الحدود اليمنية السعودية تلتهب اقتصاديا وتتأرجح سياسيا والمواطنون دائما ضحايا خلاف الجانبين

حجم الخط
0

الحدود اليمنية السعودية تلتهب اقتصاديا وتتأرجح سياسيا والمواطنون دائما ضحايا خلاف الجانبين

تسلل يومي بالمئات بين الجانبين ونصف ساعة علي القدمين تكفي لاجتياز الشريط الحدوديالحدود اليمنية السعودية تلتهب اقتصاديا وتتأرجح سياسيا والمواطنون دائما ضحايا خلاف الجانبينحَرَض ـ اليمن ـ القدس العربي ـ من خالد الحمادي:يعطي العديد من الوقائع مؤشرات واضحة بأن المواطنين اليمنيين القاطنين علي الحدود مع السعودية ضاعوا بين الوعود السياسية وبين تردي الأوضاع الاقتصادية، فلا خيرات الترسيم الحدودي بين اليمن والسعودية بموجب معاهدة جدة الحدودية الموقعة بين الجانبين في حزيران (يونيو) 2000 وصلت الي المواطنين اليمنيين العاديين ولا الوعود السياسية تحققت في ظل علاقات دبلوماسية بين صنعاء والرياض تتأرجح دوما بين الصعود والهبوط وفقا لطبيعة الأجواء السياسية.كل الأحلام اليمنية التي كانت مرهونة علي توقيع المعاهدة الحدودية مع السعودية تلاشت، وظل الوضع الاقتصادي علي ما هو عليه، يتردي ويزداد تراجعا علي الدوام، وهو ما ألقي بظلاله الاقتصادية القاتمة علي المواطن اليمني وخلق معادلة مختلّة بين ضفتي الشريط الحدودي بين الجانبين السعودي واليمني. حيث أصبح الشريط الحدودي بين اليمن والسعودية أشبه ما يكون بالجدار الحديدي (المهترئ)، ولكنه علي حد تعبير اليمنيين جدار (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)، حيث التفاوت الكبير في الوضع الاقتصادي بين طرفي الشريط الحدودي، فقر مدقع في الجانب اليمني وثراء فاحش في الجانب السعودي.الجانب اليمني من الشريط الحدودي وبالذات القريب من منفذ حرَض الشهير تغلب عليه الحياة البدائية والبسيطة، ويهيمن علي أراضيه الجفاف الشديد وتنعدم الزراعة في نطاقه، فالرعي موسمي ولا يستطيع الاستمرار والصمود بسبب الجفاف، والمنازل بسيطة جدا وفي الأغلب أكواخ متواضعة من القش أشبه بخيام اللاجئين، والأرض قاحلة وصحراوية وحرارة الجو ملتهبة علي الدوام، وفرص العمل منعدمة. كل هذه العوامل أو بعضها دفعت بالمئات من اليمنيين رجالا وأطفالا ونساء وبالذات سكان المناطق المحيطة بالشريط الحدودي الساحلي نحو التسلل يوميا الي الضفة الأخري من الخط الحدودي وهي ضفة الجانب السعودي، الذي لا تفصله عن نظيره اليمني سوي الخط الوهمي للحدود المصطنعة بفعل السياسة، وتحمل كل أعباء وتبعات ذلك من مخاطر ومن مغامرات، ليس فقط في أوساط الكبار ولكن أيضا في أوساط الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بعد.حميد، بائع للقات ومتعوّد علي التسلل ليلا الي الأراضي السعودية بشكل مستمر لبيع القات هناك عبر طرف سعودي يتعامل معه، بسعر أعلي بكثير من سعره داخل الأسواق اليمنية، قال أنا أقوم بمغامرة بسيطة غير أنها تعطيني عائدا ماديا كبيرا، وبالتالي أصبحت مدمنا علي التسلل ليلا الي السعودية وتهريب ما أستطيعه من القات لبيعه هناك، حيث أصبحت هذه العملية وسيلتي الوحيدة للدخل المادي. سعيد، رجل بسيط ومن أسرة مهمّشة يعيش بالقرب من منفذ حرض قال انه عندما تنفد نقوده يخترق الشريط الحدودي ويعمل لعدة أيام أو أسابيع داخل الأراضي السعودية ثم يعود الي أهله وأولاده بنقود كثيرة تكفيه لفترة طويلة، وأصبحت هذه الوسيلة المصدر الوحيد لدخله. منير، طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، بدت علي ملامحه علامات البؤس والغضب، نظرا لأنه نجح في عملية التسلل الي السعودية برفقة بعض المتسللين الرجال غير أنه وبعد عمل شاق لأكثر من شهر هناك قبضت عليه الأجهزة الأمنية السعودية قبل أن يقبض أي شيء من مستحقاته المالية، ويعتقد أن رب العمل ربما يكون أوشي به عند رجال الأمن ليتهرب من دفع المبلغ المستحق عليه.عاتكة (اسم مستعار)، امرأة في منتصف العقد الرابع من العمر ومن أسرة مهمّشة، تسللت مرتين الي السعودية وأكدت لـ القدس العربي أنها تعرضت لمحاولات تحرش جنسي كثيرة ولثلاث عمليات اغتصاب داخل السعودية، مشيرة الي أن الظروف الاقتصادية الصعبة لأسرتها أجبرتها علي هذه المغامرات التي لم تجد بديلا لها للحصول علي لقمة العيش. محمد، طفل في الثالثة عشرة من عمره، قال ان الأجهزة الأمنية السعودية رحّلته ثلاث مرات، حيث يتسلل الي الأراضي السعودية ويعمل لعدة شهور أو أسابيع فيها حتي يتم اكتشافه أمنيا، ولكنه يصر علي العودة اليها، لأنه لا مصدر آخر له ولأسرته، الذين يقتاتون علي ما يستطع الحصول عليه من هذه المغامرات الشاقة.تسلل الأطفال الي السعودية ليس شرطا بسبب وضع اسرهم الاقتصادي الصعب ولكنه أصبح أيضا وسيلة لهروب الأطفال من أسرهم عبر هذه المغامرات التي استهوت الكثير منهم، ووجدوا فيها الملاذ الشيّق للهروب ربما من المشاكل العائلية.وذكر نائب مدير مركز حماية الأطفال في حرض علي الرديني ان ظاهرة تسلل اليمنيين الي الأراضي السعودية سواء كانوا كبارا أم أطفالا ظاهرة منتشرة بشكل كبير وبشكل يومي مستمر، وكذلك عملية ترحيلهم من الأراضي السعودية الي اليمن تتم بشكل يومي وبنفس الاستمرارية. وأوضح أن عملية تسلل المواطنين اليمنيين الي الأراضي السعودية تتم في الصباح أو في المساء من كل يوم، وأن عدد المتسللين اليمنيين يفوق أحيانا 200 شخص في اليوم، نسبة الأطفال منهم تصل الي 10 في المئة، وهناك نسبة كبيرة من النساء أيضا.وأكد أن أسباب تسلل اليمنيين الي الأراضي السعودية تعود الي الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اليمن، حيث تضطرهم الي التسلل للسعودية لكسب لقمة العيش، وأن المتسللين اليمنيين يقومون بالعديد من الوسائل للحصول علي لقمة العيش ومنها عملية الرعي أو العمل في المزارع أو في التجارة أو في تهريب القات أو تهريب الدقيق والحصول علي عائد مجز جرّاء ذلك. وذكر الرديني أن السلطات السعودية تقوم بطردهم وترحيلهم الي بلادهم فور العثور عليهم في أي مكان من أراضيها، حيث يتم أحيانا طرد وترحيل بعض المتسللين أثناء عملية تسللهم قبل ان يشتغلوا بأي عمل وقبل أن يصلوا الي أهدافهم. وأوضح أن العديد من اليمنيين المتسللين يواجهون بعض التعسف في السعودية، حيث يظل بعضهم يعمل هناك لشهور في المزارع السعودية أو في الرعي هناك ويتم القبض عليهم وترحيلهم قبل أن يقبضوا أجورهم من أرباب العمل.مشيرا الي أن عملية التسلل عفوية وغير منظمة وليس هناك شبكات متخصصة بعملية التهريب للبشر بين ضفتي الشريط الحدودي، لسبب بسيط وهو أن المسافة قصيرة والطريق معروفة ولا تحتاج الي دفع مبالغ كبيرة للمهربين للقيام بذلك، حيث يستطيع المتسللون الوصول الي الأراضي السعودية خلال نصف ساعة من الزمن فقط، غير أنه في الغالب تتم عملية التسلل بشكل جماعي، نظرا لأن المسافة الفاصلة بين الجانبين لا تتجاوز مسافة كيلو متر واحد.وفيما تبدو ظاهرة التسلل بالنسبة للكبار أكبر من طاقة الأجهزة الأمنية التي تحاول السيطرة عليها، تبدو ظاهرة تسلل الأطفال أنها تتم بمعونة الكبار سواء من أقاربهم أو معارفهم أو من قبل مهربين متخصصين وهي ما اصطلح علي تسميتها بظاهرة (تهريب الأطفال)، غير أن الأجهزة الأمنية في المنفذ الحدودي بمنطقة حرض (325 كيلو متر شمال صنعاء) تصرّ علي عدم تسميتها بظاهرة (تهريب) وانما عملية (تسلل) غير منظمة وليست بواسطة عصابات منظمة للتهريب. الأجهزة الأمنية ورجالها الكثيرون المرابطون علي المنفذ الحدودي في حرض، لا تلقي بالا لعملية تسلل أو تهريب الأطفال ولا تعطي ذلك اهتماما كبيرا مقارنة بتسلل الكبار، ربما لشعورها بعدم وجود خطورة من قبلهم، بينما تؤكد العديد من التقارير أن الأطفال اليمنيين المتسللين يتعرضون للكثير من المخاطر خلال فترة تسللهم للأراضي السعودية سواء من قبل الأشخاص الذين يتسللون معهم أو أثناء وصولهم الي السعودية، نظرا لحداثة سنهم، بالاضافة الي الاستغلال السييء بشتي أنواعه مثل الاستغلال الاقتصادي أو الاستغلال الجنسي وكذا العديد من المخاطر التي تواجههم جرّاء الملاحقات والمطاردات الأمنية داخل الأراضي السعودية.الحكومة اليمنية وتحت ضغط وسائل الاعلام عن هذه الظاهرة اضطرت الي اعطاء هذه القضية بعضا من اهتمامها خاصة وأن المنظمات الأهلية والدولية المعنية برعاية الأطفال حذّرت من مغبة تعريض الأطفال اليمنيين للمخاطر، وبالتالي قامت بالكثير من الجهود خلال الفترة الماضية لاحتواء ظاهرة تهريب الأطفال والتقليل من مخاطرها عليهم، عبر شتي الوسائل ومنها مراقبة تحركاتهم بالقرب من المنفذ الحدودي بحرض وكذا فتح دار لاستقبال الأطفال المطرودين من السعودية هناك، أطلق عليه مركز حماية الأطفال.هذا المركز الذي يستوعب ايواء نحو 60 طفلا دفعة واحدة، يتراوح عدد الواصلين اليه يوميا بين 10 الي 30 طفلا، ثم يتم تسليمهم لأولياء أمورهم بعد توقيعهم تعهد خطي بعدم السماح لهم بتكرار عملية التسلل للسعودية مرة أخري.عملية تسلل اليمنيين للأراضي السعودية ليست صعبة ولا تحتاج الي خبراء في ذلك، ومع ذلك يمكن لبعض الراغبين الجدد في التسلل دفع الف ريال فقط (5 دولارات) ليرافقوا شخصا متمرسا علي اجتياز الشريط الحدودي، أو دفع مبلغ أكبر من ذلك لايصالهم الي عمق المدن السعودية كمدينة جدة وغيرها بسلام. الاجراءات الأمنية صارمة للحد من ظاهرة التسلل، غير أن عملية اغلاق الشريط الحدودي بالكامل صعبة جدا، بين اليمن يبدو صعبا جدا نظرا لاتساع نطاقه وامتداده لنحو 2400 كيلو متر وفقا للمسؤول الأمني لمركز حماية الأطفال ابراهيم زيدان.وأضاف زيدان أن علمية التسلل الي السعودية تزداد في أوقات المواسم الدينية كمواسم العمرة وشهر رمضان وفترة الحج، فيما تنخفض كثيرا في الأوقات الأخري.موضحا أن عملية التسلل غير الشرعي سهلة وبسيطة ولا تحتاج لجواز سفر أو تأشيرة دخول ولا لوسيلة مواصلات، ويمكن لأي شخص القيام بها نظرا لأن المسافة بين جانبي الشريط الحدودي لا تتجاوز كيلو متر واحد يتم قطعها مشيا علي الأقدام.ونفي أن تكون عملية التسلل منظمة أو عبر شبكات منظمة للتهريب وقال انها عملية غير منظمة علي الاطلاق، فهي حالات فردية أو جماعية ولكنها تتم بشكل عشوائي غير منظّم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية