توجد مجموعة من النسخ للقومية العربية، كلها ذات طبيعة سياسية في الأساس، مع وجود بنية فكرية لاحقة تشكلت لخدمة السياسي وتكريسه وتثبيته، وهذه النسخ لا ترقى لتكون حالة أبعد من مجموعة شعارات حاولت أن تخدم الهدف السياسي، دون وجود عمق حقيقي لتفهم دور القومية العربية وتحدياتها. فالمفكر العربي في حالات كثيرة كان يعمل (مبرراتياً) كما وصفته الأغنية الشهيرة للشيخ إمام (يا واد يا يويو يا مبرراتي)، ففي النهاية هو يصنع الملابس للجسد العاري والفج، الذي يقدمه الزعيم، ويحرص على أن تكون أفكاره على قياس الزعيم، ولو كان ذلك الزعيم في مستوى معمر القذافي.
المفكر يجب أن يبحث عن الأسباب، وهو غير مضطر لتقديم التبريرات، والتبريرات في النهاية هي الطريق للخطأ الفكري والخطيئة الأخلاقية، والفرق بين السبب والمبرر، كما تعلمت من أحد الصحافيين المحترفين، هو أن لأي حدث مجموعة معينة من الأسباب، وعددا بدون نهاية من المبررات، وحسب المدخل الذي يتبعه الشخص أو الكائن المفكر من أجل تقديم رؤية قد تكون نصف صحيحة أو مغلوطة بالكامل للحدث ونتائجه.
الناصرية كانت بيئة خصبة لمتابعة أفكار الزعيم وتحويلها إلى نظريات، ومن النسخة الناصرية نتجت معالجات أخرى باهتة في ليبيا والعراق، ولكنها وجدت أيضاً مفكرين جاهزين من أجل صناعة الملابس والإكسسوارات لقرارات الزعيم.
أما البعث فكانت نسخته قائمة على منح المشروعية للدول التي تبنته، وهي أساساً مبتسرة وغير متوافقة مع سياقها التاريخي، وسطر البعثيون أعداداً هائلة من الأوراق التي لم تكن سوى تبريراً لشعارات بعضها أتى عشوائياً أو عن عفو الخاطر، وما كان إطلاقاً تفاعلاً حقيقياً وضرورياً مع التحديات المطروحة على مسرح التاريخ.
المفارقة أن بعض المفكرين كان بإمكانهم أن يكتبوا مجلدات تتعلق بمجرد زلة لسان من الزعيم الأوحد والضرورة، الذي وجدوه دائماً حاضراً في موعده مع القدر، ولكن القدر بالنسبة لهم كان ذواتهم الساعية لتحقيق المكاسب وتلبية الشهوات. ومع كل ذلك، تبقى لدينا فرصة الحنين للزمن القديم بكل أكاذيبه وأوهامه وترهاته، ففي زمن مضى كان المفكر لا يتناول أفكار السلطة ليضعها في قالب لغوي جميل وساحر، وبنية منطقية مقبولة نوعاً ما، وبعد المفكرين تواضعت طريقة العرض لأنصاف المفكرين، الذين يمتلكون حضوراً إعلامياً، لتذهب لاحقاً الفرصة للإعلاميين، وكانوا على جانب من الأناقة والتمرس في صناعتهم، ولكن عصراً من الانحطاط لحق بصورة «اليويو المبرراتي» الذي يقدم لجمهوره كل الأكاذيب بطريقة غير معقولة وغير محترمة وغير مهنية.
الأكاذيب صناعة جميلة ومعقدة، والت ديزني مثلاً قدمت أكاذيب كبيرة وممتعة وحملت في داخلها رسائل ذات طبيعة أيديولوجية، هوليوود نفسها قدمت مجموعة من أجمل الأكاذيب وأكثرها استمراراً وانتشاراً، ولكن في المنطقة العربية تحولت صناعة الأكاذيب إلى فرع من بوليوود (مدينة صناعة السينما الهندية) والتي تقدم كل ما هو غير معقول ورخيص ورديء، فالبعض يفهم تعقيدات الظروف العالمية وتحديات السياسة الدولية وحساباتها، ضمن نظرية المؤامرة في نسخة جديدة مضحكة تفترض وجود مجلس إدارة للعالم يتكون من حفنة من الأشرار. والبعض الآخر يجد التبرير الجاهز في هدف معين ويلصق به كل الأزمات والكوارث، ويمكن أن يكون ذلك المستهدف شخصا أو حزبا أو جماعة أو دولة، المهم هو هدف جاهز لإلصاق كافة التهم، وتبرير أي فشل أو تقصير.
الارتقاء بصناعة الأكاذيب وتطوير اليويو مطلب مهم للغاية في هذه المرحلة، فالجمهور لم يعد يبحث عن نكتة متحركة من لحم ودم تسمى إعلامياً أو صاحب برنامج (توك شو) أو كاتباً صحافياً يتمدد على مساحات واسعة من الصحف. والإعلام الذي يتخذ الصيغة المتحيزة لمصالح طرف معين هو أحد أدوات أي صراع في العالم، وحتى الولايات المتحدة التي تزعم قيادتها للعالم الحر، وتقدم إعلامها بوصفه غولاً كبيراً يمكن أن يلتهم حتى رئيس البلاد نفسه، كما حدث مع نيكسون، استطاعت أن تسخر الإعلام في الحرب الباردة لشيطنة دول الكتلة الشيوعية وتصوير الحياة فيها وكأنها مسلسل متواصل من الفقر والرعب، ومع أن هذه الصورة تتوافر على بعض من الحقيقة، ولكن المبالغة وصلت إلى حدود بعيدة لم يستشعرها أحد لأنها ببساطة كانت مدروسة ومتقنة.
حاملو الطبول كانوا ظاهرة عسكرية صغيرة تعلن عن تحركات الجيش، ودورهم كان مهماً بعض الشيء في الحروب القديمة، ولكنهم كانوا يوجهون الجيش ويتبعون بدقة وحرفية تعليمات قادته، ولكن ما يحدث حالياً أن حاملي الطبول استطاعوا أن يوجهوا الجميع، وأن يدفعوهم لساحة من الفوضى والظلام، ينطلق حامل الطبلة دون رؤية أو فهم ووراءه مجموعة من الجيش، ويجتذب طبال آخر مجموعة ثانية، ويمضي الجميع إلى الهاوية.
أفلت اليويو من السلطة في صورتها الطفولية، وأخذ يتقلب من حائط إلى حائط وأصبحت المشكلة في ضبط سلوك اليويو مع تعدد القنوات التي يمكن أن يعبر فيها عن وجوده ويمارس من خلاله صخبه وعشوائيته، فقبل عشرين عاماً كان إصدار جريدة أو إنشاء قناة فضائية يتطلب أموالاً طائلة، ويستقطب الأفضل من بين المحترفين، سواء من المثقفين الحقيقيين أو صانعي الأكاذيب، ولكن اليوم يمكن الحضور على الفضاء الإلكتروني العابر للحدود، الذي اختزل عوامل الوقت والمسافة بتكلفة صفرية تقريباً، والقنوات الفضائية الكثيرة والمنتشرة كالفطر أصبح يمكن تشغيلها بأشخاص كان دخولهم إلى أي محطة تلفزيونية، ولو كمجرد ضيوف في برنامج ترفيهي، أمراً مستبعداً. وبعضهم، كما في الأردن، وفي الحادثة الأخيرة التي اضطرت واحدة من القنوات الصغيرة والصاخبة لتوضيح الأمر، يعمل بالمجان ودون مقابل من أجل الظهور والتواجد.
الأمثلة كثيرة، بحيث يصبح ذكرها دون طائل أو فائدة، خاصة أن أحداً لا يمكنه على الامتداد القاري لخريطة اليويو الجديدة أن يحصي جميع الأمثلة أو يقف على آخر تحديثاتها من الرداءة والبذاءة، كما أن أي كاتب يحترم نفسه لا يمكنه أن يندفع بعقلانية للصدام مع هذه النوعية من الإعلاميين أو دراويشهم ومعجبيهم، الذين أصبحوا يعتقدون أنفسهم مفكرين من طراز رفيع، لأن المقياس الذي يقارنون به أنفسهم على هذه الشاكلة، فمن الصعب أن تقارن نفسك بكبير المبرراتية محمد حسنين هيكل، لأنه في النهاية مثل الساحر الذي يدفعك للاهتمام والتأمل، إن لم يحقق غايته في برمجتك وتطويعك، ولكن من المتيسر جداً أن يقارن أي شخص نفسه بهذه الفئة، وعلى الرغم من التحفظات فيمكن بكثير من الارتياح أن نستعين لغايات التوضيح بشخصيات مثل توفيق عكاشة وأحمد موسى.
اليويو بالمناسبة هو لعبة تتكون من خيط مطاطي وكرة صغيرة أو بكرة تسلي الأطفال بسيطرتهم عليها، من خلال امساكهم بطرف الخيط، وكانت لعبة شائعة بما يشبه ظاهرة (السبينر) حالياً، علماً بأن نسخة الإعلامي السبينر بدأت بالظهور وتحتاج إلى كثير من الدوار من أجل تفهم آلياته ودوافعه.
كاتب أردني
سامح ىالمحاريق