سراب الأسطورة

حجم الخط
0

الصهاينة ليسوا أعداء الفلسطينيين والعرب فقط، بل هم أعداء اليهود أيضا! وهذا ما عبرت لي عنه زميلة عمل يهودية كانت على وشك أن تطلق زوجها لما ألح عليها في الذهاب إلى واحدة من المستوطنات على أرض فلسطين وترك منزلها في فرنسا.
قالت لي إنه اصبح لقمة سائغة في يد المتمرسين على الخطاب الصهيوني الذي كلما عانى يهودي من البطالة مثلا – كان زوجها يبحث عن عمل وطال بحثه كباقي مئات الآلاف من المواطنين الفرنسيين- إلا وذكروه باللاسامية التي وراء رفضه وتهميشه، وكأنه الوحيد الذي يعاني من مشكلة البطالة!
قالت لي إنها لما رفضت الذهاب معه إلى ما بدأ يسميه بين عشية وضحاها أرض أجداده، هددها بالطلاق فرحبت بهذا التهديد، وقالت له بأنها مواطنة فرنسية وبيتها موجود على التراب الفرنسي، وليست مستعدة للتخلي عن هذه الحقيقة الواقعية والجري كمجنونة وراء سراب أسطورة أرض الميعاد المنتمية إلى الزمن التوراتي!
سألتُ هذه الزميلة مؤخراً، عندما التقيت بها في حفلة دعتنا اليها زميلة من أصل سوري، عن زوجها فأخبرتني بأنه عاد بسرعة من هناك – لم تقل فلسطين أو إسرائيل – لأنه لمس عن قرب أن لا شمسا في أفق المستقبل هناك في ظل الاستـيطان والاحـتلال!
«رجع الرجل إلى عقله وإلى فرنسا»، قالت لي زميلتي اليهودية مضيفة تعليقا يعري حقيقة الخطاب الصهيوني الذي كلما انهزم امام حجج المنطق والواقع وتاريخ الأفراد وحياتهم الشخصية يحاول لف عنق الحقيقة والاستنجاد باللاسامية : «تصوّر أنه بدأ يذكر الآن أصوله المغربية ويحنّ اليها!»
ابتسمت لزميلتي اليهودية وقلت لها مخاطبا فيها ذكاءها: ألا تجدين أنه رجع بالأحرى إليك؟ صوت العقل بالتأكيد، لكنه قبل هذا حضن يضمه إليه.
ونحن على هذه الحالة، استفزني دون قصد سؤال أحد الحاضرين كان يتلذذ بشيء من الحمص في فمه: «الحمّص إسرائيلي، أليس كذلك»؟ فجاءه جوابي مفاجئا: وأنت إسرائيلي ؟ رد بسرعة: سمعتهم يقولون هذا. قلت: من هم ؟ فانطلق يتكلم عن المطبخ الإسرائيلي والتقاليد الإسرائيلية.
هنا تدخلت زميلتي اليهودية واستهلت حديثها بالكلام عن «الهولدوب» ،السرقة الكبرى، الذي تعرض له الإرث الفلسطيني في الكثير من المجالات على يد الاحتلال فذكرت برتقال حيفا وحائط البراق وأسماء الشوارع والعمران العثماني الخ.
كان السائل عن اصل الحمّص الثقافي واحدا من ضحايا الخطاب الصهيوني ولحسن حظه أن جاءه الرد على لسان يهودية!

كاتب عربي يقيم في فرنسا

سراب الأسطورة

حمودان عبدالواحد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية