استقامت ردود الأفعال المسيحية حيال مقتل لاجئين سوريين تحت التعذيب على يد الجيش اللبناني، على عونية شعبوية شوفينية. فتبدت جميع الأحزاب السياسية المسيحية «تياراً وطنياً حراً» ترفع الجيش إلى مرتبة المقدس وترفض المساس بأفعاله، نقداً ومساءلة وتحقيقاً.
والعونية المعلومة كفعل سياسي يومي يتوزع نشاطها جنرال وصهره، تستر حنيناً إلى يمين محلي طائفي، نظّر للبنان «ملجأ الأقليات»، وبدا في الحرب مليشيات تتسلح بسردية الدفاع عن «الوطن» ضد « الغريب» الذي تحالف معه بعض الداخل «الخائن».
وحالة المليشا المسيحية آنذاك الخارجة بداهة عن الدولة تبنت الدفاع عن الأخيرة، متذرعة بضعف الجيش مقابل قوة التنظيمات الفلسطينية المسلحة. فاختلط الخارج عن القانون بالدفاع عنه، واللاشرعي بالشرعي، والعنف بمرجعية احتكاره. وغذّت الحالة تلك، علاقة عضوية بين المسيحيين والدولة بنسختها الاستقوائية على المسلمين، والمستقرة على دستور غايته حفظ امتيازات الجماعة وتأبيدها. فمن هوس مرضي بدولة فئوية، وانفلات مليشياوي دفاعاً عنها، تألف وعي مسيحي هجين، انتج طبقة سياسية مسيحية تدرجت في التنازل عن مبدئيتها لتصل أخيراً إلى شخص مثل جبران باسيل.
وعلى المنوال التناقضي نفسه، تحالف المسيحيون مع البعث الأقلوي السوري ثم حاربوه، مستعيدين تجربة الدولة وعدمها. الحزب العقائدي الذي تماهى مع نازع طائفي مضمر، تحول لاحقاً إلى أسدية صلبة، تقاطعت مصالحه مع جماعة تماهي بدورها بين وجودها
وايديولوجية الدولة. وهو، أي البعث السوري، اخترع مليشيات أيضاً ظهيراً له في صراعه مع «الإخوان». واختلاف السياقات التاريخية في علاقة كلا الطرفين بالدولة، ارتباطاً ومعنى في حالة مسيحيي لبنان، ومصادرة وانقضاضاً في حالة البعث السوري، لا يلغي وحدة الأدوات، التي إن أراد الطرف الأول استعادتها راهناً وجد نفسه مفلساً مضطراً للاستعانة بما بقي من «وهم» الدولة السابقة، أي الجيش. والأخير، يداعب شهوة المسيحيين الدائمة إلى قوة فات زمانها، ويعيدهم إلى صورة الستينيات وما قبلها، حين كانت المناصب ومنها العسكرية، مفاتيحهم لحفظ السلطة واستمرارها. والجيش الحالي، وإن شكك لبنانيون كثر باختراقه من قبل مليشيا «حزب الله» يرضي ماضي المسيحيين، عبر مستويين اثنين، حماية الدولة التي يتوهمون حضورهم فيها، والمليشيا الرديفة التي تنوب عنهم في دور قاموا به سابقاً، أي يضعهم على حال التباسي غالباً ما استراحوا إليه، وخرج معظم قادتهم الحاليين من رحمه.
والدفاع عن التعذيب الذي مارسه الجيش المتهم بصلته مع المليشيا ضد لاجئين سوريين حتى الموت، يستكمل وصل المسيحيين مع صورتهم «الذهبية»، أو ما بعدها. صورة لا تستمد بعثيتها من الانتهاكات
والممارسات العنيفة فقط، بل من مراس طويل من التستر وراء ارتباطات وظيفية انتفاعية بالدولة، في حال المسيحيين، والعقيدة في حال البعث. تستّر يخفي نوازع طائفية وغايات وطموحات وهواجس محفزها الوحيد الصراع مع الطوائف الأخرى ومغالبتها.
وما يعوضه المسيحيون اللبنانيون، على المستوى النفسي في تأييدهم الأعمى للجيش وممارساته، هو لدى «حلفائهم» الممسكين بمصير البلد، ليس سوى غطاء لتحقيق استراتيجيات لها صلة وثيقة بسوريا وتحولات الصراع فيها. بمعنى أن الجماعة التي لصقت نفسها بوجود لبنان كـ»دولة – أمة» باتت تعالج نفسها على وقع خطط الطائفة «الأقوى». علاج يعيدها إلى صورتها البعثية حيث التأرجح بين الدولة والانقلاب عليها، بين الوطن وخيانته.
وللبعثية المجرّبة كحكم ديكتاتوري قمعي، وجه آخر متخصص في خلق الالتباسات. المسيحيون اللبنانيون، تلبسوا في أحوال قوتهم، ويتلبسون في أحوال ضعفهم، هذا الوجه.
إيلي عبدو