من الصعب أن نقول كيف ستنتهي الأزمة حول الحرم. ولكن الأيام الأخيرة اثبتت بأن صاحب السيادة الحقيقي في الحرم ليس إسرائيل، الاردن او الاوقاف بل الفلسطينيون المقدسيون.
لقد كان الميل لاختبار المجتمع الفلسطيني في القدس في الغالب عبر نقاط ضعفه ـ الفقر، انعدام القيادة، مفاسد الاحتلال، هدم المنازل ومصادر الأراضي. ولكن في الأيام الأخيرة حقق الفلسطينيون في القدس انجازا غير مسبوق. فمن خلال احتجاج غير عنيف تضمن مقاطعة غير مسبوقة للدخول إلى نطاق الاقصى، حشروا إسرائيل في زاوية خطيرة تفكر بجدية للخروج منها بالتراجع وبتفكيك البوابات الالكترونية.
القرار، إذا ما اتخذ، سيتم قبل صلاة يوم الجمعة ظهرا. فاذا ما الغيت صلاة يوم الجمعة ايضا، ستكون هذه سابقة تاريخية. فالمرة الاخيرة التي حصل فيها هذا كان على ما يبدو في عهد الصليبيين قبل نحو الف عام.
في فكر الفلسطينيين في القدس، فإن حماية الاقصى هي سبب وجودهم كطائفة سياسية. في نظرهم الاقصى هو اكثر من مجرد رمز وطني أو ديني: فالحرم هو ايضا المكان الذي يوجد فيه للفلسطيني المقدسي احساس معين بالحرية من عبء الاحتلال. ففي معظم ساعات اليوم ليس في المكان تواجد إسرائيلي وهذه هي المنطقة الخضراء المفتوحة الاكبر في شرقي القدس وفي نفس الوقت ميدان مليء بالناس. والتهديد بتغيير الانظمة فيه هو تهديد حقيقي على هويتهم وحياتهم اليومية. وروى أمس احد سكان سلوان فقال: «الناس لا يسألون كيف حالك او كيف حال الاطفال، بل يسألون ماذا يحصل في المسجد».
في اليوم الاول من المقاطعة اطلقت الاوقاف رسالة مزدوجة. فالادارة المدنية للاوقاف، التابعة للمملكة الاردنية، طلبت من عامليها الدخول إلى الحرم والمرور بالبوابات. وفي نفس اللحظة أمرت القيادة الروحية، قيادة الشيوخ المقدسيين، عدم العبور بالبوابات. واختار عمال الاوقاف اطاعة القيادة الروحية والضغط عليها من الشارع لمقاطعة المكان. فمنذئذ والحرم فارغ تماما. وتصمد المقاطعة بل وتتعاظم واللحظة التي ستسمع فيها نداءات المؤذن للصلاة يوم الجمعة آخذة في الاقتراب.
أمس أمر مفتي القدس بإغلاق مساجد الاحياء يوم الجمعة وتوجيه المصلين إلى بوابات الحرم. يمكن الافتراض بأن العرب الإسرائيليين هم ايضا سيحاولون الوصول، وان كانت الشرطة لا بد ستحاول منعهم. واحتمال المواجهة العنيفة يوم الجمعة هو الاحتمال الاكبر الذي ربما كان منذ حجيج ارئيل شارون إلى الحرم في العام 2000، قبل يومين من اندلاع الانتفاضة الثانية. وحتى لو لم تتحقق السيناريوهات الخطيرة، ومرت صلاة الجمعة بسلام إلى هذا الحد او ذاك، فإن موجة العنف التالية تكاد تكون محتمة.
كيفما ستنتهي هذه الازمة، فإنها كشفت عن مشكلة عسيرة في طريقة اتخاذ القرارات في الجانب الإسرائيلي. لا حاجة لأن يكون المرء خبيرا في تاريخ الحرم كي يتوقع النتيجة. «كانت حالات كثيرة جدا ارادت فيها إسرائيل فرض سيادتها على الحرم من طرف واحد. وانتهى هذا دوما بسيادة اقل مما كان لها في البداية. هكذا كان مع شارون في 2000 حيث إنه كان الحرم بعد ذلك مغلقا امام الإسرائيليين على مدى ثلاث سنوات»، يقول البروفيسور اسحق رايتر من الكلية الاكاديمية عسقلان ومعهد القدس لبحوث السياسة. هكذا حصل ايضا مع جسر المغاربة، نفق المبكى وغيره. يبدو أن من اتخذ القرار بالبوابات الالكترونية لم يعرف التاريخ او أنه لم يعرف انه ذو صلة بالقرار، وهذا ربما هو الامر الاكثر اقلاقا في هذه الازمة.
هآرتس 20/7/2017