لبنان وسورية والعراق ساحة مفتوحة للإرهاب

حجم الخط
0

للإرهاب في عالم العرب اسم وعنوان. إنه مجموعات الإسلامويين التكفيريين عابرة الحدود والناشطة في ساحة مفتوحة تمتد من لبنان وصولاً الى العراق عبر بلاد الشام.
تأتلف مجموعات الاسلامويين التكفيريين ذات الاسماء والشعارات المتعددة في ‘القاعدة’، وهو تنظيم لامركزي فضفاض له فروع وخلايا ناشطة او نائمة في معظم بلدان المشرق والمغرب.
بعض المجموعات التكفيرية يجاهر بالانتماء الى تنظيم ‘القاعدة’ ويبايع قيادته بشخص خليفة اسامة بن لادن الدكتور ايمن الظواهري. بعضها الآخر يكتفي بإعلان انتمائه الى التنظيم من دون مبايعة الظواهري او الإقرار له بالولاء .
لأن ‘القاعدة’ تنظيم لامركزي فضفاض، فهو اشبه ما يكون بخط ايديولوجي وارهابي راديكالي منه الى حركة جهادية. مع العلم ان جهادية ‘القاعدة’ تكاد تنحصر بعمليات ارهابية بالغة العنف والتدمير وتستهدف البشر والحجر بلا رحمة. غير ان تنظيميّ ‘الدولة الإسلامية في العراق والشام’ و’جبهة النصرة’ خرقا التقليد الآنف الذكر بمباشرتهما هجمات ميدانية واسعة، او المشاركة فيها الى جانب تنظيمات مسلحة اخرى تشاطرهما الاهداف نفسها. ففي العراق قام تنظيم ‘الدولة الإسلامية’ بهجومين واسعين متقنين استهدفا سجنين مركزيين للحكومة العراقية في بغداد وضواحيها، تمكّن خلالهما من اطلاق الآف السجناء، بينهم ما لا يقل عن 500 من كوادر التنظيم نفسه.
في سورية تشارك ‘جبهة النصرة’ احياناً في هجمات مشتركة مع ‘الجيش السوري الحر’ ضد الجيش السوري النظامي. غير انها تورطت اخيراً بصدامات دموية مع ‘الجيش الحر’ في شمال سورية، كما تعاركت مرات عدة مع المجموعات المسلحة التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال شرق البلاد.
هذه الصدامات بين مجموعات مسلحة تتشارك في محاربة أنظمة سياسية صديقة للغرب او معادية له، كما يتشارك بعضها في تلقي دعم مالي وعسكري من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، طَرَحَت جملة اسئلة حول الغايات الحقيقية لبعض المجموعات التكفيرية ومدى امتثالها لقياداتها، وحدود تعاونها مع الجهات الممولة والداعمة، وجدوى الاستعانة بها ضد خصوم محليين، حاليين او محتملين، للولايات المتحدة في الساحة المفتوحة من سواحل لبنان واريافه الى بوادي سورية وفيافي العراق.
بعض هذه الاسئلة جرى طرحه في لبنان غداة قيام جهة إرهابية، قيل إنها ذات هوية تكفيرية، بتفجير سيارة مفخخة في منطقة مكتظة في ضاحية بيروت الجنوبية على مقربة من مجمع سيد الشهداء لحزب الله. فقد خلّفت العملية الإرهابية نحو 30 شهيداً ومفقوداً و350 جريحاً كلهم مدنيون، ودماراً وحرائق. لكنها ولّدت ايضاً موجة استنكار شعبية واسعة شملت جميع ألوان الطيف اللبناني، بما في ذلك القوى السياسية المناهضة لحزب الله، الامر الذي وحّد اللبنانيين في وجه فتنة مذهبية لم تتأخر قيادات واحزاب وشخصيات عدة في تحميل ‘اسرائيل’ مسؤولية تدبيرها. واللافت ان معظم المستنكرين حددوا الدافع الى ارتكاب الجريمة النكراء بأنه الانتقام من المقاومة في ذكرى انتصارها على ‘اسرائيل’ في حربها العدوانية على لبنان سنة 2006.
لمصلحة من تنشط المجموعات التكفيرية؟
تقتضي الإشارة، بادئ الامر، الى ان المجموعات الإسلاموية التكفيرية ليست مجرد ادوات بأيدي الولايات المتحدة وحلفائها. صحيح انها تتعاون مع واشنطن وغيرها في تنفيذ عمليات مشتركة، لكن مشاركتها تبقى مرهونة بموافقتها على الغاية المتوخاة من العملية الجاري تنفيذها ومدى المنفعة منها. بعبارة اخرى، تنظيم ‘القاعدة’ ومعظم المجموعات المنتمية اليه والمنفذة لتعليمات قيادته تشكّل بمجملها خطاً سياسياً و’جهاديا’ مستقلاً قائماً بذاته له ايديولوجيا واهداف ونهج عمل خاص به، ذلك لا ينفي وجود مجموعات تكفيرية من خارج خط ‘القاعدة’، او حتى من داخله، متعاونة مع أجهزة استخبارات امريكية او اطلسية بمعزل عن قيادة ‘القاعدة’ وحتى من دون موافقتها.
ما طبيعة الاهداف المشتركة التي قد تتعاون المجموعات التكفيرية مع امريكا وغيرها على تحقيقها؟
من الواضح ان ثقافة الغرب هي العدو الاول للإسلام السياسي، ولا سيما للإسلامويين التكفيريين، ذلك يضع، في نظرهم، معظم الفئات الحاكمة والقوى السياسية العلمانية والديمقراطية الموالية، كما المعارضة لأمريكا في خانة الأعداء. فقد ناصب الإسلاميون، وفي مقدمهم الاخوان المسلمون، الأنظمة العربية العداء بدرجات متفاوتة لأسباب ثقافية (وسلطوية) وليس بالضرورة لأسباب قومية او وطنية، لكن العداء لثقافة الغرب لم يمنع الإسلامويين التكفيريين من التعاون مع امريكا واوروبا وحلفائهما لتحقيق اهداف سياسية مشتركة.
في مصر، مثلاً، تعاظمت قوة الإسلامويين التكفيريين بعد اعدام منظّرهم الأشهر سيّد قطب في عهد جمال عبد الناصر، ما ادى الى جعل الخط التكفيري داخل الاخوان المسلمين الاقوى خلال عهديّ انور السادات وحسني مبارك وولاية محمد مرسي. ومن المعلوم ان التكفيريين يكفّرون من لا يماشيهم في العقيدة والنهج، ولا يتورعون عن ايذائه وإقصائه وحتى انهائه، فالآخر المختلف عدو بامتياز.
لم يلجأ الإسلامويون التكفيريون، داخل ‘الاخوان’ او خارجهم، الى انشاء مجموعات مسلحة واستخدام العنف ضد خصومهم اثناء عهد مبارك، لكنهم فعلوا ذلك اثناء ولاية مرسي الحائز ضمناً رضى واشنطن. واللافت انه بعدما جرى إقصاء مرسي في 3 يوليو/تموز الماضي واندلاع اضطرابات امنية في سيناء، قام قيادي بارز في ‘الاخوان’ (محمد البلتاجي) بالتصريح علناً ان وقف تلك الاضطرابات مرهون بالإفراج عن مرسي واعادته الى منصبه. فوق ذلك، اظهرت عملية فض اعتصاميّ ‘رابعة العدوية’ و’النهضة’ وجود الكثير من السلاح والمسلحين لدى ‘الاخوان’، الذين قاوموا رجال الشرطة ودمروا مقار المحافظات واحرقوا الكنائس في شتى انحاء البلاد. والملاحظ أن واشنطن انتقدت منع أنصار مرسي من الاعتصام والتظاهـــر ودعت إلى إلغاء حالة الطوارئ.
هل ما قام ويقوم به الإسلامويون التكفيريون في مصر جزء من المخطط الذي يقوم بتنفيذه التكفيريون في العراق وسورية ولبنان؟
ثمة واقعة ذات دلالة في سورية وأخرى في لبنان، فقد ابدى مسؤولون امريكيون، سياسيون وعسكريون، تحفظات كثيرة على اداء ‘جبهة النصرة’ وغيرها من المجموعات الإسلاموية المتطرفة في سورية، وكشفوا ان مراقبين من وكالة الاستخبارات المركزية جرى نشرهم على منافذ الحدود التركية السورية ليدققوا ويتأكدوا من تسليم الاسلحة والمعدات الممنوحة للمعارضة السورية الى تنظيمات غير ارهابية، بل ان مسؤولين امريكيين ذهبوا ابعد من ذلك بقولهم إن مؤتمر جنيف-2 لن ينعقد إلاّ بعد ان يستكمل ‘الجيش السوري الحر’ وحلفاؤه السيطرة على المناطق التي كانت وقعت في ايدي ‘جبهة النصرة’ الإرهابية.
في لبنان، ثمة قوى سلفية مسلحة لا يُعرف عنها ارتباطها بتنظيم ‘القاعدة’ قامت بأنشطة عسكرية محدودة في شمال لبنان وفي شرق مدينة صيدا الجنوبية، لكن عمليتيّ ‘بئر العبد’ و’الرويس’ اللتين تمتا اخيراً في ضاحية بيروت الجنوبية نسبها مسؤولون امنيون وسياسيون مطّلعون إلى المجموعات التكفيرية، مع اجماع على ان المستفيد الاول منها هو ‘اسرائيل’.
اياً ما ستكون نتيجة التحقيق، يبدو من الواضح ان المنطقة الممتدة من لبنان وصولاً الى العراق عبر سورية ستبقى، لأمد طويل، مفتوحة لمجموعات تكفيرية تنشط حيناً ضد ثقافة الغرب واحياناً كثيرة ضد قوى المقاومة العربية.

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية