تقرير للجنة حماية الصحافيين عن السعودية: أمراء، ورجال دين، وأجهزة رقابة (1 من 2)

حجم الخط
0

تقرير للجنة حماية الصحافيين عن السعودية: أمراء، ورجال دين، وأجهزة رقابة (1 من 2)

هامش الحرية يُمنح ثم يُنتزع ومنتقدو الرقابة الدينية يحملون اراءهم لاعلام يصدر خارج المملكةلا توجد صحافة معارضة والتغطية الصحافية تخلو من التعليقات السلبية عن العائلة المالكة والشرطة الدينيةتقرير للجنة حماية الصحافيين عن السعودية: أمراء، ورجال دين، وأجهزة رقابة (1 من 2)جويل كمبانا اصدرت لجنة حماية الصحافيين وهي منظمة مستقلة، غير ربحية، مقرها في نيويورك، وتعمل علي حماية حرية الصحافة في العالم تقريرا عن وضع الصحافة والاعلام في السعودية وحالتها بين تأثير السياسة والسلطة الدينية ورقابة رجال الصحافة الرسميين. ونظرا لاهمية الدراسة التي اعدها جويل كمبانا، تنشر القدس العربي النص الكامل للدراسة. أحمد الفهيد، محررٌ بإحدي الصحف في الثالثة والثلاثين من العمر، يرتدي بنطال جينز باهتا وقميصاً بنصف كم (تي شيرت) كثير التجاعيد ويحمل هاتفاً خلوياً دائم الرنين. إلا أنه وزيادة عن ملابسه هذه، يبدو غريباً عن المكان في مقهي بوسط العاصمة السعودية المتزمتة. يضع تحت إبطه أعداداً من الصحيفة الشعبية اليومية شمس تظهر في مكان بارز علي صفحتها الأولي صورة ملونة تشد الانتباه لامرأة شابة سافرة تعرض بفخر قرطا في لسانها. أما المقالة المصاحبة للصورة فتحذر من المخاطر الصحية علي الشباب السعودي الذين يعملون علي تثقيب أجسادهم سراً دون اشراف مهني مختص. وسَّعت الصحيفة منذ صدروها عام 2005 حدود تغطية الأخبار الاجتماعية والثقافية في أشد مجتمعات العالم العربي محافظةً من الناحية الدينية. وقد استهدفت صحيفة شمس ، التي يمتلك جزءاً منها الأمير تركي بن خالد، الشريحة السكانية من عمر 18 إلي32. وعلي الرغم من حجم توزيعها المتواضع البالغ 40 ألف نسخة يومياً إلا أنها حققت نجاحا باهرا. ويقول وزير الاعلام السعودي إياد المدني في الواقع نحن نحب صحيفة شمس، فقد كانت الصحيفة الوحيدة التي تنبهت إلي حقيقة أن لدينا قطاعاً سكانياً من الشباب . أيقظت صحيفة شمس كذلك المحافظين المتدينين المتشددين في البلاد، ففي شهر شباط (فبراير) أصبح من الواضح أن الصحيفة تجاوزت الحدود المسموحة، إذ قامت الحكومة باغلاقها مؤقتاً بعد نشرها صورة لأحد الكاريكاتيرات المثيرة للجدل التي تعرضت للرسول محمد والتي أثارت غضب العالم الاسلامي بأســـــــره منذ ظــــــهرت أول مـــــرة فــي الصحيفة الدنماركيـــــة يولاند بوستن (Jyllands-Posten). وصرح أياد المدني للجنة حماية الصحافيين بأنه قام باغلاق الصحيفة مدة أسبوعين لانتهاكها القيود المتعلقة بالمقدسات الدينية.أما أحمد الفهيد فيحكي رواية أكثر تعقيداً، إذ يقول ان صحيفة شمس قررت نشر الكاريكاتيرات فقط بعد اعلان الشيخ عبد العزيز آل شيخ، الذي يمثل أعلي سلطة دينية في البلاد، بجواز ذلك إذ كان القصد منه إبراز الإساءة الموجهة إلي الاسلام. وأشار الفهيد إلي أن وزارة الاعلام ـ التي منحت الرقابة فيها الإذن بتوزيع العدد ـ لم تتحرك لايقاف صدور الصحيفة إلا بعد عشرين يوماً من نشر شمس للكاريكاتير. إن ما جري في الأسابيع الثلاثة الواقعة ما بين تاريخ ظهور الصحيفة علي أكشاك الصحف وتاريخ اغلاقها يظهر الكولسة السياسية التي تدور في الخفاء والتي تملي ما الذي يمكن وما لا يمكن قوله في الصحافة السعودية. وحسب الفهيد ـ الذي تم التحقق من صحة روايته من مصادر أخري ـ فإن رجال الدين المتشددين والشخصيات الدينية احتجوا علي النهج المتحرر لصحيفة شمس وحثوا السلطات علي اتخاذ إجراء بحقها. وقد سمحت تسوية تم التوصل إليها من خلال وزارة الاعلام للصحيفة بالعودة إلي الصدور إذا ما سرحت من الخدمة رئيس تحريرها بتال القوس البالغ من العمر 32 عاماً. وقد تم تسريحه من عمله أواخر شباط (فبراير) الماضي.هكذا هي القوي الخفية، والمتناقضة أحياناً، التي تعيق حرية الصحافة في المملكة السعودية. تقوم الصحف السعودية حاليا بنشر أنباء وآراء لم يكن من الممكن تصورها قبل بضع سنوات فقط، حتي مع توظيف الحكومة والمسؤولين الدينيين لمجموعة من الضوابط من خلف الكواليس لبتر التغطية الشجاعة التي تغضب الحكومة أو الدوائر الدينية المهمة. هامش من الحريةعقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 المزلزلة، التي هاجم فيها ارهابيون الولايات المتحدة، وأحداث 12 أيار (مايو) 2003 عندما هاجم انتحاريون الرياض وقتلوا أكثر من عشرين شخصاً، أظهرت وسائل الاعلام المكبوتة فصولاً من الشجاعة وتطرقت إلي موضوعات كانت محرمة مثل الجريمة والبطالة وحقوق المرأة، والأكثر أهمية التطرف الديني. ويقوم كتاب الأعمدة السعوديون حاليا بنشر مقالات تحقيقية حول استخدام المتطرفين الدينيين للمعسكرات الصيفية لتلقين أفكارهم للشباب السعودي، في حين يناقش المعلقون بأنه ينبغي للنساء التمتع بحق قيادة السيارات. لقد سمحت الحكومة لصحيفة يومية جديدة واحدة علي الأقل بالظهور في أكشاك الصحف، ويُقال ان صحفاً يومية تم الترخيص لها مؤخراً هي في طريقها للظهور. ويجري حاليا منح مؤسسات اخبارية دولية طلبات الحصول علي تأشيرات وطلبات اعتماد مهنية طويلة الأمد للصحافيين الأجانب، وهذه من الأمور التي لم تكن ممكنة في السابق. إلا أن التقدم كان محدوداً وغير متواصل، وكان هامش الحرية هامشاً يُمنح ثم يُنتزع علي حد تعبير خالد الدخيل وهو أكاديمي ليبرالي تم منع نشر المقالات التي يكتبها لصحيفة الحياة اللندنية المملوكة للسعودية فجأة من قبل الحكومة عقب تشكيكه بجهود الاصلاح الرسمية. ويشير كتاب مستقلون إلي شبكة من القيود الرسمية وغير الرسمية تمنعهم من تغطية قضايا اليوم الاجتماعية والسياسية المركزية.وقد وجد تحقيق قامت به لجنة حماية الصحافيين أن ثمة ثلاث قوي عاملة علي كبت التغطية الاخبارية كما يلي: ـ يقوم المسؤولون الحكوميون بتسريح المحررين وايقاف الكتاب المعارضين عن الكتابة أو وضعهم علي اللائحة السوداء، ويقومون باصدار أوامر التعتيم الاعلامي بشأن موضوعات خلافية، ويحذرون الكتاب المستقلين علي كتاباتهم لمنع أية انتقادات غير مرغوبة أو لاسترضاء الدوائر الدينية. ـ تعمل المؤسسة الدينية المحافظة في السعودية كقوة ضغط سياسي قوية ضد التغطية الشجاعة للشؤون الاجتماعية والثقافية والدينية. ويشتمل القطاع الديني متعدد الطبقات علي رجال دين رسميين وعلماء دين وشرطة دينية ووعاظ متطرفين من الداعين إلي إحياء روح الدين وأتباع لهم. ـ يقوم رؤساء التحرير المطيعون الذين توافق عليهم الحكومة باسكات الأنباء المثيرة للجدل، ويذعنون للضغوط الرسمية من أجل تلطيف لهجة التغطية واسكات الأصوات المنتقدة. وتوصل تحليل لجنة حماية الصحافيين إلي أن التغطية الاخبارية المستقلة للنواحي السياسية لا زالت غائبة تقريباً عن الاعلام السعودي. فعلي الرغم من أن الصحف تنتقد أحياناً أداء الوزارات الحكومية أو المؤسسات العامة قليلة الشأن، إلا أن التغطية الانتقادية للعائلة المالكة والحكومات الأجنبية الصديقة والفساد المتفشي وسوء إدارة الدولة للشؤون السياسية والاقتصادية والانقسامات الإقليمية وتوزيع عائدات النفط فتظل قضايا خارج نطاق الممكن. كذلك تُعتبر النقاشات بشأن مواقف السياسة الخارجية الهامة وشواغل الأقلية الشيعية المحرومة من الحقوق، من الموضوعات المحظورة. تغطية القضايا الدينيةإلا أن أشد معارك حرية الصحافة ضراوة هي تلك التي تُخاض حول تغطية القضايا الدينية. لقد عمد أكثر الصحافيين السعوديين شجاعة إلي تحدي ما يرونه احتكاراً للمجتمع السعودي من قبل أعضاء متشددين في المؤسسة الدينية الذين يروجون للمواقف المتطرفة. تظل تغطية هؤلاء الصحافيين مقيدة تقيدا شديدا، بسبب الضغط الهائل الذي يبذله رجال الدين والوعاظ والنشطاء وحلفاؤهم في الحكومة. في قلب هذا التوتر يقع التحالف القائم منذ أجيال بين عائلة آل سعود الحاكمة وأتباع رجل الدين من القرن الثامن عشر، محمد بن عبد الوهاب، الذي تمثل تعاليمه الصارمة أساس العقيدة الوهابية الرسمية للبلاد. وتواصل المملكة العربية السعودية الحديثة، التي تأسست عام 1932، التقيد بالصفقة السياسية التي صيغت قبل قرون، إذ يدير آل سعود السلطة السياسية ويضمنون الأمن، ويحافظون علي الشخصية الاسلامية للبلاد، في حين يوفر رجال الدين الوهابيون السلطة الدينية ويضفون الشرعية علي حكم آل سعود. وفي الواقع العملي أدت هذه المقايضة إلي حالة تبدل دائمة لحرية الصحافة. وحتي عندما تكون الحكومة ميالة إلي السماح بقدر أكبر من النقد في الصحافة كانت تسارع إلي استيعاب مخاوف الدوائر الدينية.لذلك يحمل السعوديون اليوم نقاشاتهم الأشد صراحة حول الدين والسياسة إلي مطبوعات غير سعودية أو منابر أخري. إن النقاشات الصريحة التي يخوضها السعوديون في بيوتهم أو في التجمعات المعروفة باسم الديوانيات أو في المقاهي أو محطات التلفزة الفضائية أو في الإنترنت هي مؤشرات أفضل بكثير علي النقاش الذي تخوضه البلاد من تلك التي توجد عادة في صحف التيار السائد. لا صحافة للمعارضةأجرت لجنة حماية الصحافيين أثناء إعداد هذا التقرير لقاءات مع أكثر من 80 مراسلاً وكاتباً ورئيس تحرير ومثقفاً في الرياض وجدة والظهران والدمام والقطيف، والتقت بمسؤولين من وزارتي الاعلام والداخلية خلال مهمتين لها لتقصي الحقائق في تموز (يوليو) عام 2005 وفي شباط (فبراير) من العام الجاري. ويعتقد الكثير من الصحافيين السعوديين ذوي العقلية الاصلاحية بأنه يمكن القيام بقدر أكبر بكثير من العمل لكي تعكس وسائل الاعلام الوطنية النقاش الصريح والأصوات المتنوعة. وهم يحاججون بأن الاصلاحات الخاصة بالصحافة تصب في مصلحة البلاد علي المدي الطويل، وذلك كوسيلة لمواجهة القضايا الداخلية الخطيرة كالفقر والفساد وكوسيلة لتهميش التطرف الديني العنيف.علي الرغم من أن الصحف مملوكة للقطاع الخاص إلا أن الدولة تمارس تأثيراً هائلاً علي ما يتم نشره. إذ توافق الحكومة علي تعيين رؤساء التحرير، وهي عملية يقول الصحافيون انها تتم خلف أبواب مغلقة بإشراف من الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية القوي. وفي الواقع العملي ـ ولكن ليس بموجب القانون ـ تحتاج الصحف إلي الدعم المالي والسياسي لأحد أفراد العائلة المالكة. وعلي العكس من أجزاء أخري من هذه المنطقة، لا توجد صحافة معارضة في المملكة العربية السعودية. وعلي الرغم من أن بعض كتاب الأعمدة الصحافية انتقدوا وزراء من المستوي الأقل شأناً وموظفين حكوميين أو مؤسسات الصحة العامة، إلا أن التغطية الصحافية تخلو من أي شيء ينعكس سلباً علي العائلة المالكة والمسؤولين رفيعي المستوي ورجال الدين والمؤسسات الدينية في البلاد. ينظر كبار رؤساء التحرير ومعظم الصحافيين إلي أنفسهم علي أنهم مدافعون عن عائلة آل سعود الحاكمة ويكفل المسؤولون الحكوميون الولاء بممارسة الضغط خلف الكواليس حيث يقومون باصدار التوجيهات بشأن الأخبار الحساسة ويمنعون تغطية موضوعات معينة ويتخذون الاجراءات التأديبية بحق الصحافيين. أظهر البحث الذي أجرته لجنة حماية الصحافيين أن عشرات المحررين والكتاب والأكاديميين وغيرهم من النقاد الاعلاميين تم ايقافهم مؤقتاً عن الكتابة أو فصلهم من أعمالهم أو منعوا من الظهور في الصحافة السعودية خلال العقد الماضي. وقد جاءت هذه الإجراءات بناء علي أوامر من الحكومة أو تدخل من الزعماء الدينيين أو بمبادرة من رؤساء التحرير. كما تعرض صحافيون آخرون للاعتقال، والاستجواب من قبل السلطات الأمنية، والمنع من السفر.وعلي الرغم من القيود الرهيبة، تحسنت البيئة الاعلامية السعودية منذ تسعينيات القرن الماضي بصورة لافتة. ويقول الصحافيون منوهين إلي تأثير المحطات الفضائية والإنترنت ان وسائل الاعلام خضعت لعملية تحرر تدريجية منذ حرب الخليج عام 1990-91، وهو الوقت الذي اخفقت فيه الصحافة السعودية ـ علي نحو فاضح ـ في نقل أخبار اجتياح صدام حسين للكويت. إلا أن أكثر التغيرات أهمية حصلت بعد 11 أيلول (سبتمبر ) عام 2001. واستجابة منها للنقاد الدوليين الذين ربطوا الارهاب السعودي بالافتقار إلي الحريات الأساسية في المملكة، خففت الحكومة من القيود المفروضة علي الصحافة المحلية وبدأت الصحف بالتطرق للمشكلات الاجتماعية والتطرف الديني. حريق مكةوحدث منعطف مفصلي آخر في آذار (مارس) عام 2002 عندما اندلعت النيران في مدرسة للبنات في مدينة مكة المقدسة مما أدي إلي مقتل 15 طالبة. وأظهرت الصحف تحدياً غير مسبوق عندما طفت علي السطح ادعاءات بأن الشرطة الدينية مهيبة الجانب ـ أو المطوعين ـ قامت بتأخير عمليات الانقاذ لأن البنات داخل المبني الذي تشب فيه النيران لم يكن يرتدين العباءة السوداء الاجبارية. فقد قيل عن المطوعين الذين يستخدمون اسم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صحيفة عكاظ إنهم يمنعون الحياة وينشرون الموت . أما صحيفة الرياض كبري الصحف السعودية فقد صرحت بأن الحريق أظهر المواقف المجحفة بحق النساء. وفي النهاية أزاحت الحكومة رجل الدين المسؤول عن تعليم البنات ونقلت عملية الاشراف إلي وزارة التربية. وفي الوقت نفسه تقريباً كان هناك كتّابٌ يختبرون حدود ما يمكن نشره. فقد أدهش الشاعر عبد المحسن حليت مسلم زملاءه عندما كتب قصيدة لصحيفة المدينة اتهم فيها قضاء الدولة الذي يهيمن عليه رجال الدين بالفساد. وتقول بعض أجزاء القصيدة … ولحاكم ملطخة بالدماء … وتداجون ألف طاغ وطاغ وله وحده يكون الولاء . واتهمت القصيدة القضاة بعدم الاهتمام لأي شيء سوي حساباتهم في البنوك ومكانتهم لدي الحكام.تبين التغطيات أنها أكثر مما تحتمله السلطات وتم في الأسابيع اللاحقة ابلاغ الصحف بوقف الكتابة عن حريق مكة. وتم صرف المحرر المسؤول في الصحيفة التي كتب فيها مُسَّلم وقيل أن ذلك تم بأمر من وزير الداخلية. أما مُسلَّم نفسه فقد اعتُقل ومُنع من الكتابة في الصحف السعودية. وتم تسريح محررين آخرين من الخدمة في الأشهر التالية بمن فيهم قينان الغامدي رئيس تحرير صحيفة الوطن المتهور الذي تم طرده عقب تقرير وصف الظروف المعيشية السيئة التي يعاني منها جنود وزارة الداخلية الذين يتم نشرهم في مكة في موسم الحج السنوي. عادت التغطية الاخبارية الناقدة إلي الظهور بعد سنة من ذلك، عندما هاجم انتحاريون عدة منشآت غربية في الرياض في 12 أيار (مايو) عام 2003، مودياً بحياة ما يزيد عن عشرين شخصاً ومشيراً إلي خطر ارهابي داخلي. وقد فجر هذا الحدث جدلاً غير مسبوق في الصحف حول جذور التطرف.لقد شهد عادل الطريفي وهو كاتب عمود صحافي في صحيفة الوطن التغيير يحدث بين عشية وضحاها. فقبل التفجيرات بيوم واحد أوقف رئيس التحرير نشر مقالة للطريف فيها تبصر بما هو آت، حذر الطريفي فيها من خطر المتعصبين المتدينين الذين يعملون علناً في المملكة. وقد ناقشت المقالة بعنوان حتي لا تكون منهاتن سعودية التهديد الارهابي الذي يلوح للعيان في السعودية وقالت إن شيوخ الدين يشعلون نيران التوتر ويروجون تفسيرات متطرفة للاسلام. وانتهي المطاف بالمقالة في مكان بارز من صفحة رأي الوطن بعد يومين من التفجيرات. ويقول الطريفي لقد عرف المحرر المسؤول أنه يمكن نشر المقالة وأنني لن أعاقب علي كتابتها .وفي الأشهر التالية كتب عادل الطريفي وغيره من الكتاب السعوديين مقالات جريئة حول التطرف انتقدوا فيها الحكومة من طرف خفي بسبب التسامح مع المتعصبين الاسلاميين. وبحثت الصحف في الكيفية التي استغل فيها المتطرفون نظام التعليم لتشريب الشباب بأفكارهم. وأمعن المعلقون البحث في القيود التي تفرضها الوهابية علي النساء وما أسموه بعدم تسامح المتشددين تجاه معتقدات الأديان الأخري. ويقول عادل الطريفي لقد بلغ بي الأمر إلي الكتابة بأن المؤسسة الدينية تستمر في كونها عقبة في طريق الحرب علي الارهاب . وظهر التعليق الأكثر جرأة في صحيفة الوطن ـ وكانت آنذاك صحيفة جديدة نسبياً يمتلك جزءاً منها الأمير السعودي الليبرالي بندر بن خالد. إذ كتب رئيس تحرير الصحيفة المعيَّن حديثاً، جمال خاشقجي، في اليوم التالي للتفجيرات قال فيه ان الذي ارتكب جريمة الأمس التي سيكون لها تأثير مؤلم علي الطبيعة المسالمة لبلدنا ليس الارهابيون الانتحاريون فقط، بل وكل من حرض علي تلك الهجمات وبررها … وحتي كل من لزم الصمت إزاء هذا الاتجاه الذي ينحرف عن ديننا وطبيعتنا . كما ونشرت صحيفة الوطن كاريكاتيرات استفزازية تصور رجال دين سعوديين يتسامحون مع الأعمال الارهابية، إلا أن أكثر مقالاتها جرأة ظهر بعد أيام فقط من تفجيرات أيار (مايو) وقال إن مردَّ العنف يعود إلي ابن تيمية رجل الدين المسلم من القرن الرابع عشر، وهو الذي أرست تعاليمه المتزمتة الأساس للعقيدة الوهابية. وقالت المقالة ان المتطرفين استخدموا تلك التعاليم لتبرير الهجمات العنيفة. إلا أن التوسع في حرية الصحافة كان قصير الأجل مرة أخري، وتم تسريح بعض المحررين والكتاب من أعمالهم تحت ضغوطات من الحكومة. وكان جمال خاشقجي رئيس تحرير صحيفة الوطن أبرز الضحايا فقد أُجبر علي التنحي بأمر من ولي العهد آنذاك الأمير عبدالله. ووبخ الأمير نايف وزير الداخلية رؤساء التحرير علي مقالات انتقدت الوهابية، ونبَّه عملاء الحكومة علي مدار عدة أشهر رؤساء التحرير والكتاب إلي ضرورة الابتعاد عن المحرمات الدينية والمؤسسة الدينية والاصلاحات التي تجري مناقشتها من قبل المثقفين. كما أدي اعتقال ثلاثة من الاصلاحيين السياسيين البارزين في آذار (مارس) 2004 الي مزيد من اخماد حماسة الصحافيين لتحدي الوضع الراهن.وتراجعت التغطية الاخبارية تدريجياً ولم تتعاف من ذلك حتي الآن، مما خلف شعوراً بخيبة الأمل والريبة لدي الكثير من الكتاب الليبراليين بمدي التزام الحكومة باصلاح وسائل الاعلام. ويعتقد بعض الصحافيين أن الحكومة التي كانت تتهددها أخطار القاعدة بعد أيار (مايو) 2003 استخدمت الصحافة لاضعاف العناصر الدينية المتشددة خلال تلك الفترة فقط لإعادة احكام سيطرتها حالما أصبحت لها اليد العليا علي الارهابيين. حسين شبكشي كاتب عمود سابق في صحيفة عكاظ يتخيل دولة تكون الحكومة فيها مسؤولة أمام الشعب والمواطنون يستطيعون التصويت في الانتخابات والنساء يستطعن قيادة السيارات. وعندما وضع حسين شبكشي هذه الرؤي في مقالة كتبها في تموز (يوليو) عام 2003 أثار ردوداً شعبية كبيرة اشتملت علي شكاوي ممن دعاهم جماعات قبلية ودينية . وتم وضعه علي اللائحة السوداء للصحافة السعودية طيلة السنة التي تلت ذلك وتم إلغاء برنامجه الحواري الذي كان قد أُطلق حديثاً علي محطة العربية الفضائية التي تملكها السعودية. وقد أبلغه المحرر المسؤول أنه تم منعه من الكتابة ولكنه لم يقل له لماذا ومن قبل من. وقال حسين شبكشي في مقابلة أُجريت في جدة الميناء السعودي علي البحر الأحمر كان الحظر بشعاً للغاية إذ لم أتمكن من الكتابة في أي مكان ، وقال لقد علمني ذلك كيف تُدار الأمور في هذا البلد . وتمثل هذه الحالة الضغوطات التي تمارس وراء الكواليس علي الصحافيين السعوديين الذين يتكلمون بصراحة. ولم يتم الاعلان عن الحظر المفروض علي شبشكي مطلقاً ولم تكن هناك أية وثيقة شاهدها هذا الصحافي يوماً. ويقول صحافيون إنه علي الرغم من أن الكثير من عمليات الحظــــر تُفرض بواسطة فاكس من وزارة الداخلية تتم عمليات حظر أخري ببساطة عن طريق مكالمات هاتفية من مسؤولين دينيين أو سياسيين. في لقاء له مع لجنة حماية الصحافيين تم في شباط (فبراير) أقر وزير الاعلام إياد المدني ونائبه صالح النملة بممارسة الحكومة لعملية الحظر. وأكد المدني علي وجود حالة حظر واحدة علي الأقل وهي المفروضة علي الشاعر مسلَّم ولكنه لم يفصح عن أية تفاصيل. وقال صالح النملة ان الحظر يُفرض عندما يشكو المواطنون إلي الملك أو كبار المسؤولين وأن الهدف من تلك الاجراءات هو المحافظة علي المجتمع التقليدي المحافظ للبلاد. وقال صالح النملة ان غايتي وهمي الرئيسي هو ألا يقوم الصحافيون بإفساد البنية المحافظة . وقال إذا تشاجر الأطفال فيما بينهم فإنك تقول لهم اذهبوا إلي الغرفة. وللكاتب تقول رجاءً لا تكتب. إنها طريقة لتهدئة الأمور . وقال صالح النملة إنه لا يعلم عن أي صحافي تم منعه من الكتابة بصورة دائمة. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية