إذا نجح نتنياهو في الخروج من كل القضايا التي يحقق فيها هذه الايام في الشرطة، فإنه بالفعل ساحر. من جهة اخرى، من المهم أن نتذكر بأنه لا يوجد سحرة؛ يوجد ذارون للرماد في العيون، وفي هذه المرحلة أو تلك، تتضح الخدعة. وخدعة بيبي آخذة في الاتضاح هذه الايام تماما. اعرف اني استبق الاحداث، ولكن يخيل أنه يمكن منذ الان البدء بإجمال عصر ملكية نتنياهو.
ينبغي أن نبدأ بالخير. نتنياهو هو زعيم ذو قامة دولية. فهو شخص ذو قدرات مثيرة للانطباع. وقد استخدمها كي يكتسب له ولإسرائيل مكانة عالمية، مشكوك إذا كانت ستكون لها في الجيل ما بعده. ليس في إسرائيل شخصيات اخرى لها هذه المعرفة العميقة والنفوذ غير المسبوق على سياسة اليمين في الولايات المتحدة. من ناحية اليمين الأمريكي، بيبي ليس زعيم دولة آخر يصل إلى واشنطن ليتلقى دعما ومساعدة ـ هو شخصية مركزية في فكرهم المحافظ. بمعان عديدة يفكرون عنه كسناتور أمريكي سيطر على إقليم استراتيجي ويديره وفقا لطريقهم.
الاهم من هذا هو أن نتنياهو يتخذ خطا محافظا لأسباب عديدة تبين بأنه ذو وزن في الساحة العالمية. عندما بدأ طريقه كان يبدو مثل ديناصور إسرائيلي عالق في الأيام ما قبل السلامة السياسية. اما اليوم فهو يبدو مطلعا على آخر الاحداث تماما. وخليط الهجرة والإرهاب الإسلامي إلى جانب الانخفاض الدراماتيكي في اسعار النفط في العالم، جعل مواقفه شعبية في نظر قسم كبير من السكان، قبل عشر سنوات فقط كان ينفر منها ومقبولة في نظر معظم النخب السياسية في الغرب.
تتمتع دولة إسرائيل تحت نتنياهو بمكانة استثنائية تجد تعبيرها في علاقاتها الخارجية مع حلفائها، مع خصوم سابقين وحتى مع خصوم ظاهرا في الحاضر. الخصم الاساس لإسرائيل، الفلسطينيون، يجد نفسه في موقف ضعف غير مسبوق. حماس معزولة في غزة وتراكم معارضة من الداخل ومن الخارج، السلطة الفلسطينية محافظة وغير شعبية، الداعمون في العالم يختفون، بيبي يمكنه ان يفعل كما يشاء.
هذه انجازات مثيرة جدا للانطباع. صحيح أن بعض مراهنات نتنياهو لم تنجح (مثل الخطوة ضد الاتفاق الإيراني لاوباما)، ولكن صعود ترامب شطب الخوف من انتقام هيلاري كلينتون التي كان سلوكه (الفضائحي) منكرا في نظرها. من جهة اخرى، فإن النجاحات الدبلوماسية تأتي وتذهب.المشاكل على الارض لم تحل، بل تتفاقم فقط. والمشكلة الاساس على الارض ليست التهديد الأمني. دولة إسرائيل ليست مهددة بتهديد حقيقي هذه الايام، وبالتأكيد ليس من جانب الفلسطينيين. المشكلة الاساس تتعلق بمجرد كون الفلسطينيين، بالاعداد والحياة «على الارض». حتى لو لم تصطدم إسرائيل باحتجاجات او بإرهاب، الحقيقة هي أنها تصبح دولة فيها جزء هام من الرعايا الذين يخضعون لامرتها لا يتمتعون بحقوق المواطن، وحتى حقوق الانسان الاساسية تعطى لهم بالتقنين. لا يهم كيف تريدون ان تسموا مثل هذا النظام. فهو ليس ديمقراطية.
ان تجاهل نتنياهو المسائل المقلقة مثل ما هو ديمقراطي وما هو ليس ديمقراطيا، وما هو المسموح وما هو الممنوع وجد تعبيره في كل المجالات. فمن اجل الاجندة التي يعمل عليها بكفاءة عظمى (جعل الضم حقيقة غير قابلة للتراجع)، مستعد نتنياهو لان يقطع الكثير جدا من الزوايا ـ الكثير جدا من الزوايا التي بقيت عالقة في داخل الدائرة. وبشكل لا مفر منه، فإنه يعتمد على حلفائه من اليمين الاستيطاني، الحلفاء المخلصين للغمزات والالتواءات والاستخفاف السميك والرقيق للديمقراطية باسم تلك الاجندة. نتنياهو يفهم بأن سياسته تعزز خصومه السياسيين من اليمين. وهو ليس راضيا عن ذلك ولكن عميقا في الداخل فإنه عليهم وليس على مركز الليكود يعتمد حقا (بما في ذلك عند الحاجة ان يهجروا احزابهم ويصوتوا له).
وهذا ليس كل شيء بالطبع. فاحتقار نتنياهو للقواعد، احساسه بأنه محوط بالاغبياء، وانه يفهم اكثر منهم، يعمل افضل منهم ولهذا فإنه يستحق حقوقا زائدة ـ سيكون على ما يبدو في طالحه. افترض ان كل تحقيق بحد ذاته كان سيمر كيفما اتفق، ولكن عندما يكون ما يأتي بالقفز فإن احدا ما سيوقف التيار قريبا.
هآرتس 19/7/2017