منذ أكثر من خمسين سنة والعالم العربي يعيش حالة من الانقسام الممتد، بدأت صورتها الأولى في المحاور الثلاثة الذي ظلت تحكم المشهد العربي لأكثر من عقدين من الزمن: محور دول الصمود والممانعة ومحور دول الاعتدال، ومحور الخط الثالث الذي كان يتأرجح هنا وهناك ويبقي على بعض المسافة للعب دور في اتجاه تقريب وجهات نظر والخروج بالحد الأدنى العربي المشترك. ثم ظهرت الصورة الثانية، وإن لم تأخذ مدى زمنيا كافيا من التبلور والتشكل. فمع اندلاع الربيع العربي برزت ثلاثة محاور تمايزت على أرضية الموقف من الحراك الديمقراطي والموقف من دور الإسلاميين في مربع السلطة: محور داعم للتحولات الديمقراطية ولتجربة إدماج الإسلاميين في الحكم، ومحور ممانع يقدم الاستقرار على كل شيء، ولو كان الثمن الاستثمار في تنمية اقتصادية واجتماعية معزولة عن مؤشرات التنمية السياسة، ومحور ثالث لم تتبلور بعد أطروحته، تتردد بعض مكوناته بين عودة وانتشار السلطوية وبين استيعاب ذكي للإسلاميين، ويتجه البعض الآخر لاستعادة دور الوساطة، فيما اختارت مكوناته الأخرى الترقب والحياد ريثما تكتمل الصورة بشكل واضح.
لكن، في العقود الستة السابقة، ورغم ظهور هاتين الصورتين من الانقسام والتشظي، لم تكن دول الخليج معنية كطرف من أطراف الصراع والاصطفاف، فقد ظلت دائما تمثل الطريق الثالث، الذي منه تصدر المبادرات أحيانا، والوساطات أحيانا أخرى، وفي سياقات حرجة كانت تتدخل بعض دول الخليج لإيجاد حلول لأزمات معضلة مثل ما حدث في اتفاق الطائف لتسوية مشكلة الصراع السياسي والحرب الطائفية في لبنان، والمبادرة الخليجية لتسوية مشكلة الصراع السياسي في اليمن بعد اندلاع الثورة، هذا فضلا عن تدخل السعودية لعقد المصالحة بين حماس وفتح وما بات يعرف باتفاق مكة
نعم حدثت وقائع مؤلمة أدت إلى نشوب صراعات حدية بين بعض دول الخليج والدول عربية أخرى، لكن مثل هذه الأزمات العابرة سرعان ما كان يتم احتواؤها وتعود دول الخليج إلى مربعها الطبيعي ضمن الخط الثالث.
هذه المرة، أخذ الانقسام العربي أبعادا أخرى غير مسبوقة، أبرز معالمها أن صارت دول الخليج، ليس فقط جزءا من مكونات الصراع العربي، بل أصبح الصراع العربي-العربي في مجموعة من صوره أحد تجليات الصراع الخليجي-الخليجي. فقد بلغ الاصطفاف أشده بين الدول العربية بعد الأزمة الخليجية بين الدول الأربع وبين قطر، وبلغت حرب الاستقطابات مستويات غير مسبوقة، وزاد من تغذيتها الخلاف في التقدير الاستراتيجي لعدد من الملفات الإقليمية التي انخرطت فيها بعض دول الخليج سواء لاعتبارات حيوية لها علاقة بالجغرافية السياسية، أو لاعتبارات استراتيجية لا تدخل الجغرافية السياسية ضمن محدداتها. ففي المثال الأول كان للحرب في اليمن ومحاولة السعودية بشراكة مع عدد من الدول العربية إيقاف الامتداد الإيراني وإعادة الشرعية في هذا البلد دور كبير في تعميق الانقسام العربي. وفي المثال الثاني، كان للدور الإماراتي في مصر وليبيا دور كبير في تغذية عناصر الصراع مع أن تحولات السياسة بالبلدين قد تكون مؤثرة استراتيجيا، لكنها لا تعني للإمارات الشيء الكثير بمعيار الجغرافية السياسية. نعم هناك على الأقل ثلاثة تحديات أساسية تبرر هذا الاصطفاف، أولها الموقف من التمدد الإيراني واختراقه للمنطقة العربية، وثانيها الخوف على مستقبل الملكيات في المنطقة العربية، وثالثها الخشية من تغول الإسلاميين وإرباكهم لخارطة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
لكن المعضلة أن الجواب عن التحديات الثلاثة لا ينتج نفس الوضع من الانقسام، فالإسلاميون مثلا في أغلب من مكوناتهم يتقاسمون الرؤية الخليجية التي تتخوف من التمدد الإيراني في المنطقة، والقوى الديمقراطية في العالم العربي أغلبها ينتج أجوبة حادة في التعاطي مع تعاظم الدور الإيراني في المنطقة، ثم إن عددا من الاجتهادات التي قدمها الإسلاميون والقوى الديمقراطية ترفض أن تجعل من سقوف التحول الديمقراطي المس بالأنظمة الملكية.
مؤدى ذلك، أن بعض الدول الخليجية تقدم اليوم أجوبة غير منسجمة عن هذه التحديات الثلاثة، بل أحيانا تربك هذه الأجوبة حتى توازناتها الاستراتيجية، إذ ساعد إضعاف الإسلاميين في اليمن وفي الكويت والبحرين وعدم تقديم دعم للإسلاميين السنة في لبنان بشكل كبير في تغول الدور الإيراني في هذه المناطق، كما أن إضعاف الإسلاميين في مصر دفع حكام مصر في بعض السياقات لإنتاج أجوبة ملتبسة ممارسة غير قليل من الابتزاز السياسي لدول الخليج عبر اللعب الورقة الإيرانية. نعم، الإشكال ليس بسيطا، خاصة وأن أجندات السياسة الخارجية الأمريكية بدأت تضع الخليج على البوصلة لاعتبارات استراتيجية واضحة، إلى الدرجة التي جعلت ملك المغرب في خطابه في القمة المغربية الخليجية ـ وعلى غير مألوفه السياسي- يتحدث عن أجندة سياسية أمريكية تستهدف استقرار الملكيات، وتحدث عن حرية بلده في التحرك بحرية في كل المحاور، يرمز بذلك إلى قراره الاستراتيجية تحريك البوصلة نحو روسيا.
خلاصة التوصيف، أن الانقسام العربي في صورته الثالثة الذي دخلت فيه دول الخليج إلى مربع الأطراف المصارعة، سيساعد بنحو غير مسبوق في تسريع الأجندة الدولية في زعزعة استقرار المنطقة والاكتساب من الطرفين مع إيجاد سانحة لتنفيذ أجندات مرتبطة بتوسيع دائرة الأمن الإسرائيلي في المنطقة، وسيضعف أي مسعى لتشكيل مكونات المقاربة التصالحية التي تقوم في العادة بدور الوساطة بسبب اضطراب الأجوبة بشأن التحديات الثلاثة السابقة
مخرج الأزمة يمر عبر التفكير بعمق في خيط جامع يقدم جوابا واحدا منسجما بشأن التحديات الثلاثة، جواب يؤسس لتوافق حول سقف حد أدنى للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية، وضمان إدماج إسلامي مقدر في المشهد السياسي، واستراتيجية عربية موحدة للحوار الجدي مع إيران على قاعدة التعاون المشترك ومواجهة أي استراتيجية لامتدادها في العالم العربي
تحدي الجواب على الأزمة يقتضي مراجعات عميقة تقوم بها كل الأطراف، عنوانها توافق وشراكة جدية ذات مصداقية لتأمين مستقبل الملكيات في المنطقة العربية، وإرساء دعائم الاستقرار السياسي، والتوجه خطوة أخرى متقدمة نحو التحول الديمقراطي، وتسقيف تطلعات القوى الديمقراطية بسقوف لا تبعث على التوجس السياسي.
٭ كاتب وباحث مغربي
بلال التليدي