هناك فجوة حضارية بين العرب والغرب لا تني تتفاقم مع الوقت، خاصة أن وتيرة التاريخ زادت في هذا العصر الفائق التطور والنماء. وهذه الفجوة يعكسها التفاوت الكبير في استخدام المصطلح في المجال التداولي لدى العرب ولدى الغرب.
المصطلحات الحديثة والمعاصرة تمثل أصعب التحديات التي يواجهها العرب اليوم، لأنها تحدد وجودهم ومن ثم هويتهم العربية الآيلة دائما إلى التشكل، ولا تكف عن التكوين والنشوء. فالمصطلح الحديث العلمي منه والفلسفي والسياسي يحمل معاني الحضارة الغربية في كل تجلياتها ومستويات تعبيراتها وأبعادها أيضا، على خلاف المصطلح العربي الذي لا يجاوز الكلمة المرادفة له على صعيد الترجمة، دون أن يمتد إلى التوظيف الشرعي له الذي استحق أن يولد من العقل الذي يوظف اللغة العربية في أرقى وعيها بالواقع.
ما زال العقل العربي يستخدم مصطلحات اللغة العربية بشكل مفارق لها، أي في غياب بيئتها الحديثة المناسبة لها، كأفضل سبيل إلى ترقية متواصلة للغة الكلام والحديث، والخلق والإبداع والقدرة على الصياغة وتحليل وتركيب الخطاب الفكري والسياسي. وعليه، تظهر المفارقة والتفاوت ليس في طبيعة اللغة، بل في تقلص المجالات والفضاءات والتخصصات، التي يجب أن تتسع لها اللغة العربية في عصر العولمة، الذي أبرز مظاهره وظواهره الديمقراطية، التي صار لها تاريخ وتجربة ومفهوم، تستدعي كشرط لازب السياق والقدرة على التمثل ووسائل التحقيق والإنجاز لمواصلة مسيرة إغناء المصطلح والحفاظ على شرعية تداوله وممارسته.
إذا كانت الديمقراطية، تعني من جملة ما تعني استعدادا دائما لتداول السلطة والحكم، ومن ثم الاحتكام إلى منطق المؤسسة العامة، التي تعبر عن فكرة الدولة الحديثة، علاوة على المعاني الأخرى التي لا تكف عن التعبير عن الديمقراطية على مستوى الوجدان، الوعي والفكر السياسي والممارسة الانتخابية، فإن هذا ما يفتقر إليه مصطلح الديمقراطية في المجال العربي العام، الذي لايزال يستحوذ عليه نظام الحكم. بعد قرابة نصف قرن مازالت التجربة الديمقراطية في العالم العربي دون المعاني التي ينطوي عليها المفهوم في المجال التداولي الغربي، الأمر الذي فوّت فرصة رائعة جدا عن مفهوم وتجربة الديمقراطية، للاستفادة من التجربة العربية الحديثة، من أجل إضفاء شرعية تداول المصطلح على الصعيد الدولي، الذي يحتاج إلى رصيد كافة الحضارات والثقافات الحديثة والمعاصرة.
المجتمع الدولي تعبر عنه كل دول العالم، وأفضل سبيل إلى ذلك معاشية المصطلح على مستوى الوجدان والعقل والتجربة والممارسة. إن النظر إلى حق العرب في إدارة العالم يظهر من خلال لغتهم وقدرتها على استيعاب المفاهيم والمصطلحات، ولغات العالم المتداولة اليوم في كافة أنحاء المعمورة. وهذا هو وجه التحدي الحقيقي الذي تتعرض له الهوية العربية، عندما تعجز اللغة العربية عن التواصل مع بقية العالم بالانفتاح والاستيعاب والإبداع. فالحق في الوجود يتطلب القدرة على المساهمة والفعل. الغالب، أن العرب اكتفوا بترجمة مصطلح الديمقراطية وإحالته إلى القاموس العربي الحديث، دون مثال عن تجربة عربية تؤكد معنى المصطلح وتوضحه. والحال، وهذا هو وجه التحدي، أن تعطلت اللغة العربية بسبب غياب التلاقي بين الفكر والممارسة، كأفضل سبيل إلى توليد المصطلح الشرعي المناسب، الذي يساعد على كتابة تاريخ التجربة العربية الحديثة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فتعريب وترجمة المصطلح لا يحقق فورا وبشكل تلقائي التجربة الديمقراطية في أبعادها ودلالتها التاريخية والسياقية. ومن هنا، هذه الحالة: الفجوة الحضارية لا تزال تفضح العقل العربي في استخدامه للغة، بعيدا عن مجالها التداولي وقوتها الدلالية، لحظة التحام المصطلح برحمه وتداخله معه تداخل اللحمة بالسّدى.
يكشف تحليل الخطاب السياسي العربي الحديث والمعاصر عن جوانب من التَّستر على ما تريده الأجيال العربية المتلاحقة. ويظهر هذا التحليل عناد السلطات الرسمية على إبقاء مفردات النظام العربي الذي جاء إلى الحكم عن طريق الحركات التحررية، أو عبر الانقلاب، أو وراثة الحكم… الكل ساهم في اغتيال عبقرية اللغة العربية في التعامل مع الحياة الحديثة في كافة تجلياتها ومظاهرها. إن اغتيال العقل العربي، على ما يرى البعض هو اغتيال للغة بالدرجة الأولى، بصرفها عن التمكن وإتقان آلية التفكير وصك وصياغة المعاني للمصطلح وإيحاءاته المختلفة. فقد جرى التعامل مع المصطلح الحديث دون حمولته التاريخية والحضارية وخارج سياقه الأصيل والأصلي (الغرب دائما).
في عالم اليوم، العصر الفائق المعولم، صار بإمكان الإنسان العربي أن يلتقط الكلمة في لحظة اكتشافها واستخدامها الأول، ويمكنه من ثم التعاطي معها بقدر كبير من التلقائية والعفوية، لأن المشهد العالمي لم يعد قاصرا على النص وحده، بل إلى جانبه أيضا الصوت الحي والصورة الحية. والعولمة بهذا المعنى لا تمثل تحديا بالمعنى السلبي، بقدر ما تعني حافزا مهما لأنها تضعنا في صلب العالم وروحه، بل قد تساعد كثيرا في إسعاف وإدراك اللغة العربية ذاتها، عندما يُحْسن استغلال فضاء المعلومات والمعلوماتية، من حيث ضبط التركيبة الجديدة لقواعد تعليم وتعلّم اللغة العربية واللغات الأخرى، كذلك من حيث توفير قدرات جديدة لبنية اللغة العربية من حيث (الصوتيات)، ومن حيث الاشتقاق، علم الدلالة، علم السيمياء أو العلامات.
وما له أهمية في هذا المقام، ما جاء في التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، الصادر عن مؤسسة الفكر العربي 2010، حيث يشير إلى أن أكثر من 90% من أرقام ومعطيات وبيانات وجداول توضيحية، أخذت من مصادر غربية في موضوع يتعلّق بالعرب. أما وجه الإشكال والصعوبة التي تواجهه اللغة العربية في العصر المعلوماتي والتقني الفائق، فيذكر التقرير هذه الفقرة: «إن اللغة العربية تتميّز بعدد من الخواص الأخرى التي تعقّد تعامل تقنية المعلومات معها. منها تعدد أوجه الصرف المتاحة، والمثال الأقرب تعدد صيغ الجمع، وفي الوقت ذاته، المرونة التي يمكن بموجبها صياغة الجمل العربية، من تقديم وتأخير وإضمار وحذف وتورية وإبدال لمفرداتها، بالإضافة إلى الطول المفرط للجملة التي اعتاد عليها كتّابها، وتعدد اللهجات والازدواجية اللغوية للفصحى والعامية، وجنوح الكثيرين لاستخدام مفردات وتراكيب مستقاة من اللغتين الإنكليزية والفرنسية، دون تطويعها وفقا لقواعد محددة. ومن الممارسات التي تطرح صعوبات جمّة في التعامل مع اللغة العربية، سواء أكان هذا التعامل آليا أو قام به مترجمون من البشر، الفوضى في التشكيل واستخدام الفواصل والتنقيط وغيرها من الشارات التي تنظم معاني النصوص وغاياتها، ما يتطلب وضع نظام قياسي متكامل يتم تبنِّيه من قبل كل الوسائط التي تستخدم هذه اللغة».
امتلاك أكثر من لغة مع اللغة الأم هو ديدن الإنسان العربي المعاصر، الذي صار يقرأ ويكتب باللغات العالمية، ويقلص حالة الاستيعاب الإمبريالي التي تفرضها الثقافات والسياسات الأجنبية، على ما فعله الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر والعشرين. ومن هذه الناحية، صرنا اليوم نشهد تقلص ثنائية الغرب والعرب وأنها آيلة إلى زوال، لأن العصر المعولم يقتضي في جوهره وتطلعاته إلى التعددية الثقافية، ويفتح مجالا إنسانيا مشتركا لجميع الشعوب والأمم لكي تندرج في التفكير في قضايا الإنسان والإنسانية ومصيرهما. ولعلّ هذه هي واحدة من نتائج التعليم العام في البلدان العربية، التي تُدَرِّس وتُعَلِّم باللغة العربية واللغات الأجنبية، وصار المتَخَرّج العربي من الجامعات العربية يستطيع أن يشتغل في المؤسسات العربية كما الأجنبية أيضا. وما بقي، هو إرادة سياسية، لتخليص اللغة العربية من الوهدة التي تعيش فيها منذ لحظة الاستقلال العربي، بمساعدتها على الانفتاح على المجالات والقضايا الحديثة والمعاصرة.
كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو