إسطنبول ـ «القدس العربي»: أثارت تسريبات إعلامية عن مخطط للحكومة التركية يهدف إلى إجراء تعديلات في محيط قبر مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك غضب وتهديدات المعارضة وما يطلق عليهم «الأتاتوركيين» في البلاد، الذين يعارضون بقوة حكم الرئيس المحافظ رجب طيب أردوغان ويتهمونه بالعمل الممنهج من أجل إضعاف مكانة أتاتورك عند الشعب التركي.
وتفتح هذه القضية مجدداً ملف الصدام المتصاعد بين أردوغان والمعارضة العلمانية الأتاتوركية التي تقول إنه وصل مراحل متقدمة في محاولة تهميش مكانة أتاتورك عند الشعب التركي لا سيما لدى الأجيال الجديدة من خلال تقليص المساحة المفردة للحديث عنه وعن العلمانية في المناهج التعليمية الجديدة على حساب زيادة المواد الدينية، وهو ما تطلق عليه المعارضة «أسلمة المجتمع» ويسخر منه أردوغان على اعتبار أن 99٪ المجتمع التركي مسلم.
ويوجد قبر أتاتورك «أنت كبير» على مساحة شاسعة جداً في وسط العاصمة أنقرة ويتكون من بناء هائل يوجد داخله القبر البارز وساحات ومبان وحدائق واسعة تحيط به، ويتمتع بحراسة أمنية مشددة وبرتوكول على مدار الساعة وتنظم إليه زيارات رسمية وشعبية بشكل متواصل.
وبعد أن سرت أنباء عن نية الحكومة إجراء تعديلات مهمة داخل المجمع الذي يضم القبر دشن معارضون وسماً احتل المرتبة الأولى على تويتر تحت عنوان «لن تمسوا قبر أتاتورك» وآخر بعنوان «لن نسمح لكم بالمس بقبر أتاتورك» شنوا خلاله هجوماً كبيراً على الحكومة وتعهدوا بمقاومة أي مخطط لإجراء تغييرات في مجمع القبر «مهما كلف ذلك من ثمن»، على حد تعبيرهم.
رئيس بلدية العاصمة أنقرة مليح جوكتشيه وفي محاولة لاحتواء الأزمة قال إن «جهات تروج أكاذيب ومعلومات خاطئة في محاولة لخداع الناس وتحريضها ضد الحكومة»، لافتاً إلى أنه لا يوجد أي مخطط للمس بالمباني التابعة لقبر أتاتورك، لافتاً إلى أن هناك مخططا لاستصلاح بعض الأراضي التي توجد خارج حدود المنطقة التابعة للقبر.
لكن المعارضة التي اعتبرت هذه التصريحات محاولة للتضليل وتمرير المشروع، كشفت في تقرير نشرته صحيفة «جمهورييت» أن هناك اتفاقا نهائيا على منح بلدية أنقرة 12 ألف متر مربع لوزارة الدفاع التركية من أجل تنفيذ مشروع بناء مقرات ومجمع سكن عسكري في الحدائق المحيطة بقبر أتاتورك.
واعتبرت المعارضة هذا المشروع بمثابة إهانة لمكانة أتاتورك في المجتمع ومساس في إرثه التاريخي والوطني على حد تعبيرها، لافتة ً إلى أن المشروع سيقلص المساحة المحيطة بالقبر وستؤدي المباني الجديدة إلى حجب رؤيته من بعيد حيث تتيح مكانته المرتفعة والبارزة رؤيته من معظم أحياء العاصمة، وهي إجراءات تهدف بشكل عام إلى إضعاف رمزية المكان على المدى البعيد، حسب تعبيرهم.
وقبل أيام هدد زعيم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة كمال كليتشدار أوغلو باللجوء أكثر إلى الشارع والتظاهرات خلال الفترة المقبلة لمواجهة إجراءات الحكومة لا سيما فيما يتعلق بالاعتقالات والفصل من الوظائف الحكومية، وذلك بعد أيام من نجاح «مسيرة العدالة» التي قادها من أنقرة إلى إسطنبول سيراً على الأقدام واعتبرت بمثابة نقلة نوعية في أداء المعارضة.
ومع مرور عام على محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في البلاد، عادت إلى الواجهة قضية إزالة صورة أتاتورك عن العملة التركية فئة «1 ليرة»، حيث أصدرت الحكومة عقب محاولة الانقلاب عينة رمزية لفئة واحد ليرة رسم عليها «خاطرة الخامس عشر من تموز» مكان صورة أتاتورك، وكانت وقتها بمثابة فئة رمزية بيعت بـ»100 ليرة تركية».
لكن وبعد أشهر ضخ البنك المركزي كميات هائلة من هذه الطبعة التي باتت موجودة في السوق بنسبة أكبر من الطبعة القديمة المرسوم عليها صورة أتاتورك، في خطوة اعتبرت بمثابة تغيير تدريجي للعملية دون الإعلان عن ذلك رسمياً، حيث يتوقع أن تختفي الطبعة القديمة تماماً من السوق خلال الفترة القليلة المقبلة.
وعلى طريقة «نشيد إزمير» الذي دشنه أتاتورك عقب انتصاره على اليونان في معركة إزمير ويعتبر بمثابة إرث تاريخي له، دشن أنصار أردوغان ما يطلق عليه «نشيد 15 تموز» الذي يتحدث عن ذكرى محاولة الانقلاب وبطولات الشعب التركي في التصدي للانقلابيين.
وقبل أيام، فتحت محكمة تركية تحقيقاً موسعاً بسبب صورة أظهرت ما اعتبر «عدم احترام لمكانة أتاتورك» تظهر فيها أعمال صيانة لأحد قصوره التاريخية لم يلتزم فيها العمال بمعايير النظافة والسلامة.
وعقب قرابة الـ100 عام على تأسيس مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية التركية ما زال يتمتع بمكانة يصفها البعض بأنها تصل إلى حد «القدسية» لدى شريحة واسعة من الشعب التركي، لكن 15 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية الحاكم فتحت الباب أمام التقليل من هذه المكانية تدريجياً حسب كثير من المراقبين.
إسماعيل جمال