احيانا يضطر العمال الفلسطينيون الذين يريدون الحصول على تصريح عمل في إسرائيل إلى دفع مبلغ 15 ألف شيكل للوسطاء الذين يهتمون باصدار التصاريح المطلوبة. هذا ما تبين من الفحص الذي أجرته وزارة المالية في الأشهر الأخيرة. وحسب التقدير يتم دفع مبلغ 1500 ـ 2500 شيكل شهريا، تعادل ربع أو ثلث الراتب الشهري للعامل. هذه الظاهرة المنتشرة هي استمرار لطريقة تشغيل العمال التي تربطهم برب عمل معين فقط.
أيمن (45 سنة) من قرية قرب جنين مسجل كعامل بناء لدى رب عمل كهؤلاء، لكنه عمليا يعمل في مجال آخر. ومن اجل الحصول على العمل يضطر أيمن إلى دفع 2.400 شيكل شهريا، حتى بعد مساهمة صاحب العمل بجزء من هذا المبلغ ايضا. وحسب قوله «كل شيء هو احتيال وأمور فارغة، لكن لا يوجد خيار آخر، نحن مضطرون إلى العمل حتى لو اضطررنا إلى دفع الكثير من المال للمقاول». وفحص الحكومة يعترف، لأول مرة بوضوح، بأنه يتم استغلال العمال الفلسطينيين. «حتى الآن لم تنشيء طريقة التشغيل ظروف عمل ملائمة للعمال»، جاء في وثيقة داخلية وصلت إلى صحيفة «هآرتس»، و»الأكثر خطورة من ذلك هو أنها سمحت بنشوء حالات كثيرة لم يتم فيها دفع الأجور للعمال». وحسب هذه الوثيقة فإن اجمالي مبلغ التعويضات الذي طلبه العمال الفلسطينيون ضد المقاولين بسبب عدم دفع أجورهم، يصل الآن إلى ستة مليارات شيكل. صحيح أن هذا المبلغ يعود للدعاوى وليس للقرارات، لكن من الواضح أنه يعبر عن مشكلة بنيوية.
الوثيقة الداخلية هي تلخيص لعمل طاقم مكون من عدة وزارات، تم تشكيله من اجل تطبيق قرار الحكومة من العام 2016 حول «تحسين القوانين الادارية وتغيير تخصيص العمال في قطاع البناء». ومن وراء الزاوية البيروقراطية يختبيء تغيير دراماتيكي حول طريقة تشغيل العمال الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يتوقع أن يصل عددهم في نهاية العام 2017 إلى 87 ألف عامل، وهو ثلاثة اضعاف العدد في 2011. مصادر التغيير ومبرراته تعتمد على خليط من الادعاءات الاقتصادية والثقافية: النجاعة الاقتصادية والحاجة المتزايدة إلى العمال في قطاع البناء من اجل مواجهة ازمة السكن، اضافة إلى الاعتراف بفشل الجهاز الذي يقوم بترتيب موضوع تشغيل العمال الفلسطينيين في إسرائيل، والذي يتبع نفس النمط منذ خمسين سنة.
مرتبطون بالمقاولين
حتى الآن يتم تحديد عدد العمال وتوزيعهم حسب سلطة السكان والهجرة، وحسب الحصص التي تقررها الحكومة. كل شهر تحدد سلطة السكان والهجرة كيف يجب توزيع الاعداد بين المقاولين الذين تتوفر لديهم الشروط وأخذ حجم البناء في الحسبان. وبعد تحديد عدد التصاريح يقدم المقاول طلبا لتشغيل العمال، مع ذكر التفاصيل الشخصية لكل عامل يريد تشغيله. وبعد الفحص الأمني والجنائي يتم منح تصريح العمل للعامل، مع ذكر مجال العمل واسم رب العمل. وحسب الاجراءات فإن من حق العامل أن يعمل فقط لدى رب العمل، لكن الوضع مختلف تماما عن ذلك.
الطريقة القائمة تجعل «العمال الفلسطينيون يعتمدون بشكل مطلق على المقاولين»، جاء في الوثيقة، «هذه الحصص جعلت المقاولين يحصلون على تصاريح تشغيل عمال حتى دون الحاجة اليهم، لأنهم خافوا من الغاء التصاريح وبالتالي فإنهم لن يحصلوا على العمال مستقبلا. الاعتماد المطلق للعمال على المقاولين وحاجة المقاولين إلى الاحتفاظ بالتصاريح، أوجدت ارض خصبة لعملية السمسرة في تصاريح العمل».
وهذا الامر يتم على النحو التالي: بعد أن يقول المقاول بأنه بحاجة إلى 20 عامل، على سبيل المثال، يحصل على التصاريح المطلوبة. وفي حالة انتهاء العمل بسرعة أكبر من المتوقع، أو بسبب حاجته إلى عدد أقل من العمال، يكون لديه عمال ليس بحاجة اليهم. وهذا مصدر دخل جيد، حيث يمكن اعطاء العمال لمقاول آخر (لم يطلب، أو أنه طلب ولم يحصل على التصاريح)، ويقوم المشغل الفعلي بدفع التكاليف للمشغل الرسمي، لكنه يأخذ التكاليف من العامل نفسه. ولا يكون أي خيار أمام الفلسطينيين سوى التعاون ـ ليس فقط من اجل الحصول على تصريح عمل جديد، بل ايضا على خلفية الوضع الاقتصادي الصعب في السلطة الفلسطينية. وحسب المعلومات التي جمعتها منظمة «خط للعامل» في السنوات الاخيرة فإن المبلغ الذي يتم أخذه من العامل يصل إلى 1500 ـ 2500 شيكل شهريا. ويتم تحديد هذا المبلغ بناء على عدد الوسطاء: كل طرف يأخذ عمولته. ومن يدفع الثمن هو الحلقة الاضعف.
تأخر التغيير
بناء على قرار الحكومة في 1 تموز/يوليو الحالي، من المفروض أن ينتقل موضوع تشغيل العمال إلى جهاز جديد. إلا أن هذا لم يحدث. ومن المنطقي أن يكون هذا تحت مسؤولية وزارة المالية ووزارة الدفاع والإدارة المدنية. وحسب بعض المصادر فإن وزارة الدفاع غير متحمسة للتغيير.
هناك مكان للتساؤل إذا كانت «السوق الحرة» للمشغلين الإسرائيليين والعمال الفلسطينيين ستوفر الآلية التي تقلل استغلال العمال كما يحدث منذ سنوات.
في وزارة المالية مقتنعون أن تحرر العمال سيجعلهم قادرين على التفاوض أكثر مع رب العمل وتوفر الخيارات الاخرى.
يمكن الجدل في هذا الأمر، مثلا قدرة اعضاء المجموعة الاجتماعية الضعيفة على الصراع من اجل حقوقها. كما تبين من تقرير ادارة الامان والتأمين الوطني الاخير، فإن نسبة الفلسطينيين الذين تم الاعتراف بهم كمصابين في حوادث عمل، أقل من النسبة في اوساط العمال. من هو ليس مواطنا إسرائيليا يجد صعوبة في الحصول على حقوقه. وبدون الرقابة وتطبيق القانون هناك خشية من أن يكون التغيير المأمول جزئيا.
في جمعية «خط للعامل» يقولون إنه يجب مباركة قرار الانتقال إلى نموذج جديد، وهذا «تغيير تاريخي سيمنح الحل للظواهر الخطيرة في عملية تشغيل الفلسطينيين مثل الاتجار بالتصاريح وأخذ رسوم الوساطة».
بالنسبة للتغيير في دفع الاجور، التي يتوقع أن تؤثر ايضا على عمل قسم الدفعات في سلطة السكان والهجرة، يقولون في الجمعية إن القسم «فشل بشكل خطير في لعب دوره في الدفاع ومنح الحقوق الاجتماعية للعمال الفلسطينيين. لذلك لا مناص من التغيير في طريقة الأداء، بحيث يصبح جهاز للرقابة وتطبيق القانون. وخطوة كهذه تحتاج ليس فقط إلى تطبيق القانون، بل ايضا إلى زيادة الصلاحيات، اضافة إلى تخصيص الموارد المطلوبة».
ويقولون ايضا في «خط للعامل» إن مئات ملايين الشواقل تجمعت في خزينة الدولة، وهي مخصصة لمنح العمال الفلسطينيين حقوقهم. إن استمرار الوضع القائم أو اجراء الاصلاحات دون التطرق إلى الاموال التي توجد لدى الدولة، سيضر بالعمال الاضعف.
وقد قالت سلطة السكان والهجرة في ردها: «إن قسم الدفعات يعمل منذ سنوات كثيرة للتأكد من أن العمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل يحصلون على تصاريح العمل وعلى الأجور وباقي الحقوق حسب القانون. ورغم ذلك، نشاط القسم ليس البديل عن مسؤولية المشغلين الذين يجب عليهم الالتزام بجميع الاتفاقات أو الاوامر الاخرى لقوانين العمل. قسم الدفعات يهتم بالعمال الفلسطينيين اكثر من أي قطاع آخر من السكان في إسرائيل ـ إسرائيليين واجانب».
وجاء من الادارة المدنية أن الادارة هي التي «وضعت نموذج التشغيل الجديد، وهي تقوم بالعمل على تطبيقه في اطار طاقم متعدد الوزارات. مع انتهاء العمل سيتم البدء في التطبيق». ومن وزارة الدفاع لم يأت أي رد.
هآرتس 21/7/2017