قيم الهوية كصيغة للحياة ورؤية للكون

حجم الخط
0

 

القاهرة ـ «القدس العربي»: محمد عبد الرحيم : «وقف قائد البحرية المصرية، وهو بيبُص من النضارة المعظمة، وشاف أسطول أجنبي، فمسِك الميكريفون وقال: مين هناك؟ فجاءه الرد: إحنا الأسطول السادس الأمريكي في عرض البحر الأبيض المتوسط، إنتم مين؟ فرّد قائد البحرية المصرية: إحنا الأسطول المصري في عرض النبي». (نُكتة قيلت بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967).
هل يمثل التاريخ المصري بامتداده ثقلاً في حياة المصريين؟ وهل تواتر الحوادث المؤثرة على هذا الشعب غيّرت من سلوكياته ورؤيته للكون والحياة؟ فرعوني قبطي أو مسلم، هناك حياة طويلة تحمل منظومة من القيم تتنفسها الروح المصرية، رغم كل ما يبدو على السطح أو طال البعض بالفعل من تشويه لهذه الشخصية. في كتاب «إبداع الأميين المصريين» لمؤلفه طلعت رضوان، والصادر مؤخراً عن هيئة قصور الثقافة، يحاول المؤلف الاقتراب أكثر من هذه الروح، بعيداً عن الصوت الرسمي، صوت الدولة المتمثل في وسائل الإعلام من فضائيات وصحافة، وبالأخص صوت المثقفين أو مدعي الثقافة، الذين يرون بتجهيل الأغلبية، ويسخرون من مقولاتهم وأفعالهم واعتقاداتهم، عاقدين الصلة بين مدى الوعي ودرجة التعليم، فيرونها درباً من دروب الجهل، خالطين ــ عن جهل ــ بين الأمية الكتابية لأغلبية الشعب المصري، وصفة الجهل، التي تنطبق أكثر على القائلين بها. ومن خلال موضوعات الكتاب المتشعبة، رغم صغره ــ 160 صفحة ــ نرى كيف يرى المصريون الحياة، وكيفية ابتكار فلسفة خاصة بالشخصية المصرية تمجد هذه الحياة وقيمها العليا، والتي من أهمها التسامح وقبول الآخر، سواء تغيرت لغته أو تحوّل دينياً بإرادته أو ضد هواه.

الموالد الشعبية والروح المصري

تكاد لا تخلو مدينة أو قرية مصرية من وجود ضريح أو أكثر لولي من أولياء الله الصالحين، ويبدو مدى الاحتفاء بذكرى هذا الولي أو ذاك في المظاهر التي تسود الاحتفال، لا يهم إن كان الولي في أقصى الجنوب أو الشمال، فميعاده يحفظونه في صدورهم. لا يقتصر الأمر على أولياء مسلمين ــ نظراً لأغلبية الشعب المصري ــ لكنه في حال المولد، لا فارق بين ولي مسلم وآخر قبطي، ولا فارق بين رواد الأضرحة والمقامات. هنا يُسقط المصري فارق الديانة، التي لم يعد لها أي محل خلال هذا الطقس، في حالة من الإيمان بالتعدد. الطقس الذي بدوره يمتد إلى حضارته القديمة/وجوده، فلا فارق ما بين آمون وإبي الحجاج، فالآلهة القديمة تحولت في سياق الأديان الإبراهيمية إلى أولياء الله الصالحين. فرغم المظهر الديني لظاهرة الموالد، إلا أنها تعبر عن هذا الروح الممتد، فالمسجد الذي يضم ضريح (أبو الحجاج) في مدينة الأقصر، نجده يقوم على جزء من معبد الإله (أمون)، وكما كان الإله يخرج في احتفال مهيب من معبده مرّة كل عام في سفينته المقدسة، فيطوف أرجاء المدينة التي يتولاها بحمايته، فإن إبي الحجاج يخرج أيضاً مرّة كل عام. ويبدو أن ظاهرة الموالد التي وحدت الشعب المصري على اختلافه، وحدت أيضاً طرفي النقيض في رفضها، وهي وجهة نظر السلفيين والماركسيين، السلفي الذي يقدس النص على حساب الحراك والوعي الاجتماعي الخاص بكل شعب من الشعوب، والماركسي الذي يرى الأمر لا يتعدى الخرافة والجهل والاعتقاد في الغيبيات، دون أن يفرّق بين الخرافة والأسطورة الروحية والطقسية لشعب من الشعوب.

التدين الشعبي وإبداعاته

التدين الشعبي هو الدين كما يفهمه البشر ويستوعبونه، وليس الدين كرسالة سماوية، فكان لابد من ممارسة شيء من التحايل على بعض القواعد، التي لم تجد هوى بين الناس. كحال الميراث مثلاً، وأن للذكر مثل حظ الأنثيين، هنا يقوم الأب ببيع العقارات وما شابه إلى بناته أثناء حياته، أو أن يشتري ذهباً بالنقود يصبح ملكهن. وأكثر مَن يفعلون ذلك هم كبار المُلاك والتجار. أما أصحاب تطبيق النص الديني فاستندوا إلى الآية التي تقول «ولا تؤتوا السفهاء من أموالكم التي جعل الله لكم قياما»، وبالسؤال، هل النساء سفهاء؟ أجاب البعض: أليست النساء ناقصات عقل ودين. أما عمال الزراعة فأجابوا بأنه «ليس لديهم ما يخالفون الشرع من أجله».
ويبدو أن الإسلام في مصر غيره في إسلام الصحراء، وقد رقّ واكتسب سمات من الفن، ذلك في أصوات المؤذنين ــ نتحدث عن الماضي، فالآن ينتمي أكثر المؤذنين لأنكر الأصوات ــ كما أن التسامح مع المختلف هو السمة التي طبعها المصري على دينه الجديد. من ناحية أخرى تبدو بعض مظاهر التفاعل الشعبي مع العبادات الإسلامية، فالطواف حول مقام الشاذلي أو عبد الرحيم القناوي يغني عن رحلة الحج، ذلك على سبيل المثال. وهناك العديد من التفاصيل والممارسات اليومية التي لا تحصى، منها، إرسال الرسائل إلى الأولياء، وهي عادة فرعونية، فلا يوجد ضريح إلا وفيه العديد من الرسائل التي تبثه الشكوى، ربما يسمع صوتهم، أساليب وطقوس الدفن والميلاد، والاحتفال بمناسبات الأسبوع والأربعين وما شابه من هذه التفاصيل التي تخص الميلاد والموت، عدم التفرقة ما بين قديس قبطي وولي مسلم، فالكل يستوجب زيارته، والبعض يختص بقضاء الحوائج، والأهم أن الأغلبية تعتقد في تحققها. كل هذه المظاهر تخالف النص الديني، لكنها لم تختف ولم تتعطل نتيجة النص، أو نتيجة هجمات متتالية ممن يتحدثون بلسان النص ولغته، وما يبدو من بعيد أنه من قبيل التخاريف والوعي الغائب، يصمد وينجح في الكثير من الأحيان في صد أي خلل يصيب المجتمع المصري، وربما الروح الشعبي هو الوحيد القادر على تجاوز الأزمات في هدوء وثقة أكثر مما نظن.

السخرية كسلاح مصري عريق

المصري بطبعه لا يميل إلى العنف، وبالتالي في أكثر مواقفه لا يجد سوى السخرية من الأحداث وأصحابها، ولعلها إحدى مميزاته التي لم يستطع التخلي عنها حتى الآن. والأمر لا يقتصر على الأزمنة الحديثة، بل كانت سمة قديمة قدم وجوده، حتى أنه تجرأ وسخر من الإله رع نفسه، فوصفه بأنه كبر في السن وبدأ يُخرف، حتى أن رع أمر بقتل مَن يسخرون منه، وهكذا تكتمل الأسطورة. ومن السخرية من الإله وصولاً إلى السخرية من الرئيس والزعيم السياسي، فيذكر أن جمال عبد الناصر كانت تستفزه النُكَت التي تنتقده وتنتقد نظامه، فانتشرت نُكتة تقول بإنه طلب من وزير داخليته القبض على مَن يؤلف النُكت ضده، ولو اعترف له مكافأة كبيرة، فتطوّع سجين محبوس في قضية نشل بالمهمة، وأخذه الوزير لمقابلة عبد الناصر، الذي قال له: أنا اللي رفعت روسكم للسما، وأنا اللي علمتكم الكرامة، وأنا اللي .. فقاطعه النشال: يا ريس أنا قُلت نُكت كتير، بس ما قُلتش ولا نُكتة من اللي حضرتك قُلتها.

طلعت رضوان: «إبداع الأميين المصريين»
الهيئة العامة لقصور الثقافة
(سلسلة حكاية مصر) القاهرة 2017
160 صفحة.

قيم الهوية كصيغة للحياة ورؤية للكون
طلعت رضوان في «إبداع الأميين المصريين»:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية