البوابات الالكترونية: فرض السيادة عبر عسكرة الحرم الشريف

حجم الخط
2

تؤكد المواجهات يوم الجمعة في القدس على أن الحرم الشريف تحول منذ السنوات الأخيرة إلى النقطة الأسخن في صراع طويل على المدينة المقدسة. والبوابات الالكترونية هي آخر صورة في اللعبة التي تريد إسرائيل من خلالها فرض سيطرتها على الحرم الشريف وهي تعرف أنها تشعل نار حرب طويلة. وجاءت البوابات بعد أسبوع من التوتر الذي تبع عملية 14 تموز (يوليو) التي قتل فيها شرطيان إسرائيليان واستشهد فيها منفذوها الثلاثة. وكانت العملية المبرر وراء إغلاق المسجد الأقصى والإجراءات التي اتخذت من تقييد حركة المصلين من وإلى الحرم الشريف، ووضع ست بوابات الكترونية على مداخله بالإضافة للحواجز التي وضعتها الشرطة الإسرائيلية على الأحياء ومداخل القدس ومنع المصلين دون سن الخمسين من دخول الحرم للصلاة. وكان منع الصلاة والإجراءات التحريضية من حكومة بنيامين نتنياهو بمثابة إشعال للأحداث، فسياسة الحكومة المتطرفة تقوم على التعامل بقوة مع أي تصرف يقوم به الفلسطينيون و»تدويل» ما تراه عنف أفراد فلسطينيين يتصرفون ضد عنف دولة ممنهج يهدف لحرمانهم من حقهم بالحركة والعيش الكريم واليوم ممارسة شعائرهم.

التلاعب بالوضع القائم

ومن هنا فمحاولة إسرائيل خرق الوضع القائم في الأماكن المقدسة هو محاولة لتغيير الوضع القائم منذ عام 1967 الذي تشرف فيه المملكة الأردنية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. ورغم الموقف الأردني الشاجب للعنف وللإجراءات الإسرائيلية، إلا أنه لم يوضح موقفه رسميا مع أن وزير الخارجية أيمن الصفدي أخبر السفراء الأوروبيين بأهمية احترام إسرائيل للمقدسات الإسلامية في القدس وتجنب أي إجراءات تهدف «لخلق وقائع على الأرض وتخرق التزاماتها كقوة احتلال». وحاول الموقف الرسمي الأردني في تعامله مع الأزمة شجب العنف، أي العملية والتأكيد على حق العبادة وعدم التدخل بها كما بدا في دعوة العاهل الأردني، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فتح الأقصى الذي أغلق بعد عملية 14 تموز (يوليو). وعلى الصعيد الشعبي تظاهر الأردنيون تضامنا مع الشعب الفلسطيني، بشكل أدى لردود فعل غاضبة من اليمين الإسرائيلي. وبدا هذا في رد رئيس الكنيست يولي إدلستين الشديد على تصريحات رئيس البرلمان الأردني عاطف الطراونة الذي حمل حكومة إسرائيل مسؤولية العنف (المونيتور 20/7/2017). وعلى الجانب الفلسطيني دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأمم المتحدة للتدخل واتصل مع مسؤول ملف المحادثات في إدارة دونالد ترامب، جارد كوشنر محذرا من أن الوضع صعب وقد يخرج عن السيطرة، هذا قبل ان يجمد الإتصالات الأمنية مع الإسرائيليين بعد أحداث يوم الجمعة. وكما تقول صحيفة «لوس انجليس تايمز» (21/7/2017) فالمواجهات نابعة من مخاوف الفلسطينيين فرض إسرائيل سيادتها على الحرم الشريف بعد وضع البوابات الالكترونية. وقالت الصحيفة إن إسرائيل تجري محادثات سرية مع الأردن لحل الأزمة فيما أشارت الصحافة الإسرائيلية إلى خلافات داخل المؤسسة الأمنية حول البوابات الالكترونية حيث يدعم الأمن الداخلي (شين بيت) إزالتها وتريد الشرطة أن تظل قائمة، ودعم نتنياهو موقف الشرطة. وقالت الصحيفة إن قرار عباس الذي قطع زيارته إلى الصين لوقف التنسيق الأمني على كل المستويات قد يكون مؤقتا وجاء ردا على الأزمة الحالية. خاصة أن التنسيق الأمني هو الملمح الوحيد الناجح من عملية أوسلو. وتضيف الصحيفة أن المواجهات يوم الجمعة وإن لم تقد لأسوأ من ما كانت تتوقعه إسرائيل إلا أن سقوط عدد من القتلى والجرحى وتوسع مجال التظاهرات يعني استمرار العنف.

ليس متجرا

فمسألة البوابات الالكترونية تعني تقييد عدد المصلين في المسجد الأقصى، وكما قال إبراهيم عوض الله، نائب لجنة الأوقاف في القدس إن مسألة البوابات الالكترونية هي «إجراء جديد لمنع الناس من الصلاة وقدم كمبرر أمني». وقال حسبما نقلت عنه «واشنطن بوست» (20/7/2017) إن المسألة ليست سوبر ماركت أو ناد ليلي ولا مطار تقام أمامها بوابات الكترونية، فعدد المصلين ضخم وسيؤخرهم ويعرضهم للإهانة. وقال إن هناك مخاوف من تقسيم الأقصى وتخصيص جزء منه لليهود، وهي فكرة طرحها عدد من الوزراء وقادة اليمين المتطرف في إسرائيل سابقا. وبرر وزير الأمن العام الإسرائيلي غيلعاد إردان الإجراءات الأخيرة بأنها ضرورية لمنع «الذئاب المتوحدة» والتي تقوم بتقليد بعضها البعض وأن هناك الكثير من المساجد في العالم لديها بوابات الكترونية. وعلى العموم ظلت معركة القدس سواء محاولات التهويد المستمرة من عام 1967 والقيود المفروضة على سكانها العرب، وضم إسرائيل لها من جانب واحد وتكرار وصفها بـ «العاصمة الأبدية» لإسرائيل والحفريات حول الحرم الشريف واستمرار الاستفزازات من اليمين المتطرف واقتحامه للأقصى، فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن من لديهم السيادة على الأقصى لا إسرائيل ولا الأردن أو الأوقاف، بل هم أهل القدس الفلسطينيون. فبحسب نير حسون من «هآرتس» (21/7/2017) ففلسطينيو القدس الذين عادة «ما يعانون من الضعف والفقر وغياب القيادة وعسف الاحتلال المتمثل بهدم البيوت ومصادرة أراضيهم، إلا ان الأيام الأخيرة أثبتت أن فلسطينيي القدس قد حققوا أمرا غير مسبوق من خلال الرفض السلمي ومقاطعة البوابات الالكترونية بشكل حشروا فيه إسرائيل في الزاوية وبدأت هذه بالتفكير في إزالة البوابات الالكترونية. ورغم أن السلطات الإسرائيلية تواصل إجراءاتها الجديدة إلا أن إغلاق المسجد الأقصى يذكر كما يقول حسون بأيام الحروب الصليبية حيث أغلق الحرم وحول إلى اسطبل. ويقول حسون إن الدفاع عن الأقصى لا يعبر فقط عن حس وطني سياسي ولا لكونه رمزا دينيا، بل لأن ساحات الحرم الشريف هي المكان الوحيد في القدس التي يشعر فيها المقادسة وبالضرورة الفلسطينيين أنهم أحرار من الاحتلال «ففي معظم الأحيان لا وجود للإسرائيليين فيه وهي أكبر منطقة خضراء في القدس الشرقية، وهي مع ذلك منطقة حية ومزدحمة، وأي تهديد للترتيبات هناك ينظر إليه كتهديد حقيقي لهويتهم وحياتهم اليومية. وبحسب أحد مواطني حي سلوان «لا يقول الناس كيف حالك؟ ولا كيف أولادك؟ بل يسألون ماذا يجري في المسجد؟». ويشير حسون إلى أن مؤسسة الأوقاف أصدرت سلسلة من التصريحات المتضاربة، فالمسؤولون الإداريون طلبوا من السكان الدخول للأقصى حتى وإن اقتضى المرور عبر البوابات الالكترونية. إلا أن القيادة الدينية أمرت المصلين بمقاطعتها وبدا المسجد والحالة هذه شبه فارغ في وقت حاولت فيه الشرطة الإسرائيلية تصوير الأمر وكأن الفلسطينيين قبلوا البوابات الالكترونية. وأصدرت أشرطة فيديو لمصلين يتدفقون على المسجد ومن السهل التعرف على أن المارين عبر البوابات هم زوار من دول إسلامية للحرم الشريف. ويقول حسون إن احتمالات العنف هي الأكبر منذ عام 2000 عندما دخل أرييل شارون الحرم الشريف وشكل الشرارة التي أدت لاندلاع الانتفاضة الثانية. وأهم ما كشفت عنه الأزمة الحالية هو حجم الأخطاء التي ارتكبتها إسرائيل. وبحسب البروفسور إسحق ريتر من كلية أشكلون (عسقلان): «هناك أمثلة عديدة حاولت فيها إسرائيل فرض سيادتها ومن جانب واحد على جبل الهيكل وكلها انتهت بسيادة أقل مما كانت في السابق» و»هذا ما حدث مع شارون عام 2000 حيث تم إغلاق جبل الهيكل لليهود لمدة 3 سنوات». وهو ما حاولت عمله مع جسر المغاربة الذي يربط الحائط الغربي بالحرم الشريف أو عندما حاولت فتح بوابة إلى أنفاق الحائط. وعلى ما يبدو من اتخذ قرار نصب البوابات الحديدية لم يكن عارفا بهذا التاريخ أو يعتقد أنه مهم للقرار وهو ما يثير القلق في كل هذا.

لن يمنع هجمات

وأهم من كل هذا فبوابات الكترونية ليست ضامنا لأن تمنع هجمات جديدة. بل على العكس كما يقول ريتشارد سيلفرستون في مقال بموقع «ميدل إيست آي» في لندن فكلما زادت إسرائيل من استفزاز مشاعر المسلمين حول العالم من خلال انتهاك حرمة الحرم وفرض القيود على المصلين كلما دفعت بالغضب والذي أدى خلال الفترة الماضية لمقتل 50 إسرائيليا و350 فلسطينيا. وأشار إلى الحادث الأخير الذي يعتبر الأكثر جرأة وطريقة التعامل الإسرائيلي معه، فالشرطة وإن لاحقت المنفذين الثلاثة وقتلتهم، مع أن أشرطة فيديو تظهر قتل أحدهم أعزلا من سلاحه، وكان يمكن والحالة هذه القبض عليه، إلا أن سياسة «أطلق لتقتل» هي المعتمدة في المؤسسة الأمنية وتهدف لإعدام أي شخص أطلق النار أو كان محلا للتهديد الأمني بدون تحمل المسؤولية أو حتى البحث عن الظروف التي سمحت للثلاثة بتنفيذ عمليتهم. فالشين بيت والشرطة تلقيان باللوم على بعضهما البعض. ويقول إن لعبة التلاوم تقوم على منع الهجمات من خلال البوابات الالكترونية. وفرض هذه يعني إجبار كل فلسطيني المرور عبرها للصلاة في الأقصى وهذا يعني بالضرورة عسكرة واحد من أقدس الأماكن الدينية في العالم. ويعني نصب أعداد إن لم تكن مئات من البوابات الالكترونية على بواباته وخلق طوابير لا نهاية لها أمامه بمن فيهم الزوار الذين يغذون الاقتصاد المحلي. وأشار الكاتب إلى بعد مهم في عملية القدس، وهو أن المنفذين والجنديين اللذان قتلا فيها هما من الأقلية العربية داخل إسرائيل. فقد جاء الثلاثة من أم الفحم أما الجنديان فهما من الأقلية العربية الدرزية التي يخدم ابناؤها في الجيش الإسرائيلي منذ ولادة إسرائيل. وتتبع علاقة الأقلية مع إسرائيل الخطوط الاستعمارية القديمة وهي «فرق تسد» أي تقسيم الأقلية العربية الكبيرة الحجم. وبهذه العملية تدخل علاقة إسرائيل مع الأقلية العربية مرحلة من التوتر والتي بدت من خلال الإجراءات التعسفية التي قامت بها بعد الهجوم، بما فيها تهديد أصحاب المحلات والدكاكين بغرامات لو فتحوا محلاتهم وهي خطوة غير مسبوقة. وفي الوقت الذي بررت فيه إسرائيل الخطوات بأنها محاولة لمنع التظاهرات إلا أن الفلسطينيين فسروها على أنها نوع من العقاب الجماعي لهجوم تم على الشرطة الإسرائيلية. ويعتقد سيلفرستون أن إسرائيل تتعامل مع القضايا الفلسطينية بطريقة انفصامية. وترفض النظر للمصالح الفلسطينية على أنها جزء من المصالح الإسرائيلية بشكل عام. فهي تنظر للمصالح الفلسطينية ضمن ثنائية ترى في الفلسطيني وقضاياه أمرا معزولا وثانويا.

البوابات الالكترونية: فرض السيادة عبر عسكرة الحرم الشريف

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية