خلال قمة الدول العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية، انصب اهتمام المحللين على قضايا متعددة، منها المواجهة الأمريكية- الأوروبية بسبب ملفات مثل التجارة. ومرّ حدثان بدون اهتمام كبير، رغم أهميتهما مستقبلا ويتعلق الأمر بخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل القمة، وكان في بولونيا بقوله «يجب الدفاع عن الغرب». وقرار استراتيجي آخر في هامبورغ يتجلى في التوقيع مستقبلا على اتفاقية تجارة صلبة مع بريطانيا. ونحن هنا أمام الثنائي «لندن- واشنطن» الذي أثر كثيرا على العالم خلال القرن العشرين.
وجاء في خطاب ترامب خلال قمة بولونيا التي جمعته بـ11 رئيس دولة من أوروبا الشرقية والوسطى: «القضية الأساسية في عصرنا الراهن هي: هل يمتلك الغرب رغبة الاستمرار؟»، وتابع قائلا «نضالنا من أجل الدفاع عن الغرب لا ينطلق من أرض المعركة وإنما ينطلق من عقولنا ورغبتنا وروحنا». وطالب الدول الغربية بضرورة الرفع من ميزانياتها لتعزيز منظمة شمال الحلف الأطلسي، التي تعتبر أداة الغرب العسكرية والتنفيذية لتطبيق سياساته في العالم. ويحمل خطاب ترامب ثلاث رسائل، وهو الذي كان يرفض الحلف الأطلسي ويهدد بالانسحاب منه أو حله، خلال الحملة الانتخابية الرئاسية السنة الماضية إذا لم يلتزم الشركاء الأوروبيون بتخصيص ميزانية أكبر للجانب العسكري، والرسائل الثلاث هي:
ـ تتجلى الرسالة الأولى في الاستمرار في الاعتماد على الحلف الأطلسي كأداة رئيسية تهيكل الغرب وتضمن أمنه وتفوقه العسكري، في ظل تشتت باقي العالم وعدم نجاح قوى كبرى مثل الصين وروسيا في نسج تحالف عسكري قوي ومتين، إذ يستمر غياب الثقة بين الطرفين، ولا تجمعهما قواسم ثقافية وتاريخية مشتركة مثل الغرب، بل فقط تجمعهما في الوقت الراهن مواجهة الغرب وأساسا الولايات المتحدة.
ـ والرسالة الثانية تتجلى في الاستمرار في محاولة استمالة روسيا كشريك مستقبلا، عندما يقول بضرورة تولي روسيا مواجهة دول مثل إيران وسوريا وكوريا الشمالية. وهذا التصور يحدث انقساما وسط المؤسسة العسكرية بين من يطالب بضرورة فصل روسيا عن الصين، لأن هذا البلد الأخير سيكون منافسا شرسا خلال العقود المقبلة للولايات المتحدة والغرب عموما، وبين طرف يرى ضرورة استمرار روح الحرب الباردة لغياب الثقة في الدب الروسي، بسبب مخططاته المستقبلية للهيمنة على أوروبا ومنطقة الشرق بالكامل.
ـ بينما الرسالة الثالثة هي تنبيه الدول الغربية بضرورة الحسم في مخططاتها العسكرية، الرهان على الحلف الأطلسي قوي يشارك فيه الجميع، أو في المقابل قيام الولايات المتحدة بالرهان على لندن كثنائي لرسم الجزء الأكبر من قرارات العالم، كما جرى طيلة القرن العشرين مثل الحرب العالمية الأولى والثانية، وحربي الخليج الأولى سنة 1991 والثانية في القرن الواحد والعشرين (2003).
وعلاقة بهذا الموضوع، لم يحظ قرار الرئيس الأمريكي ترامب مع رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي، بالتوقيع على اتفاقية تجارية صلبة ومتينة باهتمام الكثير من المحللين، رغم دلالاتها السياسية الكبرى مستقبلا. ومن هذه الدلالات تعزيز العلاقات الثنائية بين الطرفين في حالة عدم مشاركة أوسع لكل من فرنسا والمانيا في دعم الغرب، وفي الوقت ذاته، جعل التبادل التجاري الجديد دعامة رئيسية لتقوية العلاقات السياسية والعسكرية. ويرى المحللون أن واشنطن ردت على مخططات فرنسا والمانيا بتعزيز العلاقات مع روسيا، خاصة في مجال الطاقة عبر بوابة بريطانيا اقتصاديا، وعبر بوابة دول أوروبا الشرقية عسكريا، من خلال قمة بولونيا الخميس الماضي. وسيتم التوقيع على الاتفاقية في ظرف لا يتعدى السنتين، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقد يكون الاتفاق الأكبر في العالم، لأنه سيجمع أول اقتصاد عالمي بسابع أو ثامن اقتصاد عالمي، وسيكون أكبر من الاتفاقية التي أعلنها الاتحاد الأوروبي مع اليابان خلال قمة هامبورغ. ومن علامات أو عناوين قوة الاتفاق البريطاني- الأمريكي هو طبيعة لندن ونيويورك كأكبر مركزين ماليين في العالم، علاوة على هيمنتهما السياسية على المؤسسات الدولية سياسيا واقتصاديا.
وعمليا، بينما رفض ترامب اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، يراهن على اتفاقية مع بريطانيا لوحدها. وكل هذه التطورات تجر الى تساؤل رئيسي: هل البريكسيت هو مشروع جرى التخطيط له منذ سنوات من طرف الأدوات السياسية العميقة للدولتين، أو ما يصطلح عليه «إشتبلشمنت» إعادة صياغة الغرب، خاصة في شقه البريطاني- الأمريكي بعدما عجزت واشنطن عن إقناع فرنسا والمانيا بالتخلي عن استقلاليتهما النسبية في مجال التجارة والسياسة الدفاعية والدولية؟ التخطيط للبريكسيت وارد، فالعالم الأنكلوسكسوني قلق على مستقبل الغرب، نتيجة تقارير وأبحاث فكرية استراتيجية عديدة سنويا، وهو الهاجس غير الحاضر لدى مكونات أخرى من الغرب مثل فرنسا والمانيا. وعليه، معظم خطوات واشنطن ولندن ترمي الى استعادة الغرب، ولكن وفق تصورات تفرضها التطورات الدولية الجديدة.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي