التجديد السياسي والمدني في موريتانيا: هل اكتملت الشروط؟

حجم الخط
0

التجديد السياسي والمدني في موريتانيا: هل اكتملت الشروط؟

بدي ولد ابنوالتجديد السياسي والمدني في موريتانيا: هل اكتملت الشروط؟1 لم تكن الدولة الموريتانية الموروثة عن العاصمة الكولونيالية سين لوي تحمل مشروعا تحديثيا وانما كانت آلية كومبرادورية تلعب بمقتضي التوكيل الأجنبي دور الوسيط بين المجتمع التقليدي والخارج. ولم يخالط هذا التوكيل أي مستوي يُذكر من مستويات الشرعية الشعبية كالذي خلقتْه مثلا في دول ما بعد استعمارية أخري حروب التحرير الوطنية. من هنا فالافراط المستمر منذ ما يسمي بالاستقلال في الحديث عن الشعب وارادته ما انفك الترجمةَ الأبلغَ للتضارب الجذري الموروث عن سين لوي بين المفردات الرسمية بخلفيتها المفاهيمية المستنفَرة وبين الواقع الذي يُفترض أنها تتنزل عليه. مفردات الخطاب الرسمي ترن وكأن النظام وسيط مفوّض بالمعني الروسوي . وهي اذ ذاك تُفصح عن أحد الأدوار الأساسية للخطاب الكومبرادوري كخطاب تزييف للوعي وترسيخ للهوة الفاصلة بين الأشكال التي تتصنعها الدولة واسقاطاتها الميدانية. وهو ما سينتج عنه نمط معين من توظيف واستثمار الهويات الجزئية والانتماءات الماقبل حديثة يمكن أن نسميه بالنمط التفكيكي في مقابل النمط الدمجي. أي أنه باستعمال اللغة الخلدونية توظيف للعصائب ليس هدفُه تحقيقَ الدولة العامة الاستيلاء بـ جمع القلوب وتأليفها و اتحاد الوجهة و اتساع نطاق الكلمة . انما ظل هدف الحكم خلال كل مراحله هو، بالتعبير الخلدوني كذلك، التفريقُ بينهم حتي يحصل له جانب منهم يغالب به الباقين . الهدف الكومبرادوري اذن ليس تعصيب الانتماءات الجزئية لتجاوزها بخلق انتماء وطني كلي وانما تحقيق توازنات استفرادية عصبية وعرقية في مجتمع يُنظر اليه كفسيفساء تجوارية من الانتماءات الجزئية. وهو ما كرَّسَ من جانب دولةَ الامتيازات أو الدولة المخوصَصَة وألغي أي معني جدي للحديث عن دولة الحقوق والقانون. كما أنه هو، من جانب ثان، ما ساهم شيئا فشيئا في اختزال الدولة في بعدها الأمني البوليسي. 2 هل وصلتْ الدولة الموروثة الي نهايتها مع تكثيفها الأوجي ومع تراجع آلياتها التجددية في وجه بروز البعد الجدلي للعوامل الذاتية والخارجية والداخلية الفاعلة حاليا؟ هل دشّنتْ الدولةُ الفوقية لحظةَ القطيعة وبدأتْ تستهلك نفسها وتتقوضُ ذاتيا ولو جزئيا أمام الألغام الخفية التي ظلت تحمل في طياتها بشكل هوامش مدنية مطارَدة ومحجوبة ولكن متنامية؟ قد لا يكون من المبالغة التأكيد أولا علي أن مرجعياتها الثنائية أخذتْ تفقد كثيرا من بريقها، وأن النخبة التي مثلتْ عمودَها الفقري بدأت تتآكل جديا. ولم تعد المغالاةُ في استثمار البني التقليدية قادرةً علي اخفاء هذا التآكل لمرحلة طويلة قادمة. فالثامن من حزيران (يونيو) كما رأينا لم يأت من فراغ. ولم يكن مستقلا عن التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والتي مثل هو أول اعلان جدي عنها. فلم يكن فقط هزةً سياسية وعسكرية مهدتْ لاعادة تشكل الخارطة السياسية ولكنه كان من قبل ومن بعد أولَ عمل بهذا المستوي يخطّطه وينفذه حصريا متحدرون من فضاءات ما بعد الاستقلال. وبالتالي مثل هزةً في الوعي واحالة علي واقع ظل محجوبا أو شبه محجوب. فبالرغم من أن أعمار العناصر المتنفذة في السلطة الرسمية والتقليدية تزيد في المتوسط علي عمر الدولة نفسها بما يزيد علي العقد فان أكثر من ثلثي سكان موريتانيا الحالية يتكون من ذوي الأعمار التي تقل عن الثلاثين. وقد أدي العامل المزدوج للانفجار الديمغرافي ولانخفاض أمل الحياة الي تجدد متلاحق للأجيال. وغني عن القول ان هذا التجدد ترافق للأسباب الداخلية والخارجية المعروفة مع هزات نزوحية وطفرات من التقري والتمديُن طالت بنسب متفاوتة معظم ان لم يكن كل شرائح المجتمع. ومن ثم ففئات واسعة من الأجيال الجديدة قد نمتْ وتكونتْ ذهنيا في الساحات شبه المختلطة أو نصف المختلطة للمدن أو للتجمعات السكنية التمازجية، للحجرات الدراسية أو شبه الدراسية وللملعب وما في معناه. نمتْ وتكونتْ ذهنيا تحت تأثير الطفرات الاعلامية المتلاحقة بدءا بالصحيفة المقروءة والمصورة ووصولا الي الاذاعة والتلفزيون ومختلف الوسائط الاعلامية الرائجة أو التي أخذت تروج مؤخرا كالانترنت والتقنيات التواصلية الجديدة. وعرفت في حدود متفاوتة المناخَ الذي يهيئه الانتشار النسبي للصحافة، والمكتوبة منها بالخصوص، كتحول حاسم من الخبر الشفهي الي الخبر الكتابي . كما تمرّستْ بمستوي ما من التعاطي التداولي العلني بدل التعاطي الضمني التقليدي. وبالتالي عرفتْ بصيغ لا يستهان بها الفضاءَ المدني أو لنقل الفضاءَ العام بالمعني الهابرماسي. عرفتْه وتأثرتْ به وبمرجعياته بشكل يوازي ان لم ينافس تأثَّرها القوي بالفضاء التقليدي المعزول أو الجزئي وبمرجعياته. كما أدت الهجرة العمالية لعشرات الآلاف من الشباب في السنوات الأخيرة الي تقوية موقعهم الاقتصادي والرمزي كمصدر دخل لشريحة متزايدة. كما أكسبهم تمرسا بالعصر وطموحا لامتلاك زمامه ولتبيئة تجاربهم الخارجية. 3بيد أنه لا مراء في أن تلك التحولات الأساسية ما تزال مكبلة بأصفاد جدية. فمع انفجار عدد السكان وتمديُنِهم واحتكاكهم في صيغ غير تقليدية نمتْ أنماطٌ من التعارف والعلاقات هزّت الي حد ما منظومة القرابات التقليدية ولكنها لم تخلق بعدُ لدي الأجيال الجديدة معني مستقلا للفضاء المديني. ونجحتْ جزئيا في اختراق الحدود الأفقية كحدود القبيلة في مستوي الفئة المتشابهة ولكنها لم تخترق بنسبة ملموسة بعدُ الحدود الفئوية والعمودية الهرمية ولم تتجاوز الحواجز العرقية حتي في اطار مستويات هرمية يُفترض تقارُبها.وهو ما عني أن التحول ظل في أجزاء كبيرة منه كمونيا ولما يقدر له بعدُ الخروج الفاعل الي العلن. ويعود ذلك في أقوي جوانبه الي عاملين متداخلين ومحوريين: أحدهما أنه اذا كانت الحياة العملية المدينية أو شبه المدينية طيلة فترة الطفولة والمراهقة لا تَستنْفر المرجعيات التقليدية في تفاصيلها العملية الا عرضا فان الأمر ينعكس مع الدخول في الحياة العملية أو التأهب لها بعــــد فترة تعلم وتكوين أو بدونها. فالفضاء المدِيني مرتبط في نجاعته التحديثية بعلاقته بدولة مدنية غائبة. والمجتمع التقليدي في ظل تتويج دولة الامتيازات هو الذي كاد أن يحتكر في العقود الأخيرة كل المهمات التي تُفترض اناطتُها بالدولة. ففي الدولة الفوقية، وفيما يتجاوز المنطوق الي المفعول، يكون الريعُ العـــمومي وكلُّ مشتقاته امتيازا يمرّ عبر القنوات المخولة بالطرق الضمنية لا المكتوبة. والخدمات العامة من تربية وصحة وتوظيف وضمان اجتماعي وحتي من أمْن كلُّها وبحدها الأدني المتبقي امتيازاتٌ وليست حقوقا. أما العامل الثاني الذي يشكل استمرارا للأول فهو أن البطالة التي تطال أغلبية القوي الحية المتحدرة من أجيال ما بعد الاستقلال تنعكس علي الأخيرة في شكل أزمة انتماء وهوية. فالانسان الذي لا يجد أي سياق يُمَكّنه من ابراز عصاميته وتوظيفها انتاجيا ويشعر بنفسه كعالة علي المجتمع يتم انزياحه شيئا فشيئا نحو عظاميته أي نحو فضاء الانتماءات التقليدية كملاذ قيمي. أو بتعبير آخر، من لا يجد وسيلة لتحقيق ذاته بمهنة أيا كانت، كمهندس أو كأستاذ أو كعامل، لا سيما اذا امتلك كل مؤهلاتها الدراسية والعملية دون أن يحصل عليها، يصبح تلقائيا مضطرا للجوء الي انتمائه القبلي أو الفئوي للتزود بمكانة اجتماعية تعويضية. تتواري صفة مواطنية المواطن لصالح صفة فلان الفلاني. فأمام انتفاء حقوقٍ مواطنيةٍ تتــــجه الي الفرد بشكل مستقل عن هويته الجزئية أو انتمائه التقليدي، تتجه اليه بصفته مواطنا أي كعنصر تكويني للدولة وفي ظل استمرار وتجذر حالة العوز بل البؤس وفي مواجهة بطش السلطة الامتيازية يحتل شحن الهويات الجزئية وتعبئتها كبؤر امتيازات موقعَ الوسيط الأكثر جاذبية ونفعية في التعامل مع الدولة ـ النظام. بل يصبح بعث الانتماءات العتيقة، واعـــادة توظـــيف رموزيتها لخلق مرجعيات تقليــــدية مجدَّدة، الأداةََ بل رأسَ المال الأكثرَ مردودية. هذه الظاهرة الجدلية هي في قلب ما يمكن أن نسميه البلبلة المعيارية والوعيَ المحجَّب أو لنقل الوعي المطاطي المتأرجح والمتقلب الذي يجد ترجمتَه في كم لا حصر له من التصرفات التي تبدو علي مستوي الشكل في قمة التناقض. فتظهر لدي نفس الفرد الرغبات الأكثر تضاربا في الانخراط في العصر وفي الاغتراب عنه وبالأشكال الأكثر ابتذالا وخواء. وينجم عنها انعكاس واستبطان لدي الأجيال الجديدة لازدواجية وكلاء الدولة الذين يَجمعون بين الشكليات الخارجية والحقائق المحلية، بين المعايير المعلنة والمعايير الفعلية. 4 غير أنه مما يضعف قوة شحن الانتماءات التقليدية أن هذا الشحن بالذات يُطعّم الأخيرة بدلالات جديدة تدفع شيئا فشيئا نحو تفككها الذاتي. أو بمعني آخر فانه يُفْقدها جزءا كبيرا من رصيدها الرمزي والقيمي أمام توظيفها الأداتي وتبضيعها أو تحويلها التدريجي الي سلعة محضة بتأثـــــير مناخ العوز الذي تضاعف طيلة العقود الماضية وظلَّ الي الآن يتزايد طرديا مع تزايد وتنوع الحاجيات وتنامي وتوسع الفقـــــر بما يخلقه استمرارُ ذلك لفترات طويلة من هشاشة في العلاقات والأوضاع ومن تضخم أحاسيس التخوف اليومي أو مشاعر الريبة والاحتراز الاجتماعيين. صحيح أن لذلك انعكاسات بالغة السوء، وأنه الي ذلك يُضعف المحتوي الأخلاقي للعلاقات الاجتماعية باخضاعها للتبضيع والسلعية، ويمنح بذلك – في ظل استحلال الملكية العمومية أو هدر ذمة الدولة – قبولا اجتماعيا اضافيا لنهم الفئات المتنفذة والمستفيدة من ريع الدولة الفوقية عبر اضعافه – وأحيانا الغائه – لكل مستويات الحرص الاجتماعي علي نقاء الطرق المتبعة في الكسب والتحصيل. وصحيح كذلك أنه يُقوي الزبونية تجاه الدولة وتجاه المجتمع التقليدي. ولكن تحويل الانتماءات الي علاقات زبونية يَهدم أسسها ويجعلها قابلة للانقلاب الفجائي عندما تتوفر ظروف بديلة. ينضاف الي ذلك أن طردية تزايد وتنوع الحاجيات وتنامي وتوسع الفقر في العقدين الأخيرين قد طالت الحلقات الأكثر اقترابا من الفئات المتنفذة وألحقت أغلب شرائح البرجوازية الصغيرة التي كانت تنمو في هامش المؤسسات الناشئة للدولة بالفئات المعوزة وبمناخها. وهو ما أوهن عمْقيا في نفس الوقت الولاءات التقليدية وولاءات موكَّلي ومواكلي السلطة وان لم ينعكس ذلك بعد كثيرا علي سطح العلاقات الزبونية. ولكن تقصي مستوي الروابط والوِصايات ينبئ بسهولة عن واقع ثخين يختمر خلف البنيات المنظورة ويُثبت أن تمفصلات جدية قد تشكلت. وبالرغم مما يشاهَد لدي الأجيال الجديدة من ترسخ للمرجعيات التقليدية بشكل يفوق حتي أقرانَهم من الأجيال القديمة بسبب العاملين اللذين عرضا لنا فلم يعد يخفي حضور مرجعيات مدنية أو علي الأقل مديـــنية منافِسة. وهناك توق جارف الي تَمثّل العصر له محتواه مهما كانت ترجماته الحالية ساذجة ومرتبطة بالثقافة السلعية والاستهلاكية السائدة. فالفضاء العام الحالي بنسقه الدلالي المختلف يعرف توسعا مستمرا. وهو يحمل معه منظومة معيارية وقيمية قيد التشكل، ويرسخ في العمق بهذا المقتضي انتماء وطنيا مترعرعا. انتماءا وطني يتعايش مع الانتماءات الجزئية وتطغي عليه هذه في سياقات كثيرة ولكنه يكشف ـ في أكثر من مقام ـ عن نفسه وعن انغراسه. وهو ان لم يكن فعالا بل محيَدا حاليا في أغلب الأحيان فليس من العسير استنهاضه أو تنشيطه وتحويله الي مبدأ ايجابي وفاعل. ہ كاتب موريتاني مقيم في باريس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية