للدعاية حيز مهم في تزييف الحقيقة وبلورة واقع مُصطنع على مرّ التاريخ، وقد كانت الستالينية منخرطة في صلب هذه المنظومة التزييفية التحويلية في منتصف الثلاثينيات، إذ من أشهر اللوحات الدعائية الستالينية في هذا التاريخ لوحة ضخمة لفلاّحة تحمل منجلا ترفعه نحو السماء، وإلى جانبها عامل يحمل مطرقة ويرفعها في الاتّجاه نفسه، وقد بدا على الفلاّحة صحّة وفرح لا مثيل لهما، فهي مُمتلئة وقوية وجميلة، واحمرار وجهها يثير اللوحة والعامل أيضا قويّ البُنية، ذراعاه تمتلئ بالعضلات ووجهه المبتسم ينمُّ عن سعادة مطلقة.
وفي فترة إنتاج تلك اللوحة نفسها كان يموت أكثر من عشرين مليون فلاّح من الجوع في الاتّحاد السوفييتي، والمعتقلات ممتلئة مثلها مثل معسكرات العمل القسري بملايين العمّال.
وهذه الخرافة الاشتراكية ربطها كثيرون ظلما بالنقد الماركسي، حتى أخذت الاشتراكية سيطا مهمّا في الأوساط العربية في منتصف الخمسينيات خاصّة، وكثيرون دافعوا عنها وعن التجربة السوفييتية المنتصرة على ألمانيا، التي وضعت حدّا للعنجهية النازية. وفي الحقيقة دفاع كثيرين عن المنهج السوفييتي في تلك اللحظة له مبرّراته، إذ أنّ الصّورة التي كانت تصل عن الاتحاد السوفييتي في تلك المرحلة، لم تكن لتكشف عن أهوال الستالينية التي يمكن الحديث عنها اليوم. ولعلّ همّ التحرّر العربي آنذاك ومسعى القضاء على الفقر والفوارق الطبقية والأمية جعل التجربة المصرية، مثلا، تعتبر الاتحاد السوفييتي في الخمسينيات نموذجا استثنائيا في التحرّر والتقدّم، وعُدّت الماركسية التي كان يُنتجها ما كان يعرف بقلعة الاشتراكية مرجعا يصعب التشكيك فيه.
ولكن المؤسف حقا بقاء هذا المرجع على الطريقة الستالينية يردّده العديد من الألسن وتعتمده بعض الأحزاب التي تدّعي الاشتراكية كنظام تسيير وفكر وممارسة، والكلّ يغفل النظر عن تلك السّجالات الحادّة التي اشتهرت في الثلاثينيات بين عمالقة النقد الماركسيين أمثال تيودر أدورنو وجورج لوكاتش ووالتر بنيامين وبروتولد برخت وأرنست بلوك… وهي بعيدة كل البعد عن فترة الظلام التي فرضتها الستالينية.
وفي المنطقة العربية لا يمكن فهم الطروحات النقدية الاشتراكية، بدون فهم التأثير الكبير للاتحاد السوفييتي على فكر ومفاهيم الكثير من مُثقّفي اليسار في العالم الثالث، خاصة أولئك الذين انخرطوا في صفوف الأحزاب الشيوعية، التي كانت تربطها علاقات وثيقة بالحزب الشيوعي السوفييتي. وكان الاتحاد السوفييتي قد شهد تحوّلات ضخمة بين فترة اندلاع الثورة عام 1917 وبداية الثلاثينيات، التي استقرّ فيها الحكم لستالين على رأس بيروقراطية الحزب والدولة. ففي 1917 كانت الطبقة العاملة قد استولت فعليّا على السلطة، في إطار التكتيك الثاني للحركة الشيوعية العالمية، وبدأت في إنشاء ديمقراطية عمّالية مباشرة من خلال مجالس العمّال المُمثّلة للمصانع والأحياء، ومع دعم من فقراء الفلاّحين الذين استولوا على الأرض، ولكن هذه الديمقراطية الوليدة لم تستمر طويلا، وكان من البديهيات في الحزب الشيوعي حين ذاك، إنه بدون انتشار الثورة ونجاحها في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدّما، خاصة دول أوروبا الغربية الرأسمالية كألمانيا آنذاك، فلا أمل لاستمرار العمّال في الحكم في روسيا، فهي الدولة التي كان غالبية سكّانها من الفلاّحين، ولا يُمثّل العمال الصناعيين فيها سوى نسبة ضئيلة من السكّان، وبالتاّلي فالسلطة العمّالية لا يمكنها الاستمرار والبدء في بناء الاشتراكية بدون مُشاركة ومُساندة الطبقات العاملة في الدول الرأسمالية الكبرى، وعلى رأسها الطبقة العاملة الألمانية العملاقة. ولم يكن ذلك التصوّر مثاليّا فقد اندلعت الثورة بالفعل في مختلف أنحاء أوروبا مع نهاية الحرب العالمية الأولى (الثورة في ألمانيا 1918، وبعدها بأسبوعين تقريبا اندلعت الثورة في النمسا والمجر). ولكن موجة الثورات كانت قد فشلت في كسر هيمنة الرأسمالية، وأصبحت الدولة العمّالية في روسيا محاصرة تماما تواجه حربا شعواء من جيوش الدول الرأسمالية الكبرى من جانب، وحرب أهلية يقودها بقايا النظام القيصري ومُلاّك الأرض القدامى، (بقايا الإقطاعيين) من الجانب الآخر. وهو مأزق تاريخي دعّم به ستالين في ما بعد تمسّكه باشتراكية الداخل الروسي، بدون العمل على تصديرها كما أراد ليون تروتسكي».
ذاك شيء من فهم يدفع بنا إلى الاعتقاد أنّه على الفكر الاشتراكي العربي اليوم أن يتخلّص من المثالية الطوباوية، لكي يكون فكرا تقدّميا قادرا على طرح مشروع مجتمعي واضح الملامح في إطار ألف باء الديمقراطية وحوار الفسحة التنويرية، ينطلق من واقع الشعب قبل كل شيء وليس من نظريات قد لا تستقيم بعيدا عن استقراء الواقع الاجتماعي، كما ينبغي أن تعمل مؤسسات المجتمع السياسي في دول الربيع العربي ،على خلق ديناميكية ضمن هياكلها السياسية، فمجرد انتفاء عمليّة تداول رئاسة حزب ما، والتمسّك بالشخص الواحد على مدى سنين كرأس مال رمزي في صورة هلامية تُضخّم من قبل الفئة التابعة تجعل التشدّق بالديمقراطية محل شبهات من طرف هؤلاء.
وفي الحقيقة الأحزاب التي اتخذت هذا المسار لا يُرجى منها صياغة مشهد ديمقراطي في أي قطر عربي إذا ما تقلّدت مناصب سيادية ضمن الحكم، باعتبارها لم تتمثّل الديمقراطية «كبراكسيس»، بل تشدّقت بأفكار ليس أكثر- إنه انهيار فكرة قبل تشكّل الممارسة المرجّحة بدورها للانهيار، في نطاق جدلي يحمل بذور السلب منذ البداية.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي