هل يبعث التعصب والتشدد الحياة في جسد تنظيم «الدولة» في العراق؟

بغداد ـ «القدس العربي»: رغم الانتصار المهم الذي حققته القوات العراقية على تنظيم «الدولة» وطرده من الموصل، فإن قلق العالم إزاء تداعيات الشأن العراقي، يبدو مبررا وسط مؤشرات تفاقم التشدد والتعصب.
وجاء إعلان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، أمام مجلس الأمن الدولي، أن «الوضع في العراق غير مستقر رغم دخول القوات العراقية مدينة الموصل، واستعادتها من سيطرة تنظيم داعش» مشددا على أنه «يجب إصلاح قطاع الأمن على نحو شامل لمواجهة التحديات»، معبرا عن قلقه إزاء «التقارير التي تشير إلى انتشار الجماعات المسلحة المحلية دون رقابة حكومية مناسبة».
وحذر ستيف تاونسند قائد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، من الأسلوب الجديد الذي ستلجأ إليه «عناصر تنظيم الدولة، حيث سيحاولون الاختباء وسط السكان وتكوين خلايا أصغر بدلا من المجموعات والفصائل». كما حذرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية من «احتمالات عودة تنظيم الدولة الإسلامية للسيطرة على العراق، إذا لم يبادر السياسيون العراقيون إلى القيام بإجراء الإصلاحات الضرورية وإنصاف أهل السنّة وقتل الطائفية في مهدها».
ولم تكن المخاوف الدولية بعيدة عن واقع الحال في العراق، حيث نبه سياسيون وقوى عراقية إلى غياب مشروع مصالحة مجتمعية بعد «داعش» وإلى انتهاكات يتعرض لها سكان الموصل وبابل وديالى وأماكن اخرى، على أيدي جماعات منفلتة متواجدة مع القوات المسلحة ولكنها تعمل وفق أجندات خاصة بها، وتؤدي إلى ردود أفعال سلبية لدى بعض مكونات الشعب العراقي قد تكون شبيهة بتوفير مبررات ظهور تنظيم «الدولة» عام 2014. وعزز هذه المخاوف، أخبار وأفلام تناولتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن انتهاكات وجرائم ترتكب بحق سكان المناطق المحررة، بدل فتح صفحة جديدة من المصالحة الوطنية التي تحرم الأطراف المتشددة من مبررات وجودها.
وإزاء نداءات وتحذيرات من دول ومنظمات دولية، بمخاطر محتملة في علاقات المكونات في العراق في مرحلة ما بعد «داعش» قد تعيد الحياة للتنظيم، دعا العبادي إلى «مصالحة مجتمعية» مؤكدا «ضرورة التمييز بين من تورط في الأجرام ويجب ان يلاحق، وبين الأبرياء» ورفضه «العقوبة الجماعية» التي تعني معاقبة المسيء والمحسن، متوعدا بالتحقيق في تقارير عن الانتهاكات.
وفي شأن آخر، حضي الحشد الشعبي هذه الأيام باهتمام ملحوظ، نتيجة تناقض مواقف القوى السياسية والدينية المختلفة إزاء دوره ومستقبله في المشهد العراقي الذي يزداد تعقيدا.
فمع الأخبار عن نية فصيل العباس ضمن الحشد الشعبي والتابع للمرجعية الدينية في كربلاء، الانضمام إلى الجيش، ومع قرار التيار الصدري إلغاء أكاديمية عسكرية تابعة له بعد اعلان الصدر ضرورة ضم الحشد إلى القوات المسلحة بعد الانتهاء من «داعش» فقد عد المراقبون هذه التطورات بمثابة الإشارة من المرجعية الشيعية للبدء بحل الحشد وضمه إلى القوات المسلحة وسط اعتراضات قوية من قادة الحشد، مدعومين من قوى سياسية وإيران، والذين يؤكدون في كل مناسبة على ان الحشد هو فصيل عقائدي معبر عن مصالح الشيعة ويجب ان يستمر مستقلا.
وبالنسبة لموقف رئيس الحكومة حيدر العبادي، فرغم اعلانه ان الحشد الشعبي سيبقى لعدة سنوات لحين استقرار أوضاع العراق، إلا انه وجه انتقادات لقادة في الحشد يتصرفون في الأموال المخصصة للمقاتلين، ويوجهونها سياسيا في قضايا تخص الانتخابات المقبلة، مؤكدا «حق منتسبي الحشد الشعبي في الانتماء إلى الدفاع أو الداخلية».
وعن تداعيات الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان، فقد برزت مواقف محلية ودولية تعزز الرفض القاطع للاستفتاء كونه سيفتح بابا واسعا لأزمات ومخاطر تتعدى آثارها الحدود العراقية.
فمحليا، أكد رئيس الوزراء على ان «الاستفتاء غير دستوري، فنحن نعيش في وطن واحد ولا يجب القيام بشيء من طرف واحد، وأننا لا نريد مشكلة جديدة». داعيا إلى «عدم التصعيد وان يكون هناك بديل آخر، فكردستان جزء من العراق، وان مصلحة الكرد ان يكونوا جزءا من العراق».
وبينما أكد نائب رئيس الجمهورية اسامة النجيفي أن اصرار القيادة الكردية على ضم المناطق المتنازع عليها إلى الاستفتاء قد يجر البلد إلى الحرب الأهلية والتقسيم، فقد وصف رئيس التحالف الوطني الشيعي عمار الحكيم، الاستفتاء بأنه «تسونامي» سيجر الخراب على المنطقة.
ومع تصاعد التحذيرات المحلية والدولية، فقد أعلن رئيس الإقليم مسعود البارزاني، إصراره على إجراء الاستفتاء وتأكيده على «ان التهديد لن ينفع» وانه ماضٍ في الاستفتاء، تزامنا مع إبلاغ
إيران وفد الاتحاد الوطني الكردستاني الذي زار طهران، برفض الاستفتاء، وتهديدها بان الكرد إذا أصروا على إجراء الاستفتاء فعليهم ان لا يتوقعوا مواقف جيدة من إيران.
وهكذا فأن المخاوف المحلية والدولية عن تداعيات مرحلة ما بعد «داعش» في العراق لا تنطلق من سراب، بل تعززها مواقف وسلوكيات قوى محلية ودول إقليمية.

هل يبعث التعصب والتشدد الحياة في جسد تنظيم «الدولة» في العراق؟

مصطفى العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية