الحرب ضد تنظيم «الدولة» في الموصل التي ابتدأت في17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي حظيت بتغطية صحافية كبيرة تتناسب مع أهميتها وخطورتها ساهمت فيها وسائل وقنوات إعلامية عراقية وعربية وأجنبية عبر مشاركة عدد كبير من المراسلين كانوا يتابعونها لحظة بلحظة، رافقوا فيها القطعات العسكرية العراقية منذ انطلاق المعركة في الجانب الشرقي من المدينة.
والمتابع لمجريات هذه التغطية يمكن له أن يخرج بجملة ملاحظات مهمة تتعلق بمستوى المهنية والاحترافية في صياغة التقارير المصوّرة التي ميَّزَت عمل المراسل الأجنبي عن بقية زملائه من العراقيين والعرب على حد سواء، والنتيجة تحسب بكل الأحوال لصالح المراسل الأجنبي، وتشير إلى بون شاسع بينهما في مستوى الأداء وأسلوب التغطية وعمق التناول، رغم ما فرضته قيادة الجيش العراقي من تعليمات صارمة بموجبها منعت وسائل الإعلام كافة من الوصول إلى العديد من الأحياء والمناطق السكنية، التي سبق لها أن حررتها نظرا لحجم الدمار الذي لحق بها والخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين نتيجة القصف الشديد المتبادل بين الطرفين المتحاربين، خاصة من ناحية القوات العراقية، وتحديدا قوات الشرطة الاتحادية التي لم تتوان عن استخدام المدفعية الثقيلة والصواريخ الغبية غير الموجهةــ إضافة إلى سلاح الطيران الذي استعمل بكثافة عالية من قبل قوات التحالف الدولي، وكذلك الطيران العراقي، بما لا يتفق مطلقا مع طبيعة هذه المعركة التي تجري داخل أحياء سكنية ذات كثافة سكانية عالية، تقتضي تحييد مثل هذه الأسلحة والاكتفاء بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي تفرضها حرب الشوارع والمدن.
زاوية الرؤية
إن عمل المراسل المحلي والعربي في تعامله مع الوقائع، يبدو كما لو أنه ينقل لنا ما نشترك جميعا في رؤيته، وكأننا نجلس في قاعة عرض مسرحي نتابع معا ما يتم عرضه علينا ضمن إطار خشبة المسرح، ولا خيار أمامنا في تغيير زاوية الرؤية أو حجم اللقطة. بينما عمل المراسل الأجنبي مقارنة بذلك يبدو كما لو أنه يقترب من طبيعة الفن السينمائي، حيث ينقل لنا ما لم نتمكن من رؤيته من الحدث، لأنه حريص على أن يتنقل ما بين هذه الزاوية وتلك مع حرص دائم على تغيير حجم اللقطات، وهذا يعود إلى أنه ينظر للحدث من زاوية فنية ذاتية، إضافة إلى قيمته الواقعية، بمعنى لا تقتصر رؤية المراسل على لقطة عامة ( long) كما اعتاد المراسل المحلي أن ينظر إلى الحدث من خلالها.
إن أهمية الأسلوب وزاوية النظر في صياغة مسار التقرير وبنية خطابه تنعكس بالتالي على الشكل الفني الذي ينبغي أن يكون بالتالي مشوَّقا ومثيرا للاهتمام، رغم أهمية احتفاظه بالقيمة الوثائقية.
ذاتية الأسلوب
مقتضيات العمل الإعلامي في المؤسسات الصحافية العالمية تفرض على المراسل الذي يعمل باسمها أن يكون عمله على درجة عالية من الاحتراف والمهنية والتميز، وفي مقدمة ذلك أن يحمل بصمته الذاتية في رؤيته للحدث في سياق فني أشبه ما يكون بلقطة (Close) حسبما هو متداول في المصطلحات السينمائية، عند تقسيم أحجام اللقطات، وهذا ما عكسه عدد من التقارير التي أنتجتها قنوات أجنبية استطاع فيها معدّوها أن ينقلوا لنا عوالم غريبة في هذه الحرب الدموية التي أصبح فيها المدنيون ساحة يتقاتل فوقها الطرفان، وكان عدد من تلك التقارير لها وقع صادم ومؤلم، إضافة إلى كونها مدهشة من الناحية الفنية (تصويرا، مونتاجا وتعليقا) وللأسف لم نجد ما يوازيها من حيث الصياغة الفنية والتأثير في معظم التقارير التي أعدها المراسلون العراقيون والعرب على حد سواء، ولكن هذا أكثر شراسة ورعبا وهلعا، وأبرز ما يظهر من خلالها تلك المشاعر الإنسانية التي رصدتها عدسة الكاميرا من خوف وقلق وفرح داخل مشهد الحرب بكل فوضويته، سواء لدى المقاتلين العراقيين أو المدنيين العُزّل.
بروز هذا الجانب الإنساني في السياق العام لتقرير المراسل الأجنبي يعني إيجاد صلة حميمية مع المتلقي، عبر إيصال هذه المشاعر إليه، وهذا ما يجعله متسمَّرا في مكانه وغير قادر على أن يحيد بنظره عما يشاهده، ولا غرابة بعد ذلك أن تتغير قناعته حول عدد من التفاصيل التي تتعلق بهذه الحرب ما أن ينتهي من مشاهدة التقرير وهنا تكمن القيمة الفنية للتقرير عندما يساهم في خلق مناخ عام بعيدا عن سلطة المناخ الإعلامي الذي تسعى القنوات الرسمية أن تعممه في محاولة منها للتغطية على الأخطاء والانتهاكات التي تقع على المدنيين من قبل القوات الحكومية.
في مقابل ذلك نجد عمل المراسل المحلي متشابها مع عمل زملائه في المجمل العام وليس هناك من علامات تميزه في إطار التناول الفني أو المحتوى، وهذا يعود إلى غياب الرؤية الذاتية التي ينظر من خلالها إلى الحدث، بالتالي سنجد أنفسنا أمام تقرير يضاف إلى ركام التقارير التي تستنسخ بعضها في صيغة التناول والأسلوب، وهي في مجملها أشبه ما تكون بلقطة عامة خالية من التفاصيل وتلتقي في المحصلة النهائية مع الخطاب الرسمي بكل ما يحمله من عمليات تجميل وترقيع للحقائق. ولهذا نستطيع القول بأننا قد اطلعنا من خلال تقارير المراسلين الأجانب على قسوة الحرب ووحشيتها على المدنيين المحاصرين، وعلى حجم الدمار الهائل في مدينة الموصل القديمة، التي مُحيت تماما عن الوجود مع أن تاريخها يعود إلى مئات السنين. ويبدو أن القوات العراقية أعادت استنساخ أسلوب قصف المدن نفسه، الذي اتبعه النظام في سوريا خلال أعوام الحرب الستة التي خاضها وما يزال ضد الفصائل المسلحة التي تعارضه.
حجم اللقطة
إن الفرق بين اللقطتين (Close ) و( long) أنَّ الأولى تضعنا أمام تفاصيل صغيرة لنرى ما ليس باستطاعة العين ان تراه في لقطة بحجم ( long) من مشاعر وأحاسيس، وهذا ما يمنح التقرير بعده الإنساني المؤثر، وسط فوضى الأشياء المتناثرة هنا وهناك، بفعل القذائف التي تساقطت على الأبنية المتهالكة التي تُطل على نهر دجلة في حي الميدان والشَّهوان والقليعات، والتي كانت تعد من أبرز معالم المدينة المعمارية منذ عشرات السنين.
هنا يكمن الجانب الإبداعي للعمل الإعلامي، بينما اعتماد اللقطة العامة (long) باعتبارها وحدة فنية أساسية في بناء التقرير، سيقدم لنا بالتالي صورة سطحية عن الحدث من غير أن تلامس عمقه، بذلك تغيب عن المتلقي تفاصيل صغيرة تكمن في ملامحها دلالات تعكس حقيقة ما جرى ويجري خلف واجهة الحدث.
هذا البون الشاسع بين أسلوب الاثنين في تعاملهما وتفاعلهما مع الواقع يعود إلى طبيعة المنظومة الفكرية التي تحدد إطار عمل القنوات والوكالات الإخبارية، إذ يلاحظ أن القنوات المحلية والعربية، سواء الخاصة منها أو العامة تكاد أن تخضع غالبيتها لإطار سياسي عام يحدده النظام السياسي القائم، وليس من السهولة بمكان أن تخرج عنه تقارير مراسليها بالشكل الذي تتقاطع معه، لأنها بذلك ستضع نفسها في حالة مواجهة مع خطاب السلطة بما يفتقده هذا الخطاب من شفافية وموضوعية في تناول الحدث.
السّياق المهني
إزاء هذا الواقع الإعلامي كان لابد أن يضيق هامش الحرية الذي يتحرك فيه مراسلو القنوات المحلية، بما ينعكس سلبا على مصداقية تقاريرهم ومستواها الفني، ولنا في الأزمة الأخيرة التي حصلت بين قطر وبقية دول الخليج العربي، مثال على ذلك، حيث انقسم الخطاب الإعلامي بشكل حاد وواضح بين كافة القنوات الإعلامية العاملة بين ليلة وضحاها وفقا لهذه الأزمة وتداعياتها، وبذلك تحددت ملامحه بناء على تبعية الموقف السياسي لإدارة القناة لهذا الطرف أو ذاك.
في الجانب الآخر نجد الصورة مختلفة إلى حد كبير عندما نذهب باتجاه القنوات والوكالات الأجنبية، حيث لا تخضع إلى حد كبير في منظومة عملها للاستراتيجية الإعلامية التي يرسمها ويفرضها النظام السياسي الحاكم، إنما يحدد ذلك ما تضعه إدارة القناة من ثوابت وقيم، وفي مجملها لن تخرج عن السياق المهني الاحترافي، ولن يكون للنظام السياسي فيها من تأثير ملموس على ضوابط عملها. ما زالت ماكنة القنوات الإعلامية العراقية، ومعها القنوات العربية تدور وفق وصايا وتعليمات من يحكم سلطة البلاد وإنْ بشكل غير مباشر، بالتالي لم يصل العمل الإعلامي ــ المحلي والعربي ــ إلى مرحلة يبدو فيها موضوعيا ومهنيا في تعامله مع الحدث، وقد انعكس ذلك على المحتوى والشكل في صياغة تقارير المراسلين، لذا سيكون من المنطقي أن تلامس سطح الحدث ولا تتوغل بين تفاصيله المطمورة خلف ركام الأشياء، خشية الاصطدام بالخطوط الحمر التي وضعتها السلطة السياسية.
مروان ياسين الدليمي