أصيلة ـ «القدس العربي» ـ من عبدالدائم االسلامي: يحتضن الموسم الثقافي الدولي بأصيلة في دورته التاسعة والثلاثين ورشة للفن التشكيلي بالبهو الخلفي لقصر الثقافة «الرِّيسُوني» في المدينة العتيقة، بعنوان «ربيعِيَّات» وتشرف عليها الفنانة التشكيلية المغربية سناء السرغيني عيدة، ويشارك فيها 22 فنانا من تونس وفلسطين والبحرين ومصر وسوريا والأردن والمغرب والطوغو واليابان وإيطاليا وإسبانيا وأوكرانيا. وتمثل هذه الورشة معرضا مفتوحا يميل إلى محاولة إبراز غنى وأصالة القدرات التشكيلية وقدرتها على مناقشة الواقع، وتفكيك بنياته الثقافية والاجتماعية والسياسية، بأدوات جمالية.
الفنان التشكيلي بهرام حَجُّو، وهو سوري مقيم في ألمانيا وحائز جائزة «ماتيس» الفرنسية سنة 2014، حدّث «القدس العربي» عن مشاركته في هذه الورشة قائلا: «إن حضور الفنانين التشكيليين في هذه الورشة إنما هو تمرين لهم على اختبار علاقتهم بالمكان ومدى تفاعلهم مع مفرداته الثقافية التاريخية والراهنة، وهو أيضا مناسبة لكي نُشرك الجمهور في لحظات إبداعنا حتى نخلق إبداعية تفاعلية، تمنح لوحاتنا ومنجزاتنا الفنية روحا جديدة غنية بمتخيّلات الشارع، وهو أمر يؤكّد أن الممارسة الفنّية إنما هي إتيقا وشكل من أشكال الوجود معا. ولا شكّ في أن مشاركتي في أعمال هذه الورشة، تمثّل لي فرصة لأتعرّف إلى تقنيات المبدعين الجمالية من مختلف الأقطار والقارات، وهو الأمر الذي يطوّر تجاربنا التشكيلية ويمنحها غنى كبيرا». والظاهر من لوحات بهرم حجّو انصبابها على محاورة الكائن في عزلته، إنها تبحث في انزياحات كيانه صوب إمكانات وجود جديدة، إمكانات مفارِقة يكون فيها ضبابيا، غير محدَّدٍ، منزعِجًا من ذاته، وكثير التردُّد كأنه يحاول أن يكون وَفق ما يشتهي أن يكون عليه من أحوال نفسية وهيئات.
وفي حديثنا مع الفنان والجامعي المصري أيمن قدري قال إنّ مشاركته الأولى في موسم أصيلة الثقافي، إنما هي فرصة له لكي يُطلع الجمهور المغربي على تقنيته في الغرافيك والطباعة البارزة على الخشب، وهي تقنية استمدّها من الفن الفرعوني، ويضيف قوله في هذا الشأن: «إن كل أعمالي تُظهر تأثّري بالفن الفرعوني من حيث هندسة الخطوط، ونوعية الموتيفات، وطبيعة الألوان، ويعود هذا إلى كوني قد نشأت في مدينة الأقصر التي توجد فيها آثار أسلافي الفراعنة». ولا تُخفي أعمال هذا الفنان نزعتَها الإحيائية، إذْ تتجلّى فيها أشكال حيوانات وأماكن وشخصيات كلها ذات حمولة دَلالية، يتواجه فيها الحديث مع القديم والواقعي مع المتخيّل العجيبِ.
وحول مفهوم «الحفر الغائر» وصلته بالواقع يقول الفنان والجامعي التونسي كمال عبدالله، الذي يشارك في هذه الورشة «إنّ الثيمات التي أشتغل عليها في لوحاتي تدخل ضمن ذاكرة «السيمولاكر» أي تشابه مكونات العالَم في ذاكرة المجموعة البشرية منذ الأزل، وهو تشابه يجعل الشخوص الحاضرة في اللوحة تدخل في صراعٍ مع ذاتها ومع متخيّلاتها الذاتية وهي تحاول تقديم صورة تزعم أنها مشابهة للواقع، والحال أن الواقع إنما هو بعبارة ابن عربي «خيال في خيال». ولعلّ هذا ما يجعل تلك الشخوص تعيش في فضاءات غير مادية، وتطرح إشكالية علاقتها بالمتحوّلات وطبيعة إدراكها البصري لها، أي تطرح أسئلة ما في اللوحة من خطابات، وما يقابلها من خطاب الواقع وسلطته». ويرى كمال عبدالله أنّه إذا كان الفنان كائنا جغرافيًّا فإن فنَّه يتجاوز الجغرافيا صوب آفاق إنسانية، لأنه خطاب إنساني أممي، ذلك أننا نتذوّق الفن دون اعتبار انتماءاته الجغرافية أو التراثية، وكلّ حديث عن التراث في الفنّ هو حديث مغلوط، بل إن ميزة الفن أنه خطاب غير لغوي يتجاوز مسألة الهوية ذاتها، فلا هويّة للفن سوى هويّته البشرية، ومن طبيعة الفن أنه مشغول بتأسيسٍ دائمٍ لهويته.
الفنان الطوغولي لاوسن فولا، الذي اختار العيش في مدينة داكار في السنغال لكونها تمثل فضاء مناسبا للإبداع يلوذ به أغلب فناني منطقة غرب إفريقيا، فقد ذكر لـ»القدس العربي» أنه وجد في مشاركته في هذه الورشة فرصة سانحة كي يخلق حوارية تشكيلية بين متخيل شمال إفريقيا ومتخيّل جنوبها.
وهو يرى أن «الفن مطالب باقتراح سُبُلٍ جمالية مساعدة على التواصل بين الأفكار والأجناس والديانات والتواريخ، وتتكفّل الألوان بالتعبير عن ذاك التواصل، بفضل ما لها من قدرة على الامتزاج اللطيف، وقدرة على كشف ما فيها من حرارة بشرية، وهو أمر يبدو في لوحاته جليا، حيث نلاحظ فيها اتكاءَها في صوغِ مضامينها على المحكيات الإفريقية وأساطير سكّان الصحراء.
وبالسؤال عن الحركة التشكيلية في البحرين، أجابتنا الفنانة سميّة عبدالغني بالقول إنّ البحرين تشهد الآن حركة فنية نامية، كان أسّس لها فنانون كبار على غرار إبراهيم بوسعد، وعبدالرحيم شريف، وراشد الخليفة، وبلقيس فخرو. وتذكر هذه الفنانة أن أعمالها التشكيلية مستوحاة من القرآن الكريم، فهي ترى أن النص القرآني أداة تطوّر في الحياة وليس وسيلة دينية فقط كما يعتقد كثير من الناس، فهو يمثّل – إلى جانب أدواره الدينية والأخلاقية – روحا وفكرا يصلحان لتدبير حياة الناس في جميع لحظاتهم. وتذكر سمية عبدالغني أنها تستثمر طاقات القرآن الإيحائية وأقاصيصه عن الغابرين من الأقوام القديمة لتكون مواد تخييلية لمنجزاتها التشكيلية، ذلك أنها ترى أن الفن يعتمد في الأصل على الفكرة، وما أداة الفنان إلا وسيلةٌ لإنجاز تلك الفكرة.