من تحصيل الحاصل إلى ضياع الموهبة الإبداعية: الأدب ودوره في المناهج التعليمية العربية

جدوى دراسة الأدب في مناهج مدارسنا العربية، هل يؤتي ثماره بالفعل؟ أم أنه مجرد ملء فراغ لإكمال برنامج «مؤسساتي» مؤدلج أحيانا؟ من خلال تصفح الكتب الدراسية ستجد كماً من النصوص الأدبية المختلفة لا علاقة لها بتهذيب الذائقة الإبداعية عند الطالب في المدرسة، ولا بأي إضافة ستصبح لدى مَن هو موهوب في الكتابة الأدبية، فما الجدوى وما الأسباب؟ هنا إجابات لبعض الأدباء العرب والمتخصصين في تدريس اللغة العربية في مدارس البلدان المختلفة، التي تعتمد العربية لغة ومنهاجا للتفكير.

تحفيز القدرات الإبداعية

بداية تؤكد الكاتبة والأكاديمية العراقية أشواق النعيمي، أن للأدب أهميته في المناهج التعليمية للطلبة في العراق، فدرجته مناصفة مع درجة النحو في اللغة العربية وذلك لأهميته في تنمية مهارات التعبير والإلقاء والخطابة والأسلوب الكتابي وحتى الشفهي، إضافة إلى تحفيز القدرة الإبداعية وصقلها والعمل على إثرائها من خلال النصوص الأدبية النثرية أو الشعرية، كذلك تنمية الخيال وإكساب الطالب ذخيرة لغوية وخلفية ثقافية تسهم في جعله شخصاً إيجابياً قادراً على التفاعل مع محيطه. يتفق في الكثير مع هذه الرؤية الكاتب والناقد السوري علوان زعيتر، فيرى ان الأدب في المناهج التعليمية يُشكّل مخزونا صوريا ولغويا لدى المبدع والطالب عموما، هذا المخزون الجمالي رافد للمبدع وأداة يستخدمها لحظة الخلق، على أن ﻻ يكون الأدب هو عنوان المنهج، بل أحد الروافد الهامة.

أسلوب التدريس ووعي المعلم

وترى سعاد الورفلي، المعلمة والقاصة الليبية أن طريقة التدريس لهذه المادة الأدبية هي التي تحدد الإجابة بنعم أو لا، لأن هناك الكثير من الطرق التي أسرفت في توصيل الفكرة أدبيا وقد باءت بالفشل. فما فائدة مادة الأدب إذا ابتلى الطالب بمعلم غير ذوّاق، يقدم النصوص الأدبية بطريقة جافة جامدة تعطل الخيال والانطلاق بالصورة البيانية نحو آفاق أرحب؟ إلا أن المادة الأدبية من حيث كونها تسهم في تكوين الحس والذوق، فهي بلا شك (نعم) فقد كان العرب قديما رغم شظف العيش وإقامتهم في صحراء ممتدة الأطراف وقسوة الحياة، أرق شعورا، والسبب في ذلك السليقة الأدبية والشعرية التي يتعاطون معها. فقد هذب الشعر الرجل العربي، حتى لنرى بعضهم ينساب دمعه كلما سمع قصيدة أو أبيات تُقرأ عليه، بل إن الملوك آنذاك كانوا يعفون عن الأسرى حينما يسمعون أحدهم يقول شعراً في بلاطهم، فترِقُّ قلوبُهم وتحن صدورهم ويصبحون بذلك صورة للملك الذي يعفو عن الأسير الذي تكلم في حضرته شعرا. هذا دور الأدب في زمن ما وعصر ما عند العرب والملوك، فما بالك والحالة هذه لدى الناشئة؟ فالتشريح البنيوي للقصيدة، واستنباط الصورة البيانية كلوحة رسام ينقش هنا وهناك ويستنطق الجامد ويضْفي بألوانه مسحة من البهاء والجمال والحيوية على لوحته، تماما كما يحدث مع المعلم الماهر في إيصال المشاعر النبيلة وتحريك العواطف الصادقة في نفس الطالب، فيتذوق الأدب وكأنه يلتذ بقطعة حلوى أو بمنظر خلاب، هنا يكمن السر في زرع قيمة الكلمة الأدبية والشاعرية والإيقاعية في نفوس الطلاب من خلال المعلم المدرك تماما للأدب والشعر والبيان .

تغييب الوعي

من ناحيته يرى الشاعر والتشكيلي الليبي علي الشويهدي أن المواضيع والنصوص التي تطرح في المناهج التعليمية تقتصر على العصور الأدبية القديمة، والكل يعرف أن دراسة النص الأدبي في تلك العصور لا يتعدى المنحى التاريخي للأدب، وبالتالي سيكون الطالب مغيبا تماما عن مفهوم الحداثة أو مفهوم الأدب الآني. دراسة الأدب من هذه الزاوية الضيقة جداً لن ينمي خيال الطالب وقدراته ولن يساهم في صقل أي موهبة.

القراءة وليس تدريس النصوص فقط

وترى التونسية ابتسام القشوري الناقدة والأستاذة في التعليم، أنه «في المراحل التي أدرسها في المناهج التونسية كل المواد يكون هدفها تنمية خيال التلميذ وتمكينه من إنتاج نص سليم لغويا ومنهجيا بهذا تمكن النصوص الأدبية بدرجة تصاعدية أن يكون التلميذ قادرا على معرفة أنماط الكتابة، ثم السرد ومقوماته، فالقدرة على الوصف، وصولاً للنصوص. ومع هذا المستوى يمكن أن ينتج نصوصه الخاصة. لكن هذه النصوص الأدبية وحدها لا تنمي الخيال وإنما تعطي الطالب أدوات لتفكيك النص، إذ وحدها المطالعة هي التي تنمي الخيال، ولهذا نحن مطالبين كأسرة تربوية بتطوير حصص المطالعة المبرمجة والتشجيع على المطالعة الحرة، إذ وحدها القراءة تنمي خيال الطالب». 

الاهتمام بالمعلم

وتقول الروائية العراقية صبيحة شبر، إن الطالب يدرس في البلاد العربية الكثير من الآداب في عصور الأدب المختلفة، منذ ما قبل الإسلام حيث المعلقات، وحتى عصرنا الحديث. وإن كان أستاذ اللغة العربية أديباً أو محبا للأدب، فإنه يغرس حب الأدب في نفوس طلابه، ويجعلهم محبين للقراءة، مطلعين على الآداب العربية أو الأجنبية، وإن وجد ميلا للكتابة الأدبية والتجويد في التعبير لدى أحد طلابه، فانه يقوم بتشجيع ذلك الطالب وحثه على الكتابة باستمرار، وتطوير 
أدواته الفنية وصقلها. وكثير من الأدباء وجدوا التشجيع من أساتذتهم في حب الآداب والإقبال عليها، واستطاعوا ان يكونوا أدباء كبارا، يقبل على قراءة كتبهم الملايين من القراء، لأنهم كانوا محظوظين في وجود من وقف بجانبهم يشد أزرهم، ويزيل عنهم صعوبات الطريق. أما الطلاب الذين لم يكن أساتذتهم من متذوقي الأدب ومحبيه، فان موهبتهم في نظم الشعر أو كتابة القصة والمقالة الأدبية سرعان ما تضمحل، لأن البذرة الجيدة لم تجد من يتعهدها بالرعاية، فيبست وجفت قبل ان تكبر وتمنح الناس ثمارها. فليس كل شخص يمكن ان يكون معلما فاعلا، يربي الطلاب ويعمل على تزويدهم بالعلوم والفنون التي تجعلهم مثقفين حريصين على الإنسان وسعادته. وقد عملت عوامل كثيرة على تخلف بلداننا ومن هذه العوامل عدم الاهتمام بالمعلم القادر على صنع أدباء وفنانين وعلما.
 
حين يغدو التعليم عبثا
 
وتقول الشاعرة والمعلمة الليبية حواء القمودي إن «ثمة أسئلة تفتح بابا للوجع، ونظراً لتجربتي التعليمية التي تمتد طويلا، لذا مررت بمختلف المراحل التعليمية، فهناك أصحاب الموهبة عاشقي الكلمة، هؤلاء يهتمون كثيرا بالنصوص الإبداعية التي تكون بالمنهج ويستمتعون بحصص اللغة العربية، وثمة أولئك الذين هم الأكثر عددا، والذين يرون مادة اللغة والأدب مجرد مواد للقراءة والامتحان. إن اختيار الأعمال الإبداعية لتكون في المناهج التعليمية مهمة كبيرة وتريد أشخاصا مؤهلين ويمتلكون تلك الذائقة التي تستطيع إثراء المناهج ــ حسب التخصصات ــ بما يجعل من حصص اللغة والأدب حصصا مشتهاة. ويأتي دور معلم المادة حين يكون شغوفا بمادته متذوقا للإبداع. لكن من خلال تتبعي لمناهجنا، واشتراكي في العملية التعليمية نفسها، فإن التعليم في ليبيا ابتلي بالكثير من الآفات، وهي آفات ابتلي بها المجتمع كله وتسربت إلى كل مناحيه، وكانت جلية في التعليم. وسأخبرك شيئا واجهني، حين كنت تلميذة في الصف الأول في معهد معلمات متوسط، وكانت نتيجة السنة الأولى مشرفة، أتت السنة الثانية التي سيتم توزيعنا فيها على التخصصات، وكنت أعشق اللغة والأدب ولهذا اخترت قسم اللغة العربية والتربية الإسلامية، ولكني فوجئت أن اسمي موجود بالقسم العلمي/ العلوم والرياضيات، وحين تقدمت للإدارة بشكواي قالوا «كيف نضع طالبة ممتازة في قسم اللغة العربية» وعرفت حينها أن الجيد والمقبول لقسم اللغة العربية، إذا كيف سيكون حال هذه المادة بمعلمين ومعلمات من الدرجة الثالثة إن صحت التسمية؟ ولا نغفل عما استشري في بلادنا من فساد إداري كان للتعليم منه نصيب كبير، لذا لن نجد إلا قليلا مَن يكون أهلا لوضع منهج تعليمي حقيقي للغة العربية وآدابها، فكما تمت الاستهانة بها في اختيار من يعلمها، تمت الاستهانة أيضا بوضع مناهجها».

مناهج الأموات

ونختتم برأي الكاتب والشاعر الليبي صلاح راشد الذي يرى أن «هذا الموضوع أشبه بالخربشة على جرح غائر، وقد صال وجال فيه النقاد والأكاديميون سنوات طوال، وخرجوا بنتائج مختلفة عربياً خصوصاً في دول الخليج، أما محلياً وبشكل خاص يوجد ضمور مطلق في المنهج الأدبي الليبي، فقد تربينا وتعلمنا على مناهج أدبية محدودة الأفق لا تخرج من دائرة العروبية والقومية ولا تخدم عقل الطفل الليبي أو العربي على حد سواء، حتى أن تقديمها وعرضها لا يخدم عقلية الآن الراهن، كونه منهجا حبيس وقته، بمعنى أوضح هو منهج يحكي قصصاً لعصور مضت، متناسين أن علاقة الربط بين الآداب والأوطان علاقة راسخة في التاريخ الإنساني، لذلك نلاحظ نجاح المنهج الأدبي في توظيفه بالمناهج التاريخية خصوصاً عند قراءتنا للسيرة النبوية أو الدولة العثمانية وعصور ما بعد الخلفاء الأربعة حيث توظف بشكل أدبي لكنها تظل مشاهد تاريخية ومنهج دراسة تاريخي. أما المنهج الأدبي الليبي فمفقود تماما من المناهج التعليمية، وإن وجد فهي مجرد مواضيع عابرة لا تعزز القيمة الأدبية للمنهج نفسه. فمن جانب نقدي نرى غياب 
المقدمات المهمة للمواضيع الأدبية، بالإضافة إلى ضعفها وقصورها الفني الذي تركز على خدمة المرحلة السياسية السابقة أو الراهنة. فإدارة المناهج تعتمد على خبرات أكاديمية لا تعرف الا الكتاب العلمي المنهجي، ولا تواكب العالم والإصدارات التي تنشر وتطبع بشكل يومي من الآداب والفنون، وأيضاً غياب الحركة النقدية أو ما يسمونه وظيفياً لجان التفتيش والرقابة على المناهج، والتي لا يقتصر أدائها وعملها سوى على أن المنهج يوافق سياسة الدولة ولا يزدري الأديان، أو يخدش الحياء».   

من تحصيل الحاصل إلى ضياع الموهبة الإبداعية: الأدب ودوره في المناهج التعليمية العربية

محمد القذافي مسعود 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية