنية هو «استجابة لشروط صندوق النقد الدولي وإملاءاته المدمرة في القضاء على كل المكتسبات الاجتماعية في بلادنا، بدءاً بإلغاء صندوق المقاصة وتدمير القطاعات الاجتماعية، وتجميد الأجور مقابل الحصول على المزيد من القروض لمواجهة أزمة المديونية والاقتصاد الهش الذي عرفته السنوات الخمس الأخيرة».
وانتقدت المنظمة اتخاذ ما وصفته بـ«القرار السياسي» بعيداً عن الحكومة، وخارج نقاش وتداول حكومي قبلي، وعرْض الأمر على البرلمان قبل اتخاذ القرار، مضيفة: «وكأنَّ بنك المغرب أضحى مؤسسة مستقلة تتخذ قرارات سيادية لوحدها وخارج منظومة الإصلاحات الهيكلية للمالية العمومية التي أعلنتها الحكومة في تصريحها أمام البرلمان؟».
وعلّلت المنظمة الديمقراطية للشغل رفضها قرار تعويم الدرهم كونه ينطوي على تداعيات سلبية على الاقتصاد الوطني، وسيؤثر سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين، وخاصة الطبقة الفقيرة والمتوسطة والطبقة العاملة، مُستدلة بعدد من التجارب الدولية في هذا الصدد، «والتي أبانت عن فشلها في تطوير الاقتصاد وتحسين المؤشرات المالية».

تعويم الدرهم المغربي دون موافقة الحكومة والبرلمان يثير أزمة في المصرف المركزي والقطاع الاقتصادي

عزالدين ماليري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية