فـلسـطين… فـي بـالي يا وطـني

حجم الخط
18

طال الأمد طال يا مُنيتي، وبتُ أخشى أن تأتي المَنية قبل أن أراكِ؛ غزا الشيب رأسي ولا أرَى في المرآة سوى طفل لايزال يمنّي النفس بالعودة اليكِ يوما؛ يزهو بين المروج والكروم وبساتين التين والبرتقال؛ يتسلّق هضبات كساها الزعتر والميرامية.
يا أمي أشتاق إلى بيت جدّي وحقول القمح الذهبية الراكعة قبل شروق الشمس و حين غروبها؛ أشتاق لحارتنا وضجيج المّارة وصوت الآذان والقرآن وقرع أجراس الكنائس؛ أزقتنا العريقة ومحلّات النحاس والزرابي؛ حُليّك وفساتينك المطرزة بكل لون بهيّ، حلوى العيد وتقبيل الجباه الصامدة؛ رمضان والمسحراتي المسيحي إبن وطني، قصائد محمود درويش، وروايات غسّان كنفاني العائد إلى حيفا أتوسدها حين أغفو في قيلولتي تحت شجرة الزيتون الباسلة؛ قهوة أمي بالهال وخبزها الطازج من فرننا الحجري؛ تبيت ُ حروفي سكرى من ذكراك يا وطني؛ لله درّك ما أصبرني على فراقك كل ّ هذه السنين.
أشتاق لشقاوتي مع خلاّني وحروب داحس والغبراء، بطولاتي حين أُسقط وليد وأُشبعه ضربا؛ إزعاج الجيران؛ إختلاس النظر حين تجتمع النسوة في المناسبات ورؤية حسنهنّ وضحكاتهنّ ورقصهنّ …. متى أعود متى؟
أشتم رائحة البحر الآن، تجتاحني أمواج الحنين إلى بحرك؛ فلا بحر كبحرك ولا سماء كسمائك … أعياني الإغتراب والترحال بين بلاد الناس يا وطني؛ درست وعمِلت وجنيتُ رزقا وبنيت بيتا لصغاري؛ لكنّي في غربتي هذه؛ كمن لا أرض يمشي عليها ولا سماء تظلّه؛ لم يغنيني شيء عنك؛ أُمضي يوما من أيامي أقلّب بين الصفحات أبحث عن أخبارك؛ هذا خبر عن أقصانا وشهدائنا في باحاته؛ تغلي الدماء في عروقي ويكبّلني البعد وقلّة الحيلة؛ وأتذكّر أيام المقاومة؛ يوم كنّا صفا واحدا؛ أنظر إلى الندوب التي بقيت في جسدي تذكّرني بالذي مضى من المقاومة والكفاح ؛ خيارنا الذي زهد فيه دهاة «الكفاح السياسي» أصحاب الّنفَس الذي لا ينقطع؛ المقاومون بالمفاوضات التي أجهزت على مُدنِنا وقُرانا وكبّلتها بسلاسل المستوطنات؛ فصـرنا مساجين في وطننا؛ هذا صهيوني في أحد شـوارعنا يشـمت فيـنا بمكـبر الصـوت يقول:
وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟ الحكومات العربية صارت معنا ولم يبقَ أحد يؤمن بالقضية الفلسطينية؟
وذاك مستوطن آخر يرقص على أنغام عبد الحليم حافظ؛ فأرض الكنانة أستبيحت وباع المشير بها وإشترى، أمّا الطامة، تفهّم حكومة بلاد الحرمين لسياسة «إسرائيل» حين وضعت جـدارا إلكترونيا لتفتـيش الفلسـطينيين في الأقـصى أولى القبلتين وثالث الـحرمين الشـريفين.
أخبار كثيرة تغُمّ نفسي وتحرق قلبي عليكِ يا زهرة المدائن؛ فكيف السبيل إليكِ في ظلّ كل هذا خبّريني؟
معركة يشعلها الشباب المقاوم في الداخل؛ معركة السكاكين؛ إمّا هُم، أو نحن فوق ترابنا الطاهر؛ لن تحرّر فلسطين إلاّ من الداخل؛ باتت هذه القناعة المخرج الوحيد بعد ستين عاما ويزيد من إنتظار المدد من الذين مدّوا الأفغان والشيشان بسيول من الأنفس المتعطّشة للجنان والجواري الحِسان؛ من القوميين الجُدد؛ الذين أنشدوا بلاد الفُرس أوطاني، وآثروا بين محتل أمريكي ومحتل روسي، المحتل الأخير، أولئك الذين غلبت عليهم طبيعتهم القابلة للاستعمار فلا يحلو لهم العيش إلاّ في كنف الوصاية، أولئك الذين ضاعت بوصلتهم وإلتبست عليهم الجغرافيا، فذادوا عن حِمى الأسد، وفلسطين معركة مؤجّلة إلى حين إذن القائم في قُم.
وشعوب عربية خدّرتها الصورة فلم تعُد تقوى على ذِكّر حقوقها؛ فكيف ستتذكرنا؟
ماذا بعد أن حاصرنا القريب قبل العدو ؟ ماذا بعد أن سمّيت المقاومة إرهابا؟
أرواح ظمأى يا وطني لن ترويها سوى الشهادة في سبيل حريّتك؛ لا يليق بك يا وطني غير قرابين من دماء زكية روت ثراك فأينعت نخوة وشهامة؛ لن تهدأ الأرواح المتمردة التي تنازع في بدن يأسرها، حتى تطرد آخر صهيوني من ترابها؛ لا مكان لهم بيننا؛ هذه الأرض تلفظهم أولئـك القتلة المعتدين؛ لن يُطوى ملف القضية وإن إجتمعت الإنس والجن على طيّها؛ معركة فـلسطين، معركة الحق والباطل الأخيرة؛ لن تكون الغلبة إلاّ لنا نحن أصحاب الأرض؛ وإن تبنّى العالم بأسره خرافات كتبها الحاخامات بأيديهم، وقالوا على الله الكذب. إن بقيت لي دعوة واحدة عند الله مستجابة، فلن تكون غير أن أرتمي في ثراك شهيدا مسجّى يا وطني؛ لتحيا حُرًا كما ينبغي لجلال مجـدك وعنـفوان أبطـالك.

كاتبة من الجزائر

فـلسـطين… فـي بـالي يا وطـني

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية