صراع للاستحواذ علي الجمال والحب ووردة مزينة بشريط السحر الاسود
شبح الأوبرا جمالية لونية وصوتية عالية:صراع للاستحواذ علي الجمال والحب ووردة مزينة بشريط السحر الاسوددمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: شبح الأوبرا تحية عميقة إلي فن غاب عنا بمعني أو بآخر، غاب عنا بشكله الجميل الذي يقدمه هذا الفيلم. هذا الفن الذي شكل عالماً مستقلاً، سعت هوليوود إلي تقديم الكثير من الأعمال كتحية لزمنه الجميل، أمثال قصة الحي الغربي- مولان روج – شيكاغو ومن إنتاج 2004 الفيلم الأمريكي شبح الأوبرا- Phantom of the Opera .قد يقود عنوان الفيلم إلي عالم الأوبرا، وهو فعلاُ عن عالم الأوبرا، ولكنه بقالب عروض الميوزيكال الأمريكية. فقوام هذا الفيلم ثلاثة عناصر متداخلة، بداية ً يتم استحضار الأوبرا، كزمن مستعاد ومكان (دار عرض)، ويشملها كأسلوب غنائي.يعتمد هذا الفيلم عبر ساعتين ونصف تقريباً علي تقنيتي الفلاش باك والسرد، والراوي هو احد الأبطال الثلاثة راؤول- Patrick Wilson . فمكان الأحداث بنسبة 80 % هو دار الأوبرا في باريس. باستثناء بعض المشاهد اثنان منها في المقبرة، وست لقطات من الشارع أو الطريق الذي تسير فيه العربة.يعرض هذا الفيلم عالم الأوبرا الحقيقي، أو الكلاسيكي للدقة، العالم المضاء بالشموع، المرسوم باللّونين الخمري والذهبي، المنحوتة حوافه ومقاعده ومقاصيره بالتماثيل، كاشفاً بدقة تاريخية، يُشكر عليها المخرج Joel Schumacher عن أسرار الدار الأعمق من منصة العرض، والأبعد من حدود الرؤية التقليدية. ضخامة الصالة والمنصة، إبهار الثريا، تنوع وتعقيد الوسائل التقنية، الحبال والستائر، بهرجة العرض والجمهور بالأزياء الضخمة والحلي المزركشة. مكان تموضع الاوركسترا، وضخامة عدد العازفين.يُلغي هذا الفيلم الحوار التقليدي، الذي يعتمد الكلمة سراً له، ليطلق النغم الاوبرالي مساحات ممتدة تحمل عبر طياتها حوار النص الأصلي للفيلم وحكايته. وهكذا ينجح المخرج والموسيقي Andrew Lioyd Webber بشد المتلقي إلي اللحظات الأخيرة، بلغة كانت رغم جدتها أوسع من حدود الكلمة فالصوت الأوبرالي، الذي لم يعتد المتلقي العادي علي التعامل معه، ينجح هنا في كسب الرهان. وهكذا تغدو حوارات الفيلم هي حوارات غنائية درامية، تنقل الحالة الشعورية والجو الدرامي أو الاحتفالي كاملاً.واحدة من أجمل نقاط الفيلم، هي اللعبة التي نجح فيها المخرج، حين ادخل العرض الذي تقدمه خشبة دار الأوبرا في العمق الدرامي للفيلم، فالفيلم الذي يعتمد قصة تدور داخل عالم الأوبرا، يتداخل مع أحد العروض، ليصبح حدث الفيلم هو الحدث الذي تعرضه خشبة الأوبرا في احتفال احد الليالي، ويغدو أبطال العرض الأوبرالي هم أبطال حكاية الفيلم. وهذا المزج بين العرضين يقود المتلقي بسحر وقوة إلي داخل العمل الأوبرالي الكلاسيكي في العادة، ليتساءل في النهاية أي قصة هي التي يتابع؟ هل هي حكاية الجمال والحب أم حكاية الأوبرا؟ أم أن كلتيهما واحد، وفي النهاية هي حكاية الأوبرا، هذا العالم المليء بالجمال، القاسي والعنيف ؟!!ولكن هذا الأسلوب المُستحضر لا يُسيطر علي العمل، فالفيلم يضم بالإضافة إلي هذا أعداداً ضخمة من الراقصين والمغنين والأيكروبات، وهو إلي جانب هذا التنوع البصري الكبير، يقوم درامياً علي المزج بين التراجيديا والكوميديا، بحكايتين متداخلتين، الأولي هي حكاية دار العرض الباريسية وحياة من فيها ومشاكلها، عالم الأوبرا وعروضه المليئة بالبهرجة والضخامة،وهذه حملت طابع البساطة والبسمة، والثانية حكاية عبقري موسيقي مشوّه الوجه يعيش في ظلمات هذه الدار، يعشق الجمال والموسيقي، ويحيي بالألم والقسوة، وهذه كان طابعها اقرب إلي المأساوي لما فيه من قسوة وظلم يُبرر هذه القسوة.حكاية الشبح، هذه الحكاية الغريبة، والسحرية، تجري في داخل دار الأوبرا، وللتحديد في أعماقه وظلماته، وهي حكاية كانت قد بدأت منذ زمن ٍ طويل ٍ مضي. فالشبح Gerard Butler الفارس المشوه الوجه، عاني قسوة ووحشية العالم منذ نعومة أظافره، وهو مغرم بالرقيقة كريستين- Emmy Roum مغنية الأوبرا الصاعدة، التي- ومهما حاول – يكتشف في النهاية انتماءها إلي العالم الواقعي وليس إلي عالمه السحري. فصراعه للاستحواذ عليها هو صراع للاستحواذ علي الجمال والحب الذي حُرم منه، هو العبقري والملحن والساحر. راؤول أحد شباب هذا العالم الأوبرالي يبادل كريستين الحب، ويبادل الشبح الصراع. وهو يمتلك الصوت الحسن والشكل الحسن والخلق الاجتماعي الجيد أيضاً، إلا انه يفتقد لسحر وجماليات الألم.هنا يلعب المخرج علي عالم الميوزيكال، لكي لا يسقط عمله الفني من تحية حب وجمال إلي تراجيديا مأساوية لا تثير سوي الدموع !! فيمزج بين التراجيدي والكوميدي، القسوة التي تثير تعاطف وانتباه المتلقي يكسرها بكوميديا الشخصيات الثانوية، شخصيات العرض والمكان الأوبرالي، حركات صغيرة، ناعمة، ولكنها كافية لرسم الابتسامة ونقل المتلقي بخفة إلي عالم مرح، يضج بالمؤدين والراقصين، عالم الاستعراض الباهر، موسيقي سريعة، وشخصية مرسومة بدقة لمغنية الأوبرا الكلاسيكية، التي يُضيف عليها في عمله بريقاً من التشنج الدائم، الذي يولد الضحك باصطدامه بعالم الشخصيات الأخري. عبر طبقة صوت حادة ومكياج مكثف لدرجة عالية، وحركات تملأ المكان بالحيوية. فينتقل المتلقي بين لحظات الصراع والوحدة،الألم والشفقة، الحب والكراهية، الغضب واللهفة، إلي الكوميديا أو الابتسامة علي ناس بسطاء سعداء مشاكلهم واقعية بسطحيتها، تافهة بأبطالها.وهكذا يحتوي هذا القالب الميوزيكالي بشخصياته الكثيرة، وتنوعه بين الرقص والغناء والموسيقي، عالم الأوبرا الصراعية، التراجيدي القائم بين الشخصيات الثلاث راؤول- كريستين- الشبح . كان هذا التداخل والمزج بين الحكايتين خيار المخرج الناجح للهروب من الصرامة الكلاسيكية للأوبرا. هذا الخيار قدمه المخرج بلوحة لونية مميزة، رسم من خلالها درامية الفيلم، وتنوعه الضخم، فيسود اللون الأسود عالم الشبح، في تضاده مع عالم كريسين الشفاف والنقي كاللون الأبيض، الملازم لها أغلب الوقت.للون الأحمر دلالته العميقة هنا، فهو بدرجاته الغامقة لون صالة الأوبرا، لون الشغف حين ترتديه كريستين، لون اللهب حين يتأزم الصراع، لون السحر والغموض حين يُسيطر عليه الشبح. الرمادي الباهت، المغبر، الأبيض والأسود، الأخضر الغامق جداً حتي الاقتراب من اللون النيلي، كل هذه علامات ترسم عالم الشبح الداخلي.في مقابل الزهري الفاقع الذي يملأ صالة الأوبرا، الأصفر، والأبيض والأحمر، هذه الألوان التي تتداخل لترسم عالماً سحرياً يفيض بالبهجة والفرح والحيوية.وكاميرا دقيقة، سريعة، تنسل كما حركة الشبح، بخفة راقص الميوزيكال، وبدقة مغني الأوبرا، برهافة كريستين، وبشفافية عالم تَدمّرَ وماتَ، تنقل كاميرا الفيلم كل السحر الموجود في عالم رسم رسما ً علي الكومبيوتر ليبدو كبعث الحياة في صورة احترقت، كسرد حكاية صورة عتيقة. من الزوايا، ومن الأعلي إلي الأسفل، بسرعة وباستخدام تقنية الزوم، الكرين، الحركة الدائرية، وتعدد مستويات الرؤيا، أفقي عامودي ومائل. كل هذا لكشف الدقة العالية التي تم بها رسم هذا العالم المتخيل والضخم.وفي النهاية ينجح المخرج بشدنا إلي عالم الأوبرا، بسعادة وشغف في البداية، مع أنه يصنع دمعة ألم مع الخاتمة، وكل هذا علي خلفية الصوت الأوبرالي العميق والقوي، الذي يمتد بعيداً عبر مدي الزمن المفتوح. إنها تحية من القلب إلي زمن غاب واندثر تحت الرماد كما دار الأوبرا، ولم يبق علي قبره سوي وردة حمراء مزينة بشريط السحر الأسود.2