محادثات سلام

حجم الخط
0

كلتاهما ولدتا هنا، كلتاهما تحبان هذه البلاد المتنازعة، كلتاهما مؤيدتان متحمستان للسلام، وهما الصديقتان الفضليان منذ خمسين سنة. واحدة هي رمز إسرائيلي لا شك فيه، روت دايان. الاخرى هي الصحافية، الشاعرة والناشطة الفلسطينية ريموندا طويل، أم سهى عرفات. أرملة دايان مقابل حماة عرفات.
تسكن روت في تل أبيب في شقة كل سنتمتر فيها مغطى بالمذكرات، بالصور والاغراض. ريموندا تسكن في مالطا، مع ابنتها سهى والحفيدة عرفات. ومؤخرا التقت هاتان المرأتان المؤثرتان قبل نصف سنة في منزل ريموندا، وفي كل اسبوع تقريبا، في ايام الجمعة، تتحادثان عبر السكايب. عن الاولاد، الاحفاد، الادب، الافلام وكذا عن السلام وانكساره.
تحدثت معهما بمناسبة صدور الكتاب «صداقة مستحيلة» كتبه أنطوني دافيد. نشر الكتاب بداية بالانجليزية قبل سنتين وترجم الان إلى العبرية. وهو يوصف سنوات الصداقة بينهما ويعرض أيضا قصتي حياتيهما.
بدأت صداقتهما قبل خمسين سنة بالضبط. دايان التي كانت في حينه في تلك السنوات شخصية عامة ونشيطة جدا، جاءت لزيارة نابلس. وطلبت اللقاء مع مجموعة نساء كي تدفع إلى الامام الحوار والتعايش. اما ريموندا التي كانت في حينه صحافية شابة ورائدة، ابنة 27 فتقدمت اليها. «روت لي بأن هناك مجموعة من عشرة اشخاص عالقين على جسر اللنبي ولا يسمحون لهم بالعبور. طلبت أن استخدم علاقاتي لمساعدتهم، وفعلت هذا. ومنذئذ ارتبطت روحانا الواحدة بالاخرى. تتحدثان عن كل شيء، وكذا عن الوضع. هي امرأة معتملة، مفعمة بالحياة، حسناء، فيها شيء ما مشوق. والا ما كان لهذا ان يصمد كل هذا القدر من السنين. زرتها مرتين في مالطا، التقينا ايضا في الولايات المتحدة. وآمل ان تأتي لزيارتي في إسرائيل»، تقول دايان.
«أود جدا أن أزورها واحاول الوصول لرؤيتها»، تقول طويل ابنة الـ 77 في مكالمة هاتفية من مالطا، مكالمة تتم بجملة مشوقة من اللغات العبرية، الانجليزية والعربية، إذ تقفز ريموندا من لغة إلى لغة. «نعم، أنا على علم بأنها ابنة 100 والزمن لا يلعب في صالحنا. ولكن منذ وفاة عرفات، لا اشعر أن بودي أن آتي اليكم». طويل، التي ولدت في عكا، تشدد على انها تعرف العبرية، ولكن ليس لديها الكثير ممن تتحدث معهم بها. «مع روت أنا أتحدث الانجليزية بالذات. هذه من ناحيتها هذه لغة الام لدي». تقول.
 
مع فتيل قصير
 
تغرق روت دايان في أريكة الجلد العميقة خاصتها. وهي تقول باحباط «كل اليوم أنا أرتاح. هذا يجنني. أنا، التي كل حياتي ركضت فقط وكنت متزوجة من عملي في شركة «مشكيت» (شركة الملابس الاسطورية التي اقامتها دايان وكانت مديرتها العامة على مدى عقود ن. د). اليوم أنا اضطر لان ابقى معظم يومي في البيت. جسدي يخونني». وبالفعل، في سنة 100 خيانته مريرة مقارنة بالنقاء الباعث على الحسد لعقلها. تتذكر كل تفاصيل المعلومات التي مرت بها أو عليها. صحيح بالنسبة لـ 90 سنة إلى الوراء وصحيح بالنسبة لصباح امس. ونعم، تابعت عن كثب الانتخابات التمهيدية في العمل بل واستضافت في بيتها بناء على طلب ابنتها ياعيل المتنافس، عمير بيرتس.
«قلت له اني لست عضوا في العمل، إذ اني على الاطلاق من مؤسسي ميرتس، ولكنه اعتقد بأن كلمة مني هامة، وان رأيي لا يزال معتبرا»، تقول دايان. اما الان فهي تسأل جملة أسئلة فضولية عن النجم الجديد في الحارة، آفي غباي. بالمقابل عن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، لديها آراء متماسكة: «أنا اعرفه جيدا دون أن أعرفه شخصيا، واتابعه. ليس لديه اي نية لصنع السلام، وخسارة. قبل وقت ما غضبت عليه حقا. التقينا في احتفال على شرف قادة الجيش الإسرائيلي في الماضي في الشمال ودعيت للاحتفال. صافحني وقال لم اعرف ان موشيه قاتل في الشمال. كنت في صدمة. انت رئيس وزراء ولا تعرف هذا؟ تعلم على الاقل عن الاحتفال قبل أن تأتي اليه»، تقول والغضب واضح في عينيها.
وهي تتوجه بزبد لموضوع الغواصات: «ما هذا كل هذا المال الذي القي إلى جيوب اشخاص، بعضهم مقربين من رئيس الوزراء؟ إلى اين اختفى الخجل؟ وكل يوم نسمع عن اغتصاب وقتل واطفال تركوا في السيارات. ماذا جرى لنا؟ ذات مرة لم نكن اغنياء ولم يكن الكثير من المال، ولم أتذكر انه كان اصحاب رؤوس اموال، ولكن كان هناك ما يستحق الحياة». وتأخذ نفسا عميقا وتواصل: «وما كل هذا الموضوع عن التدين. اخترعنا كلمة جديدة لوضع موجود جدا إشكالي. انا أرى كل الاصوليين مع ملابسهم  السوداء وأنا بالتأكيد قلقة».
لديها فتيل قصير جدا. اذا لم تتفق معها فهي تتعصب وتهاجم. وبعد لحظة من ذلك تهدأ وتعود إلى الوضع الطبيعي. «هكذا أنا منذ كنت صغيرة. عندما كنت ابنة ثمانية، في المدرسة في انجلترا، لاحظ المعلمون مزاجي ومنذئذ لم يتغير»، تقول وتضحك ضحكة مجلجلة تضيء عينيها الكستنائيتين وتهز شعرها الابيض.
في مالطا البعيدة أيضا، تبعث العاصفة الدائمة التي تسمى روت دايان، الشوك والمحبة. «انا عن جد احب روت. هي عن جد انسانية، مثقفة»، تروي ريموندا. «في كل مرة تثور اعصابي على شيء ما يفعلونه في إسرائيل، اذا كان هذا موشيه دايان او شارون، اصرخ عليها وهي تجيبني: «انا لست موشيه! أنا لست شارون!».
الموضوع الذي يدفع دايان لأن تفقد سكينتها، اكثر من كل شيء آخر هو انعدام السلام مع الفلسطينيين. «أنا جد خائبة الامل. كانت أزمنة، وغير بعيدة، كان سهلا جدا صنع السلام. ماذا تعتقدون، ان العرب يريدون ان يتعرضوا للقتل؟ ونحن، اليهود، نريد أن نموت؟ ثماني سنوات عملت في غزة مع «مشكيت» وشغلت هناك 300 امرأة. ما هذا إن لم يكن تعايشا؟ ولكن هنا، كل شيء يمكن سحقه، يسحقونه. وأنا أرى امام ناظري وجوه الجنود الذين قتلوا وأسأل نفسي واسألكم، من اجل ماذا؟ من اجل من؟ كي يقول بيبي انه انتصر في غزة؟».
 
■ وليس فيكِ قطرة انتقاد على الطرف الاخر، نحن فقط مذنبون؟
 ـ «دوما يوجد طرف آخر، ولكن نحن الاقوى، ونحن الذين يمكننا ان نفعل أكثر. المسؤولية ملقاة على كاهلنا».
 وهي تواصل اطلاق النار في كل صوب، ترش كلماتها بلا حساب، يمكن لمن أتم 100 سنة فقط ويفعل شيئا ما في إسرائيل وليس لديه ما يخسره، يمكنه القول: «ولدت في 1917. رأيت هنا كل شيء. عرفت الجميع. آمنت بالصهيونية التي أقامت الدولة. ليس بعد اليوم. انا لم اعد صهيونية».
 
■ إذن من ناحيتك، يمكن لاحفادك وأبناء احفادك ان يسكنوا حيثما يروق لهم وليس هنا بالذات، في الدولة التي أقمتِ؟
ـ «لم تعد هناك صهيونية، الدولة صغيرة جدا في حجومها، واذا واصلنا التصرف مع الفلسطينيين كما نتصرف، فسنضيع هباء. العالم سيصبح أكثر فأكثر لاساميا، ونحن لن نكون هنا بعد ذلك. من ناحيتي، فليسكن كل واحد اينما يشاء. الناس ليسوا اغبياء. هم يرون الاتجاه الذي تسير فيه الدولة، وكل شهر يغادر المئات. أنا، شخصيا، ما كنت لاسكن في اي مكان آخر في العالم، ولكني ابنة 100، هكذا فأنا لست نموذجا حقا».
والصداقة بينها وبين ريموندا أيضا ليست بالضبط قصة عادية. «التقينا في فترة لم يكن هذا أمرا مقبولا، ولم يعتبر عاديا أن تكون امرأة فلسطينية وامرأة إسرائيلية صديقتين»، تروي طويل، التي لها قصة حياة استثنائية بحد ذاتها. «تربيت في إسرائيل، في عكا، وبعد ذلك في الاردن وفي نابلس واليوم بين مالطا وبين دبي، مع ابنتي سهى وحفيدتي زهوة، التي هي ابنة 21 وحسناء. ليس فقط حسناء، بالمناسبة. هذا الاسبوع انهت زهوة لقبا في الجامعة في مالطا.
عندما أسلمت سهى، المسيحية ابنة الـ 27، وتزوجت في 1990 في الخفاء من ياسر عرفات الذي كان في حينه ابن 61، لم تخف ريموندا عدم رضاها. ولكن لما علمت بالامر بعد وقوعه، اضطرت لأن تقف إلى جانب ابنتها وحفيدتها الصغيرة.
وبعد وفاة عرفات، انتقلت للسكن مع ابنتها، كي تساعدها. «صحيح، لم احب هذا، ولكن هذا حقها وهي فعلت ما تعتقد أنه صحيح لها»، تقول.
 
■ لماذا لا تأتي سهى وابنتها إلى رام الله حيث يوجد قبر عرفات، الزوج والاب؟
 ـ «هذا سؤال شخصي جدا. ولكن، نحن سنأتي حين ينتهي الاحتلال».
 
■ برأيك هل يوجد حل للوضع الناشيء؟
 ـ «دولة واحدة هو امر غير واقعي. دولة فلسطينية في حدود 1947 غير واقعي ايضا. بقيت دولة فلسطينية في حدود 67. وهذا ما يطلبه العالم».
 ولكن، في النهاية، عرفات لم يوقع على الاتفاق.
 «يا حبيبتي خلص، هذه هي النكتة التي يرويها نتنياهو لكم. عرفات وافق على تلقي 22 في المئة من مساحة الدولة الفلسطينية التاريخية. اذا كان بيبي لا يعرف التاريخ فليتعلمه. قلبي يتألم لمقتل رابين. لو كان على قيد الحياة، لكانت منذ زمن بعيد دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وما كان قتل هذا العدد  الكثير من الناس. ألم تملوا ان يقتل لكم الناس؟ ألم يسفك ما يكفي من الدماء؟ لماذا لا تريدون أن تعطونا قليلا من الارض. انظري. الجليل فارغ. النقب فارغ. فليذهب المستوطنون إلى هناك. وبشكل عام، يجب الاعتراف بحق اللاجئين للعودة إلى بلادهم».
 
■ إلى أراضي دولة إسرائيل؟
 ـ «نعم. يجب الاعتراف بحقنا في العودة. يحتمل الا أريد أن اعود، ولكن فليكن لي الحق. كانت لي بطاقة هوية إسرائيلية، وقد سحبت مني حين سافرت إلى الأردن، حين كان لا يزال يعتبر دولة عدو. «كل حياتي قاتلت من أجل السلام هو لا يأتي».
 
■ هل تؤمنين بأنه سيأتي؟
 ـ «وبالتأكيد وآمل أن قريبا سيأتي. ولكنه لن يأتي طالما كان نتنياهو في الحكم. أنا اتابع السياسة الإسرائيلية، وأفهم أن هرتسوغ لم يعد زعيم حزب العمل. خسارة، هو رجل طيب. قولي، هل روت في حالة جيدة؟»
«أنا اشعر ببعض السوء. هذا العمر يثير الأعصاب»، تقول دايان.
 
اشواك لنهلال وآسي
 
إلى جانب الأريكة، التي تجلس عليها معظم ساعات اليوم، يوجد ألبوم بغلاف أزرق وعليه الرقم 100 بلون أبيض. الحفيدة، عماليا دايان، اعدت لها الالبوم الجميل بمناسبة حفلة يوم ميلادها التي أجرتها لها قبل ثلاثة اشهر. دعونا كل أبناء العائلة والأصدقاء المتبقين. وعلى الجدران جملة صور ورسومات يلعب فيها دور النجم زوجها السابق، موشيه دايان وأبو ثلاثة أبنائها، ياعيل، اودي وآسي. شهادة اعتراف وحتى ثلاثة القاب دكتوراة فخرية معلقة هناك. «الثانوية لم أنهيها. ولكن لقب الدكتوراة عندي ثلاثة»، تضحك. 
في وسط الحائط في الصالون معلقة ما بدت كصورة جوية لقرية نهلال الزراعية، المكان الذي تشتاق اليه أكثر من أي مكان آخر على وجه الأرض واليه كانت ترغب ان تعود وتحلب البقرات. هناك وصلت كآنسة شابة ابنة 17، لتتعلم في المدرسة الزراعية. هناك التقت وأحبت موشيه دايان، الذي جاء ليروي للتلميذات عن القرية فتغيرت حياتها إلى الابد. إلى جانب تمثال لوجه دايان، نحته ابنها، اودي دايان، ورسمة لـ ليتبينوبسكي وغيرها.
من جهة، قالت مسبقا انها لا تريد أن يسألوها مرة أخرى عن موشيه دايان، الذي انفصلت عنه منذ كانت ابنة 53. وبالمقابل يبدو أنه لا يزال محورا مركزيا في حياتها.
وهي تذكر اسمه المرة تلو الأخرى. وأنا اتجرأ على سؤال اذا كانت لا تزال تحبه، رغم كل شيء. ارتفع نظرها إلى السقف، وترددت للحظة وقالت: «ليس حقا. فقط حين افكر بالدولة، أتفكر بيني وبين نفسي كيف كان سيتصرف. برأيي كان سيحقق السلام، لانه كان رجل سلام. كما أنه كتب لي رسالة في الموضوع، وتلوتها في اجتماع للسلام الان»، تقول وتتحرك عيناها إلى مكان آخر مع أفكارها.
وتتذكر الفترة الماضية بعد ان فقد موشيه دايان عينه في الحرب العالمية الثانية. «كانت له آلام فظيعة في العين وفي الانف الذي كاد يتمزق. ابناؤنا، باستثناء يولا (ياعيل دايان ن.د)، التي كانت ابنة سنتين حين وقع هذا، لم يروا عمليا اباهم بعينين اثنتين. كما ان الفترة في المستشفى في باريس، دون أن نعرف كلمة بالفرنسية، لم تكن سهلة». وأنا اواصل السؤال لماذا لم يرتبط اسمها منذ أن تركته بأي رجل آخر.
فتصرخ: «لا سمح الله! كان لي زواج واحد وكفاني. عملت دوما. والعمل ملأ كل عالمي وكان حولي دوما الكثير من الأصدقاء. أقمت «مشكيت» وتجولت في كل العالم، لاحمل بشرى «مشكيت».
 
■ لمن تشتاقين؟
 ـ «لاسي. جد اشتاق. خسارة تماما أنه ذهب مني. ولكن عندي ابنان آخران، ياعيل واودي، وعشرة افراد و 12 أبناء أحفاد».
 
■ أتخافين من الموت؟
 ـ «لا. ليس فيّ خوف من الموت. ولكني ابدا لا اصلي للموت. ولكن تعالي، بيننا، اذكرك بأني ابنة 100، وهذا ليس مستبعدا أن اموت. أنا أيضا أتمنى لنفسي أن اذهب للنوم والا أفيق. بدون مستشفيات وبدون معاناة».
 
■ وما سرك في الحياة الطويلة بنقاء عقل؟
ـ «التفكير الإيجابي. والجينات أساسا».

محادثات سلام
الناس ليسوا أغبياء فهم يرون الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل وكل شهر يغادرها المئات 
نوحاما دويك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية