الإعلام، بمعناه الاصطلاحي والاحترافي غير موجود في الأردن، رغم كل الطاقات الأردنية المنتشرة على كوكب الأرض. فالإعلام الحر لا معنى له بدون وجود إرادة سياسية شاملة جوهرها الشفافية، وحرية الإعلام بدون شفافية المعلومة تفضي إلى ما يشبه دواوين الجدل والشعوذة وحكايات ما قبل النوم الهانئ أو النوم القلق.
واليوم، مع وسائل التواصل الاجتماعي التي تضج بالحكايات على عواهنها، يصبح الإعلام حالة مسخرة، إذا لم يكن مدججا بذخيرة المعلومة وانسيابية الدفق المعلوماتي الصحيح بلا عوائق.
الفضاء الأردني ممثلا بثلاث قنوات فضائية رئيسة (باقي القنوات مبنية على الدجل أصلا) ، كانت انعكاسا لأزمة الإعلام الوطني والصورة المقابلة للحالة المقلقة في السياسة الأردنية.
ناهيك عن رئيس الوزراء الغائب «عجل الله فرجه أو فرجنا بظهوره»، فإن الناطق الإعلامي باسم الدولة وهو برتبة وراتب وزير، كان في أسبوع الأزمات العنقودية المنصرم، مشكلة أكثر منه حلا، وهو بحد ذاته علامة سؤال أكثر منه منبعا للأجوبة، التي لا تجد طريقا للوصول خارج صندوقها المغلق.
القنوات والمواقع الإعلامية كانت فريسة سهلة لكل تلك الفوضى، مما زاد مساحة الفراغ الذي استطاع الجيل الفيسبوكي ملأه بسهولة، كما يملأ أي غاز خامل فراغا من الهواء.
في حادث جريمة السفارة الإسرائيلية في عمان أو حادث الجفر العسكري، غالبا كان الأردنيون أمام فوضى اخبارية ومعلوماتية يختلط فيها طبيخ شحاذي المواقع الإلكترونية التافهة وتحليلات أردنيين من مختلف الأصول والمشاتل يجدون لذة شديدة في تعاطي مصطلحات مثل «قواعد فك الاشتباك» أو «سيادة الدولة»، وغالبا مفهوم الدولة نفسه في اشتباك لا قواعد له عندهم.
طبعا مرد ذلك أن الدولة مختطفة وبديلها المختصر في شخص الحكومة مجرد قزم بلا ولاية.. وصاحب المرجعية (الملك) يقود السلطات بنفسه، وهذا يجعل الشفافية مستحيلة، والمعلومة خاضعة لوصاية أما أمنية بوليسية لا تفهم السياسة أو تحت وصاية بروتوكولات ملكية في إعلام الديوان تؤمن بحصانتها من أي مسؤولية عطفا على الملك نفسه.
فنصل إلى حالة «تقطير المعلومة» من سراب، فلا المصدر حقيقي ولا التقطير يجدي.
شبح الرعب الأمني قتل الإعلام
صباح أمس الثلاثاء، بعد ليلة أردنية ساخنة عصفت بكل القيل والقال دون معلومة مؤكدة صحيحة، سواء في قضية الجندي الأردني المدان بقتل أمريكيين، أو على خلفية مقتل أردنيين على يد رجل أمن إسرائيلي محمي بحماية دبلوماسية غير مسبوقة رغم كونه حارسا وليس دبلوماسيا، نتابع التلفزيون الأردني، فلا أملا في الحصول على معلومة، ومتابعة المحتوى الإعلامي البائس في نشرات الأخبار، تفاجئك برسائل مباشرة وساذجة يبثها التلفزيون «الوطني» بصيغة دينية وقد ضمنها آيات من القرآن الكريم تتحدث عن «الإعتداء» وتعريفاته، في محاولة بائسة جدا لتمرير فكرة قبول الصفعة على الخد الأيمن والأيسر والركلات الحرة على كل أجزاء الجسم، ومحاولة «شرعنتها» بأي شكل.
«رؤيا» و«الأردن اليوم»، كانتا متفاوتتين في المعالجة الخبرية، التي ظلت ناقصة ومنقوصة في ظل غياب المعلومة وحضور قوي لشبح الرعب الأمني الواضح في المحتوى الإخباري، «رؤيا» حاولت في أخبارها ملامسة ضفاف الصياغات الخبرية المحترفة، لكن تبقى المعلومة «الإمام الغائب» في حوزتها الإخبارية، أما «الأردن اليوم»، فكانت تحاول عبر برامجها ملامسة ردود الفعل الشعبية، وهي محاولة محمودة أمام غياب المعلومة، لكنها تبقى مجازفة خطرة أمام فوضى إعلامية شاملة.
حتى الزميل بسام البدارين، وهو المتابع في وسائل التواصل الاجتماعي، تعرض – باعترافه على الفيسبوك – إلى التضليل حين طمأن الأردنيين في ما يخص عدالة ونزاهة التحقيق في قضية «السفارة في العمارة» ليعود بعد ذلك ويبث سلسلة إدراجات متخمة بخيبة الأمل والقهر والتعب من وقائع وحقائق لوت عنق المعلومة فقتلتها خنقا بالخيبة!
رئيس وزراء إسرائيل، وهو المعروف، بالإضافة إلى خبثه الشديد بقدرته على استثمار العلاقات العامة والإعلام إلى أقصى حد ممكن، قرر بث تسجيل صوتي لمكالمته مع طاقم سفارته، الذي غادر الأردن بصحبة القاتل الإسرائيلي، وكانت مكالمة موجزة، لكنها كثفت كل الوجع المضني شرق النهر، شرق هذا الجسر، سر كل الخيبة.
في النهاية كانت ليلة محمومة بالدجل المعلوماتي، والشخص الوحيد ربما الذي قضى ليلة هانئة بسخونتها كانت صديقة الإسرائيلي الهارب من وجه العدالة، والذي لم ينس نتنياهو أن يذكرها بالخير في مكالمته المسجلة، «ليؤنسن» مشهد الخلفية في جريمة كرامة مكتملة الأركان.
صاحبة «المرجيحة»!
وفي خضم كل ذلك، تعصف الفضائيات العربية وتتسابق على صاحبة «المرجيحة»، التي أنسى اسمها وأجد هوانا كبيرا على النفس أن أبحث في محرك البحث عن اسمها من جديد.
طبعا، هي انعكاس طبيعي لواقع متشظ، و«أثر الفراشة» مع الاعتذار لكل فراشات الحقول في الدنيا، الذي يمثل واقعنا المتردي، ومع الاتفاق وشبه الإجماع أن هذه «الكائن» الصوتي المنتفخ بالألوان والمضمخة بكل بشاعات الدنيا لا تعطي فنا بل مسخرة، إلا أن الفضاء العربي مشغول بوضعها أيقونة في عالم نجومه الغارق في الحضيض.
سيدة حقول البقدونس على الجفون… كلنا ركبنا ولا نزال على المرجيحة!
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
أين الإعلام الأردني مما حصل في السفارة الإسرائيلية؟ ومسلسل الركلات الحرة لكل أجزاء الوطن!
مالك العثامنة