حسب كل المقاييس المتبعة في العالم المتنور كان د. محمد البرادعي، نائب الرئيس المصري الذي رفع يديه في اليوم الذي قتل فيه مئات المتظاهرين في القاهرة، يعتبر وطنيا قوميا يستحق وسام الشرف. في الاربعاء الاحمر، الاسبوع الماضي، بعث برسالة منمقة الى القاضي عدلي منصور، الرئيس المؤقت، نشر مبررات استقالته على حسابه في التويتر وحرص على نقل نسخ منها الى وكالات الانباء. استقالة شفافة، حازمة وصاخبة.
لست قادرا على البقاء، شرح الحائز المصري جائزة نوبل للسلام، لا اريد أن اكون مسؤولا حتى عن قطرة دم واحدة تسفك في الميادين. ومنذئذ قتل مئات الاشخاص، واصيب الالاف واختفى العشرات. قتل القناصون أربعة صحافيين حاولوا توثيق الفظائع في الميدان المحاصر بالدبابات والمدرعات.
فقد اختار البرادعي القيام بما يعرف كيف يفعله على النحو الافضل، طار بعيدا عن ساحة المواجهات العنيفة، وتحول دفعة واحدة الى الشخصية الاكثر كرها في مصر. الجميع يكرهونه. من ناحية الاسلاميين هو عدو، كافر، مغرور، مغترب. من ناحية شباب الثورة فر من الوعود التي نثرها بلا حساب. في افضل الاحوال يسمونه انتهازيا مزدوج الاخلاق، في اخطر الحالات يكتبون عنه أنه خائن لبلاده وعميل امريكي.
اذا اشتبه احد ما بان البرادعي فر من السفينة الغارقة كي يتسلقها في اللحظة المناسبة ليتنافس على الرئاسة، مثلما تصدر الاصوات ضده، ولا سيما من حزب الدستور الذي اقامه، من حركة الشباب ‘تمرد’ التي اعطاها رعاية الكبير غني التجربة، ومن جبهة الانقاذ الوطني، فان الاستقالة الصاخبة بالذات تؤشر الى نهاية حياته السياسية. في المعسكرين المتقاتلين في مصر يوجد اجماع: البرادعي اطلق النار على قدمه.
احد لا يصدق البرادعي في أن ضميره يعذبه وفي أنه صدم حقا من القتل في الميادين. كما أن احد لم يحاول ان يقيد قدميه ويقنعه بالبقاء. الجنرال السيسي سمح له بالذهاب، المهم الا يزعج. وزير الدفاع الداهية أخفى عنه ايضا الخطة في اخراج الجيش والهجوم على الميادين المشتعلة.
وهكذا التقط البرادعي في مفاجأة محرجة: عندما انقضت الدبابات على البؤرتين الاسلاميتين كان منشغلا بتجنيد الدعم الدولي لخطة المصالحة تحرير الرئيس المعزول مرسي، اخراج زعماء الاخوان المسلمين من السجون وادارة حوار.
هذا ليس الطفل المدلل الذي يبدي الجنرال الاستعداد لتبنيه، فقد اثبت السيسي انه مستعد لان يخاطر مع كل العالم. فالديمقراطية يمكنها أن تنتظر، وحقوق المواطن ستقف في الطابور. لديه حساب طويل مع كل من تعاون مع الاسلاميين. وهو لا يحلم بتحرير مرسي.
هل البرادعي كبش فداء؟ هل ركله احد ما عن عمد خارج النظام الجديد في مصر؟ لعله سقط بين الكراسي حين حاول رفع الرأس، أو انه لم يعرف كيف يقدر مدى العمل المحدود الذي لنائب الرئيس في مصر: الجلوس في مكتب فاخر، ادارة جدول زمني مكثف بشؤون غير عاجلة والبقاء في الظل.
هذا هو زمن الجيش للتخلص من ‘الاخوان’. البارزون ارسلوا الى السجون. انتبهوا الى الصفقة التي يعرضها احدهم، محمد البلتاجي، امام الكاميرات: تحرير مرسي مقابل هدوء مطلق في سيناء.
ماذا يعني هذا عن الدور العميق لـ’الاخوان’ في الارهاب؟ ما هو عمق العلاقات الخفية للاسلاميين مع حماس؟ لماذا حاولوا ربط نائب الرئيس بمغامرة خطيرة؟
الاعلام مجند للحديث عن مؤامرة دولية للتدخل في شؤون مصر الداخلية. اوباما الغى مناورة عسكرية؟ يتدبرون امورهم بدونها. تركيا تعيد السفير؟ يستخفون. اياد خفية توزع صورا كبرى للسيسي. احد لا يعد بانقلاب أبيض.
سمدار بيري
يديعوت 19/8/2013