شهداء «الجبّارين» في باحة الأقصى

حجم الخط
21

تقدّم العملية الأخيرة التي قام بها ثلاثة فلسطينيين تطوّراً رمزيّاً لافتاً في مشهدية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي المديد. اشترك في تنفيذ هذه العملية شبان من قرية واحدة من داخل ما يسمى الخطّ الأخضر، وهي المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1948، ومن عائلة واحدة بل ويحملون الاسم نفسه (محمد الجبارين). قام الثلاثة بهجوم مسلح على مجموعة من أفراد شرطة الاحتلال في باب الأسباط في مدينة القدس حيث قتلوا اثنين من افراد شرطة الاحتلال وجرحوا ثالثاً قبل أن تتم ملاحقتهم إلى داخل ساحات المسجد الأقصى واغتيالهم علناً داخل حرم الأقصى (وهناك لقطات مصوّرة بالفيديو لعمليّة الإعدام).
بعد الاغتيال المباشر للشبان الفلسطينيين الثلاثة قامت سلطات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى أمام المصلّين لتكون هذه المرّة الثانية منذ احتلال الضفة الغربية بعد أن جرى إقفاله للمرة الأولى إثر المحاولة الإجرامية الشهيرة لإحراق المسجد عام 1969، أي منذ 48 عاماً (وهو الرقم الذي لا يكلّ عن تذكير الفلسطينيين بنكبتهم).
مشهدية الغطرسة الاحتلالية والاستفزاز تكاملت بعد ذلك فصولا مع قيام وزير أمن الاحتلال والقائد العام للشرطة وعشرات العسكريين وعناصر المخابرات بجولات الاستفزاز داخل الحرم واحتجاز حراس المسجد والاعتداء عليهم، وكذلك احتجاز مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين ونجله ومرافقه وهو يصلّي خارج المسجد كونه ناشد الفلسطينيين «الفزعة» لفكّ الحصار عن الحرم وأداء صلاة الجمعة في أقرب مكان ممكن إليه.
التصعيد الإسرائيلي، من الاغتيال، إلى اعتقال المفتي، ومنع المسجد على المصلّين، إلى اقتحامه ودعوات الإغلاق المستمر والسيطرة، يتقصد تحويل عملية الاغتيال في مكان مقدّس للمسلمين إلى اغتيال للمسجد الأقصى نفسه بما هو الركن الرمزيّ الصلب الذي تستند إليه أشكال المقاومة الفلسطينية المتعددة، المدنيّة والثقافية والسياسية والعسكرية.
استشهاد المقاتلين الفلسطينيين الثلاثة يمنعنا من معرفة إن كان لجوؤهم إلى ساحات الأقصى مقصوداً بذاته أم أنهم اضطروا إليه لكن الأكيد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تريد أن تكسر ما يمكن أن تحمله العملية من معان نضالية وأن تعيد صياغة استغلال الإعدام الميداني للمنفذين وتوسيعها في محاولتها المستمرة لحرف معنى العمل العسكري المضاد لجنود وأمن دولة احتلال وتأطيره، كالعادة، في إطار العمل الإرهابي المحض.
قدوم الشبان الثلاثة مما يسمى مناطق 48، من جهة أخرى، هو تأكيد على محاولة الفلسطيني التي لا تكلّ على تثبيت وحدة الشعب الفلسطيني التي لا يمكن كسرها، رغم التقسيمات الجغرافية والسياسية وآليّات التهجير والتشتيت والتفتيت، وهو صيحة مضادة لتعدّد القرار الفلسطيني، بين رام الله وغزة ومناطق الداخل وأراضي اللجوء والشتات.
الساحة الفلسطينية تعاملت مع الحدث باتجاهين واضحين، الأول عبّر عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أدان الحادثة (لكنه طالب بإلغاء الإجراءات الإسرائيلية أو استغلالها لتغيير الوضع الديني والتاريخي للأماكن المقدسة) والثاني عبّرت عنه فصائل حماس والجهاد والشعبية وغيرها التي رحّبت بالعملية من دون تحفّظ ورأت فيها «تطوّرا نوعيّاً». تحمل العملية عناصر المكوّنات الأساسية القديمة التي نشأت عليها حركات المقاومة الفلسطينية، وهي في الوقت نفسه، تعبير جديد عن الصراع الدمويّ الهائل الدائر بين شعب يرى أنه يدافع عن بلاده المحتلّة ضد جيش يمثّل تجبّر وغطرسة الاحتلال.

شهداء «الجبّارين» في باحة الأقصى

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية