عبدالعزيز محمد الخاطر
ارتبط الجسد عبر الثقافات بالمعتقد أياً كان هذا المعتقد ونوعه فثقافة تُمجده وثقافة تعبده وأخري تحتقره وتري فيه ملاذاً للخطايا والآثام فهو بحاجة الي عملية تطهير دائمة الي أن يفني ويزول، وهناك ثقافة تجعل منه خط دفاعها الأخير الذي تنتحر ذوداً عنه اذا ما رأت أن هناك من يدنس قدسيته ويهين كرامته. فالجسد كان في السابق أجسادا مختلفه باختلاف المعتقدات والثقافات، أما عري الثقافة فتاريخه تاريخ البشر والناس عبر العصور، فهو لا يبدو هاماً أو خطيراً الا حين يصطدم بالجسد فيصبح عري الجسد فاصلاً هاماً عدا غيره من أنواع العري المعنوي علي الرغم من أن هذا الأخير أكثر خطورة أحياناً الا أنه لا يحقق ما يحققه عري الجسد من منافع تسويقية مادية. وعبر التاريخ كان التقاء الجسد بثقافة العري يواجه صعوبات في التحقق والانتشار فكان بطيئاً في انتشاره متثاقلا في انتقاله ولا يشهده الا من يقع ضمن أحزمة جغرافية معينة في هذا العالم، أما اليوم فان العولمة جعلت من هذا الالتقاء حتمياً وآنياً وضرورياً، لقد ضمت العولمة الجسد الانساني وبخاصة جسد المرأة ضمن محتوياتها الأخري من الماديات ونجحت في تسليع الانسان وتنميطه، فأصبح العري ارتقاء كما كانت تحكي بعض الفلسفات القديمة من أن التخلص مما يستر الجسد هو نفسه التخلص من الدنيا وبراثينها وزينتها الممقوته فالعري كان أولاً وهو طريق الخلاص. فبلاغة الصورة في عصر العولمة تحكي قصتين قصه عري الجسد وعري الثقافة.
ان ابلغ ما يمكن أن تشاهده علي قناة أي فضائية تلفزيونية عربية بالذات هو الأجساد العارية أو مستورة بما يعريها أمام المشاهد ويجعلها أكثر عرياً مما لو كانت عارية تماماً. نجحت العولمة في جعل العري نسبياً ولم يعد مطلقاً يتفق الجميع حوله وربطته بالهدف فمن أجل الهدف قد لا يبدو العري عرياً كما تتشدق بعض الفنانات من أن المشاهد الساخنة العارية لا تبدو كذلك عندما تكون في سياق السيناريو. كذلك فعلوا مع عري الثقافة الذي لم يعد يخدش الحياء أو يثير الغرائز وكل يوم نحن علي موعد مع جانب من جوانب هذا العري النسبي الذي يُربط دائماً بهدف أسمي أو ضمن سيناريو أو سياق عام هدفه فيما يبدو جميلاً ونافعاً، فالدعايات عن المنشطات الجنسية للزوجين علي مدار الساعة في وسائل الاعلام والوصفات الطبية والنفسية لها برامجها ومحاضراتها حتي شيوخ الدين أدلوا بدلوهم في هذا المجال محاولة منهم لتحقيق السعادة الزوجية، ولكن عن طريق ثقافة أخري أكثر مقدرة علي التفاصيل مما عهدنا منهم سابقاً وكأن التقاء الرجل بالمرأة اكتشاف جديد أتي فقط مع العولمة وعصرها المجيد. فالفيديو كليبات المزدحمة في قنواتنا الفضائية تمثل ثقافة عارية من كل شيء سوي جسد جميل يتمايل يمنة ويسرة وطولاً وعرضاً فبالتالي يجري تسويق العري بشكل غير مسبوق حتي الرياضة تم ربطها بعري الجسد وتحركاته وتمايلاته فأصبحت احدي مغريات المشاهدة التلفزيونية بعد أن كانت عناءً وتحتاج الي صبر وتحمل.
ولأن العري مُستهلك قصير الأمد والمدة فيكفي المرء منه نظرة واحدة قد لا يكررها ولأن الكثير منه لا يتفق وآدمية الانسان، فلا نعجب من ارتداد الكثير من أصحاب العري وثقافته الي التحجب والاستتار مرة أخري، فالعورة سوءة وخطيئة كما ذكرها القران الكريم في قصة آدم وحواء وخروجهما من الجنة (فبدت لهما سوآتهما). لكن الطريف أن الجسد المعولم مصحوباً بعري الثقافة في برامجنا التلفزيونية علي أنواعها غير مدرك ولا يجعلنا ندرك كذلك حين نشاهده أننا نعيش في تناقض كبير يتمثل في قشور العولمة التي في مقدمتها الجسد المعولم العاري وبين واقع نعايشه هو اقرب الي القرون الوسطي في مناطقنا العربية حيث يفتك الجسد بنفسه منتحراً قاتلاً كان أم مقتولاً.
علي كل حال فإن مصادرة الخصوصيات بجميع أنواعها الثقافية أو الاجتماعية من سمات العولمة ولكن الثقافة العربية والاسلامية لا تزال تملك الكثير من أساليب المقاومة الايجابية لحيوتها اذا ما استثمر هذا الجانب استثمارا ًحسناً.
وعلي مر التاريخ كان الجسد والجنس سلاحي هدم وخلخلة للثقافات وقد أصبحا ثقافة لا تنتمي الي شعب معين أو وطن معين وكل همها البحث عن الفائدة والربح السريع ويستخدمها من يعجز عن اتيان البيوت من أبوابها سواء كان نظاماً معتدياً أو فرداً تسوقه ماديته وأغراضه الدنيئة.
ہ كاتب من قطر[email protected] 8