لطالما كنّا نردد المقولة الشهيرة للشيخ محمد عبده والتي ينسبها البعض إلى غيره فنحن أمة بارعة في نسب الأقوال والأفعال إلى غير أهلها!! عندما ذهب لباريس سنة ( 1884 م ) وحين عودته إلى بلاد العرب أوطاني من الشّام لبغدان …؟ قال مقولته الشهيرة: ذهبت للغرب فوجدت إسلاما ولم أجد مسلمين ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاما.
قالها في وقتٍ لم يكن الذهاب إلى أوروبا قد تسنى لكل أحد فضلا عن دعاة المسلمين، قبل أن تتحول إلى قبلةٍ تولى إليها وجوههم ويقصدونها من كل فجٍ عميق، وكاتب هذه السطور منهم من الذين كانوا يرددون لمقولة الشيخ عبدة ومن الذين ذهبوا أيضا ليطوفوا حول قداسة الإنسانية والإنسان بدلا من قداسة الأماكن والجدران، وقد أجاد بيانا وتعبيرا لهذا المعنى الدكتور علي شريعتي حين وصف داعية الإصلاح الحسين بن علي عندما ترك الناس يطوفون بالبيت العتيق وذهب إلى كوفة الأصنام المتنوعة والمتقلبة لكي يقول لهم: كونوا أحرارا في دنياكم. فوصفه شريعتي بقوله: ترك الحسين الناس يطوفون حول بيت الرب وذهب هو ليطوف حول ربّ البيت.
وقد وجدت أوروبا كما كنّا نردد من قبل إن لم يكن أفضل مما قيل ويقال ففي زمن محمد عبده لم تكن هناك شاحنات تدهس بإسم الله ولا خناجر تقطع أجساد خلق الله!! ومع هذا وذاك فإنّ فيها قانونا ينص على أنّ الجاني والمجرم هو من يحاسب فقط دون أهله وناسه ومن يحوط بعنايته ومن والاه كما في طريقتنا، وإذا قيل بأنّ أوربا كانت في فترةٍ ما تعاني من العصور المظلمة والتي كان فيها من الظلم والجور والقتل والدمار؟ أقول نعم وبكل تأكيد حينما كان أهلها يستخدمون الدين للسلطة والحكم وليس للتربية الروحيّة وصحوة الضمير والوجدان، وماذا عنّا في تلك الحقبة الزمنيّة المظلمة ألم نكن نعيش في زمن العصور الغابرة والمتوحشة ؟ فجميع البشرية كانت تعاني من داء التخلف والجهل المقنن وبأطر مقدسة.
ولا أريد أن أوحي للقارئ العزيز بأنّ الحياة في أوروبا هي عدل مطلق لا ظلم فيه فالإنسان مهما إرتقى بالعلم والمعرفة والتطور تبقى لديه نوازع الصراع من أجل البقاء، مضافا إلى أنّه لا يوجد شيء إسمه عدل مطلق وكمال غير متناهي سوى في أساطير رواد المدينة الفاضلة والتي هي محض أوهام،لكن قياسا بالدول الإسلامية فلا يوجد وجه من أوجه التشابه والمقارنة، والعامل الأساسي في تطورها المستمر والمتواصل يكمن في نظام المؤسسات المدنيّة، لا الأحزاب الدينيّة الفئويّة حيث أنّ الأنظمة الدينيّة تقسم المجتمع على إعتبارات عدة مما يستحيل أن تتحقق فيها المساواة إلاّ أن تتنازل عن نصوصٍ دينيّة كثيرة ودلالاتها وحينها لا ينطبق عليها دولة دينيّة حقيقيّة، بخلاف الدولة المدنيّة والتي ينطوي الجميع تحت سقف المواطنة والقانون وإذا وجد هناك تمايز بين أفراد المجتمع فعلى إعتبار الإنتاج وليس على الجهويّة والإنتماء، وكشاهد على واقع الحال عندما وصلت إلى حيث إقامتي الآن في المملكة المتحدة وأسكنوني في مجمع إيواء اللاجئين فكان معي في حينها من ثلاث عشرة جنسيّة مختلفة وفي مكان لا يتجاوز عدد ساكنيه العشرين شخصا، بينما كان التعامل والرسائل والمستحقات تصل للجميع بمستوى ونسق واحد وهذا أول برهان كان بالنسبة لي على أفضليّة إقامة دولة المؤسسات المدنيّة.
دعاة للإسلام في الغرب ظاهرة إجتماعيّة آخذة في التزايد والإنتشار بسبب الحرية الفكريّة التي وفرتها الأنظمة المدنيّة الديمقراطيّة والظلم والتخلف الذي تعاني منه البلاد الإسلاميّة ناهيك عن الاضطهاد الفكري والجسدي، مما جعلها أمنية الكثيرين بل وأمنية كل شائقٍ يتمنى، تحت يافطة نشر الدين والعقيدة في بلاد الكفر ؟ فجاء الكثير الكثير وكاتب هذه السطور منهم وآخرون لم يلحقوا بهم بعد؟
وبلا أدنى شك لا يوجد أروع من تلاقح الأفكار وتبادل الرؤى بين أبناء الفصيل الواحد وتحت مظلة الإنسانيّة جمعاء وخصوصا لحاملي الفكر الإسلامي كي يعيدوا قراءتهم للنصوص والتراث قراءة تحقيقيّة علميّة إنسانيّة لا قراءة عاطفيّة إرتجاجيّة مرتبكة ثم يقفوا موقفا حازما من كل نتاج عقائدي يحاول تمزيق المظلة التي يأوي إليها الجميع ( الإنسانيّة ).
لكن ما يجدر الوقوف عنده والذي كتبت من أجله هذه المقالة حالة التمثيل غير اللائقة والتي لا تتناسب مع مقتضى الحال، ففي الأعم الأغلب من الدعاة في الغرب يقتاتون على مساعدات الدولة من خلال قانون الضمان الإجتماعي، والذي يندرج ضمنه عدة قوانين كقانون إعانة الطفل – أو الإئتمان الضريبي للطفل – أو إستحقاق السكن – أو العجز – وغيرها من القوانين التي شرعت للتوازن الإجتماعي وملء الفراغ أمام الثغرات التي تواجه إنسيابيّة حياة المواطن والناتجة عن عجز وظيفي في أدائه وهي من الواجبات المنوطة على عاتق الدولة في تحققها للمواطنين بمن فيهم الدعاة للإسلام حسب الصفة القانونيّة التي مكّنت لهم من البقاء والمكوث في تلك الدول لكن ما يؤخذ على الدعاة دون غيرهم أو بالأحرى على الجهات والمرجعيّات الإسلاميّة التي ينتمون إليّها تحديدا بما يلي..
أولا: إنّهم يسكنون في مجتمع ذات أغلبيّة غير إسلاميّة وبحكم كون وظيفتهم وعملهم الدعوة للإسلام إمّا للجالية الإسلاميّة والتي هي أقليّة بالقياس لمنكرين وجود الله، فضلا عن المسيحيّة ذات الأغلبيّة أو لغيرها وهذا يستلزم أن تتكفل معيشتهم الجهة الدينيّة التي يمثلونها لأنّ عملهم ضمن دائرة محددة النطاق.
ثانيا: الطوائف الإسلاميّة المتنوّعة التي يمثلونها تمتلك إمكانيات ماديّة ضخمة تستطيع تغطيّة نفقاتهم دون الحاجة لأموال من مجتمع لايؤمنون بعقيدتهم أصلا وذلك من باب الأمانة الشرعيّة في صحة مورد الرزق.
ثالثا: هناك توظيف حكومي لبعض الدعاة في الجامعات والتطوير النفسي للسجناء وبعض المؤسسات الإجتماعيّة الحكوميّة لكن بنسبة قليلة جدا لا تستوعب العدد الكامل للدعاة.
رابعا: عدم صحة كل فتوى تقول بجواز أخذ الأموال من الدول غير المسلمة من باب إنقاذ الحق الشرعي بل ونرفض جميع أشكال هكذا فتاوى تستحوذ على المال العام والشخصي لأيّ إنسان تحت أيّ عنوان، ومن الطريف بالقول أنّ هناك مرجعا دينيا يفتي بحرمة مخالفة قانون الدولة التي يسكنها المسلم وحين ذهب له وفد من الجالية المسلمة وإستفهموا منه حول الفتوى ؟ قال: قلت بتلك الفتوى كي أدفع عنكم شبهة التخوين وليس للتطبيق من أجل أن تستخدموها مستندا شرعيا تدافعون به عن أنفسكم!!.
خامسا: تكفل المؤسسات الدينيّة للبعض دون الجميع ومعتبرين حصر التمثيل بهم فقط لا يخل من ظلم وتقصير خصوصا على المستوى العلمي والذي لا تنظر له المؤسسة الدينيّة في الأعم الأغلب بقدر ما تنظر للإنتماء والجهويّة وهي على بعد مسافة سير أقدام من مؤسسات الدولة والتي تعطي الجميع بالعدل تحت سقف المواطنة بمن فيهم منتسبو المؤسسات الدينيّة، ناهيك عن خرق المؤسسات لقانون الدولة، كتسجيل بعض موظفي الدولة على إعتبار أنّهم يدفعون تبرعات مستمرة للمؤسسة مما يساعدهم في تخفيض أو إلغاء الضريبة مقابل نصف المال المقتطع من الضريبة،أو إعطاء موظفين المؤسسة مخصصات شهريّة دون تسجيلها قانونيّا كي تمكنهم من أخذ المساعدات من الجهتين.
سادسا: تعد الضريبة من الموارد الأساسيّة للدول الغربيّة بل ورئيسيّة في معظمها لتغطية نفقاتها على كافة القطاعات التي تدعمها الدولة، وتفرض على المواطنين ضمن نظام ضريبي حسب مستويات مختلفة وعلى كافة مواردهم، بمن فيهم العمال ذوو الدخل المحدود!!
كاتب من العراق
إحسان بن ثامر