في ذكري رحيل ملك الربابة السوداني وساحرها: سأله النميري لماذا لا تغني لي فقال: انا ما بغني للرجال يا ريس !
خضر عطا المنانفي ذكري رحيل ملك الربابة السوداني وساحرها: سأله النميري لماذا لا تغني لي فقال: انا ما بغني للرجال يا ريس !في مثل هذه الأيام من العام 1993 صعدت روحه الطاهرة الي علياء الباري الكريم.. كان ملكا للربابة بلا منازع طوال أربعين عاما قضاها راحلا بين اضابير أوتار (طنبوره) الخمسة يشدو بأنغام كم تغني بها من بعده مطربو الشمال السوداني وأهله.. كان له مع كل وتر من تلك الأوتار حكاية ونغم وقصة ورقصة.. تغني للراحلين فوق ظهور دوابهم في الصحاري والاودية.. وللعاشقين.. والهائمين فوق دروب الهوي.. وللنيل.. والنخيل.. والجروف.. وجنائن الموز والبرتقال والليمون والجوافة.. وللنسيم يسري عند مطالع الفجر.. وللقمر يراقص تلال الرمال ليلا وهي تضاحكه تارة وتبكي احيانا تبثه اشواقها اليه وحنينها الدافق دوما.. كما غني ايضا للمراكب والمراكبية.. والتربال والمزارع.. وحسان القري المبعثرة بأرض الشمال.. وفتيات المدن.. وغني للشوق والحنين.. وللغائبين عن الديار.. والعائدين اليها بعد طول غياب. طبقت شهرته آفاق السودان الواسعة.. كان عازفا متمكنا لآلة الطنبور.. وبارعا في آدائه لغنائه.. وجادا في توظيف ما وهبه المولي من قدرات فنية قل ان يجود الزمان (في هذا المضمار) بمثلها.. كما كان صاحب بديهة حاضرة.. ونكتة ذكية.. وقفشات لماحة.. وروح شفافة.. كما عاش ومات سودانيا اصيلا (حينما كان السودان سودانا)!! لم يتاجر يوما بفنه او يغامر بمجد بناه بنفسه لبنة لبنة.. كلا ولم يتلوث ابدا مثل بعض من كان لهم يوما المثل والقدوة لا بل والمنارة التي اضاءت لهم الطريق وفتحت أمامهم مغاليق المهنة وآفاق الشهرة والكسب الحلال (يوم كانوا متعثري الخطي علي طريق فن الطنبور)!! اربعون عاما قضاها في دهاليز الفن دون ان تنحني له هامة او تلين له قناة او يلعق حذاء حاكم او يتودد سلطانا او يستجير بجاه.. ولا زال كل المقربين منه واصدقاؤه وخلصاؤه ومحبو فنه من العارفين يذكرون له تلك العبارة التي رد بها يوما علي الرئيس جعفر نميري حينما سأله: لماذا لا يغني له؟؟ فكان رده الحاسم (انا ما بغني للرجال يا ريس) وكان يومها جوقة المطبلاتية تزداد يوما بعد يوم يتقدمهم بالطبع محمد وردي وسيد خليفة والثنائي الوطني وأمثالهم كثر من مطربي بلادي.. كانوا يسبحون بحمد نميري ويمجدون كل ما يقوم به!!انه كان بالفعل هرما من اهرامات الطرب في وطني الذي لا يزال مختطفا!!! .. كان واحدا من قلة رسخت لقيم رفيعة في مجال الطرب والغناء.. واحدا من أهم من ارسوا دعائم فن الربا بة (الطنبور) الذي اشتهر به اهل الشمال السوداني في البدء قبل ان يصبح جزءا من فولكلور سوداني اصيل في كل بقاع ذلكم الوطن المترامي الاطراف بحجم قارة. والربابة او (الطنبور) كما يحلو لأهلنا في الشمال تسميتها آلة ذات أوتار خمسة مشدودة علي قاعدة في شكل اناء خشبي مكسو بقطعة من جلد الماعز او الابقار ذات ثقوب مرتبة وفي شكل اسطواني بديع غالبا ما تكون (أي هذه القطعة) مزركشة ببعض الالوان البديعة والتي كثيرا ما تكشف عن ذوق صاحبها. كما ان (الربابة) آلة غنائية عريقة وقديمة قدم الفنون في ذلكم الجزء من العالم.. وقد وفدت الي شمال السودان من مصر المجاورة وذلك منذ فجر الفراعنة الاول.. عبر الرحلات النيلية المتبادلة للتجارة والصيد واكتشاف منابع النيل ومجاهله..وهي علاقات تداخلت بين الجانبين واستمرت لتتوج بالمصاهرة وتبادل المنافع (في ذلك الزمان الغابر من تاريخ العلاقات السودانية ـ المصرية) بعد ان جمعتهما سبل كسب العيش والاعتماد علي خيرات النيل من الاسماك والزراعة علي شاطئيه. وقد كان اهالي (حلفا) في اقصي شمال السودان امتدادا بشريا وطبيعيا لـ(النوبيين) الذين يعيشون عند المناطق المتاخمة للحدود مع مصر (اسوان وما جاورها).. وكان تأثر بعضهم ببعض قد امتد ليشمل معظم مناطق الشمال السوداني بمن فيهم قبيلة (الشايقية) أحدي أشهر وأهم القبائل التاريخية في ذلك الجزء من السودان القديم ومنها ينحدر هذا المطرب العملاق النعام آدم وهذه القبيلة شكلت بذلك همزة الوصل ( فنا وابداعا وتاريخا) بين شمال السودان ووسطه. ومثلما تشابهت وسائل المعيشة وسبل كسب الرزق بين (الحلفاويين) و(النوبيين) وقبيلة (الشايقية) كذلك كان الحال بالنسبة للفنون، حيث أخذ أهل الشمال فن الربابة من جيرانهم في جنوب مصر وطورها (الشايقية) شكلا وتنغيما.. وفجروا كل امكاناتها اللحنية الممكنة بعد ان اضافوا اليها محسنات جمالية ووترية اضفت علي شكلها التقليدي مسحة ابداعية اكسبتها فرصة المنافسة بين آلات آخري عديدة تزخر بها شتي الوان الفنون الغنائية السودانية حيث تتعدد اللهجات والايقاعات والثقافات ومظاهر الافراح والاتراح ………الخ. والنعام آدم (هذا الراحل الخالد) يعد المطرب الوحيد في تاريخ الغناء السوداني الذي شرفه صفوة الباحثين والدارسين في فن الغناء السوداني بلقب (ساحر الربابة ابوشنب)، حيث اشتهر بجانب براعته في العزف علي آلة (الطنبور) وانقيادها السهل لأنامله كيفما شاء بشارب كث وطويل يري الناظرون اليه من الخلف اطرافه المشرئبة في كبرياء ورجولة اكسبته هيبة خاصة ووقارا. (انه اسطورة) هذا ما رددته كوكب الشرق الراحلة السيدة ام كلثوم عندما شاهدته وهو يعزف علي (طنبوره) ذات يوم.. وذلك عند حضورها في يوم 23/12/1968 لاحياء ليلتين غنائيتين علي خشبة المسرح القومي السوداني بمدينة ام درمان عاصمة السودان التاريخية. وقد ظل النعام آدم يفخر بما قالته عنه ام كلثوم ويردده في مجالسه الخاصة وامام جمهرة محبي فنه كلما جاءت المناسبة.. كما لا تزال الصورة الفوتوغرافية التي جمعته بهذه المطربة الخالدة تزين جدار صالون منزله المتواضع بحي اركويت الشعبي بالعاصمة الخرطوم. ألا رحم الله النعام آدم فقد كان نسيجا وحده.. كما يشهد له بذلك الجميع.اعلامي من السودان[email protected]