القاهرة ـ «القدس العربي» : بين طموح الرئيس السيسي الذي يفوق الحدود والواقع المؤلم الذي تعيشه مصر بون شاسع. ومؤخراً بدا السيسي أكثر حماساً من أي وقت مضى بالحديث عن أحلام لا تنتهي، ومنها إنشاء مدن سياحية في الساحل الشمالي لا مثيل لها في العالم، ورغبته في إقامة مكتبة في العلمين، تضاهي مكتبة الإسكندرية، ومشاريع أخرى عملاقة، والوصول بالاحتياطي النقدي الأجنبي لحاجز 350 مليار دولار، اي عشرة أضعاف الرقم الحالي.
كما تحدث عن إنجازات يؤكد أنها تحققت، وإن كان قدر منها لا يمكن الحديث عنه في العلن، وفقاً لتصريحاته أمام مؤتمر الشباب في الإسكندرية، مكتفياً بكلام سبق وردده في أكثر من مناسبة عن إنجازات أخرى في مجالات الكهرباء وشبكة الطرق، وهو الأمر الذي ليس بوسع أحد إنكاره، واعتبره كثيرون دليلاً على عزمه التقدم لخوض انتخابات رئاسية جديدة، وهو ما يناقض مطالب النخبة، التي يزداد ثقلها يوماً بعد يوم، والتي يرفض أفرادها منح تفويض جديد للسيسي. فيما تبدو الأغلبية الفقيرة التي لا يراوح البؤس محيطها، تبحث عن حقوق تجاوزتها البشرية منذ عقود، فيما تشن الحكومة ضدها حرب إبادة للقضاء على مكتسبات اقتنصتها الأغلبية على مدار العقود الستة الماضية، قبل ان تفقدها تباعاً.
وأمس الخميس 27 يوليو/تموز ازدادت وتيرة المعارك الصحافية بين مؤيدي الرئيس وخصومه على خلفية «آثام» ارتكبتها السلطة القائمة التي تعهدت بتلبية شعار ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني (عيش حرية عدالة اجتماعية) لكنها انتهجت على أرض الواقع عدة إجراءات لم يجرؤ أي نظام سابق على الإقدام عليها، خاصة بالنسبة لمآلات قضية جزيرتي تيران وصنافير، ثم ملاحقة أهالي جزيرة الوراق، بهدف تحويل الجزيرة لمشاريع سياحية. وبين الحدثين ارتكبت الحكومة عدة خطوات زادت من معاناة الجماهير وإلى التفاصيل:
دولة الظلم ساعة
مهمة القاضي أن يحكم بالعدل ويرفع الظلم عن المظلومين، فماذا يكون الحال إذا طلب من رئيس الدولة رفع الظلم عنه؟ من الآخر والكلام لفراج إسماعيل في «المصريون»: «صرنا أكثر شبها بالجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى. ليس أدل على ذلك من غياب المؤسسات الديمقراطية أو تغييب دورها الفعلي كالبرلمان والمجالس المحلية والأحزاب السياسية واستبدالها بالمؤتمرات الشبابية التي لا يزيد مفعولها عن جلسات السمر. كانت مؤتمرات القذافي الجماهيرية صورة طبق الأصل، وكان يعتقد أنه بذلك حول ليبيا إلى جماهيرية عظمى. لقد تخيل أن «النهر الصناعي العظيم» أكبر من كل أنهار العالم، وعندما ثارت عليه بنغازي بعد أن نفد صبرها من موت السياسة وتغييب العدالة، قال معاتبا في خطبه الأخيرة «كيف تفعلون ذلك معي، وأنا بنيت لكم مدينتكم طوبة طوبة». بناء المدن وتشييد الطرق ليس هو الغاية الوحيدة التي تجعل الحاكم يتميز بها ويفاخر بها شعبه، بل يجب أن تكون نتيجة للحكم الرشيد، وإلا لكان الخديوي إسماعيل أعظم من حكم مصر في تاريخها، فقد حفر قناة السويس وشيد من المشروعات والمدن والقصور واستصلح الأراضي واستزرع المساحات الهائلة من الذهب الأبيض في عصره وهو القطن، ما لا يتاح لأي حاكم أتى أو سيأتي من بعده، لكنه افتقد الحكم الرشيد، رغم اجتهاده في بناء مؤسسات برلمانية ودستورية وقضائية، ومن ثم لا يذكره التاريخ سوى بالديون التي أغرق فيها مصر. التظلم الذي أرسله المستشار يحيي دكروري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة إلى الرئيس السيسي، من تخطيه في تعيين رئيس مجلس الدولة الجديد، يقدم لنا صورة جلية عن «الدولة المريضة» التي لا تراعي «السياسة» في قراراتها، ولا تحترم أبجديات الحكم الرشيد».
ناشطون ومستبدون
نتحول نحو الحرب على ناشطي الثورة، الذين ينتقدهم محمد الدسوقي رشدي بقوة في «اليوم السابع»: «الناشطون الذين طالما سخروا من البرلمان وخناقات النواب، واستخدام بعض النواب لألفاظ خارجة، هم أنفسهم فعلوا أكثر من ذلك مع أول خلاف. الناشطون الذين طالما حاولوا الإيحاء بأن الرئيس والمسؤولين لا يتحملون الاختلاف في الفكر ولا يعرفون معنى الحوار الديمقراطي، سقطوا في الاختبار ولم يتحملوا اختلافهم وتبادلوا الشتائم، في الوقت الذي كان الرئيس السيسي يسمع وجهات نظر شباب مؤتمر الإسكندرية المختلفة والناقدة بصدر رحب، يحاروهم ويرد على استفساراتهم، بدون تخوين أو ملل. تلك مقارنة واجبة، تستدعى مراجعة نقدية عادلة نهدم بها كل المصطلحات والمسميات التي تم تقديسها على مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة، ترد الاعتبار لمعنى فكرة تمكين الشباب، تخلصنا من هؤلاء الذين احتكروا المجال العام عبر حفلات التخوين والاتهامات والشتائم على الفيسبوك، وطغوا بأصواتهم العالية وشعاراتهم المزيفة على شباب حقيقي يعمل ويجتهد ويبدع ويفكر على قدر ما يستطيع، ويحترم القيم الحقيقية للاختلاف والحوار، عكس هؤلاء الذين تسللوا إلى صدارة صورة مجتمعنا باستخدام تلك الشعارات، وحينما اختبرهم الواقع كشفوا لنا عن وجوه قمعية لا تؤمن إلا بمصلحتها وأفكارها، وترى كل مختلف معها عدوا وخصما يستحق التشويه والاغتيال المعنوي.
بدون شك أصبح مؤتمر الشباب بجلساته وأفكاره متنفسا حقيقيا، وساحة للمشاركة، تمنح المحبطين أملا، وتدفع المرتبكين لمراجعة الكثير من الأفكار، ونافذة يطل منها على الوطن وجوه تستحق التمكين وتسليط الضوء عليها، وربما تكون هذه الفكرة بلا مبالغة واحدة من أعظم الأفكار التي تحققت في سنوات ما بعد الثورة».
لا ناصر خائنا ولا نجيب ملاكا
بهذه المسلمة حول رمزي ثورة يوليو/تموز جمال عبد الناصر ومحمد نجيب يدخل عبد الله السناوي في الجدل المتنامي مؤكداً في «الشروق»: «لم يكن عبدالناصر متآمرا ولا كان نجيب ملاكا. وقد ورد في التحقيقات، التي أجريت مع المتورطين من جماعة الإخوان المسلمين في محاولة اغتيال عبدالناصر عام 1954، أن الرئيس نجيب كان على علم مسبق بما خطط له، لكنه طلب عدم ذكر اسمه إذا لم تنجح المحاولة خشية ردات الفعل. كان ذلك السبب المباشر في إطاحته، لم تجر أي محاكمة له تقديرا لدوره في تصدر مشاهد الثورة الأولى، ولا شُهر به على صفحات الجرائد. طويت صفحته وغاب ذكره وأودع تحت الإقامة الجبرية في قصر في المرج تملكه السيدة زينب الوكيل حرم رئيس حزب الوفد مصطفى النحاس. غير أنه بنظرة أخرى فقد كان يستحق بعد مضي عدد من السنين نوعا من العفو، ودرجة من التسامح، خاصة بعد اكتساب عبدالناصر شعبية هائلة لا مثيل لها في التاريخ الحديث، وتثبيت أركان حكمه إثر النتائج السياسية لتأميم قناة السويس (1956) وخروج مصر دولة كبرى في إقليمها وقارتها وعالمها بعد فشل العدوان الثلاثى عليها. هنا يتبدى سؤال افتراضي، ما الذي كان يمكن أن يفعله اللواء نجيب في مجلس قيادة الثورة، إذا ما قدر له حسم السلطة بدعم من الإخوان المسلمين؟ التاريخ لا يعرف الأسئلة الافتراضية وصراعات السلطة لا تعرف الرحمة. الإجابة الوحيدة: التنكيل المفرط. ثم يتبدى سؤال افتراضي آخر: هل كان يمكن أن تكون هناك ديمقراطية مع الأفكار الشائعة للجماعة التي تناهض فكرة التعددية إذا ما قدر لنجيب أن ينتصر في صراع السلطة؟ أي إجابة سهلة معبر إلى مجهول معتم. والثالثة ــ أن دور نجيب كواجهة ليوليو يتوقف عند تحمل مسؤولية الحركة في لحظة الانقلاب. في أي تعريف كلاسيكي، يوليو/تموز الانقلاب الوحيد في التاريخ المصري الحديث. وفي أي تعريف كلاسيكي يوليو الثورة الوحيدة حيث حكمت وغيرت التركيبة الاجتماعية والبيئة الإقليمية على نحو جذري، وهو ما لا يتوافر لأي انتفاضة أخرى. بهذا المعنى فإن يوليو هي عبدالناصر، ولا أحد آخر يضاهيه أو ينازعه».
ضحاياه تحولوا لقتلة
أزمة أهالي الوراق تتصاعد ويرى أشرف البربري في «الشروق» أنهم أبرياء: «مساحة جزيرة الوراق تبلغ نحو 1860 فدانا، منها 1800 مملوكة لأهاليها بعقود مسجلة تعود إلى ما قبل بداية النصف الثاني من القرن العشرين و30 فدانا مملوكة للأوقاف ومؤجرة بأوراق رسمية وموثقة للأهالي، و30 فدانا مملوكة لوزارة الزراعة وتحت حيازة الأهالي بأوراق وعقود موثقة أيضا، حسب السجلات الرسمية التي نشرها الزميل مجدي أبو الفتوح في جريدة «الشروق». معنى هذا الكلام أنه لم تكن هناك تعديات على «أملاك الدولة وحق الشعب»، ولم يكن هناك عدوان على «هيبة الدولة» يستوجب هذه التجريدة المسلحة التي داهمت الجزيرة، كما قال الكثير من الإعلاميين، الذين سارعوا إلى تبرير مداهمة الجزيرة بالجرافات وقوات الأمن لإزالة البيوت التي زعمت السلطة أنها مقامة على أملاك الدولة، التي لا وجود لها في الأوراق. إذن ما حدث كان مجرد جس نبض لمعرفة مدى تمسك سكان جزيرة الوارق، الذين يقدر عددهم بنحو 90 ألف نسمة يعملون في الزراعة والصيد في أرضهم عندما تحين لحظة طردهم منها، بدعوى تطويرها وتحويلها إلى «مانهاتن الشرق» على غرار حي مانهاتن الشهير في أمريكا. فهل من يتحدثون عن «مانهاتن في قلب النيل» درسوا هذا الكلام الذي يقولونه؟ وهل يتذكر من يقول هذا الكلام ويسعى إلى تنفيذه بالقوة أن هناك «حي مال وأعمال» على مستوى عالمي يجرى بناؤه في العاصمة الإدارية الجديدة؟ أم أننا سنجد أنفسنا بعد شهور قليلة أمام نسخة مكررة من تجربة العاصمة الإدارية الجديدة، التي قالوا كلاما كثيرا عن حماس المستثمرين الإماراتيين والصينيين لها، ثم ظهرت الحقيقة وهي أنه يتم بناؤها بأموال الحكومة المصرية بعد ان تراجع عنها المستثمرون؟».
سلام بدون ثمن
«أرفض زيارة القدس والمسجد الأقصى في الوقت الراهن، وأدعو المسلمين لعدم زيارتها من خلال التأشيرات الإسرائيلية، لأن ذلك يعنى تكريس الاحتلال الإسرائيلي والاعتراف بمشروعيته». موقف صلب لشيخ الأزهر يحمل في طياته، كما يشير محمود خليل في «الوطن» إدانة واضحة للانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى، ورفض جهود الدولة العبرية في تهويد القدس، ورفضاً قاطعاً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، فلا معنى لزيارة الأزهر عبر تأشيرة إسرائيلية، سوى نوع من التطبيع مع دولة لا تحترم مقدسات الغير. هناك من يتبنى نظرة براغماتية إلى هذه المسألة ويظن أن التسليم بالأمر الواقع مع إسرائيل قد يؤدي إلى المزيد من المكاسب. وأجد أن هذا الظن في غير محله، فالسياسة الإسرائيلية تعتمد على نظام «الأخذ دون عطاء»، وبالتالي إقدام شيخ الأزهر على زيارة المسجد المنتهك لن يؤدي إلى إيقاف الممارسات الإسرائيلية، بل على العكس سيفيد إسرائيل كثيراً، نظراً لما يتمتع به شيخ الجامع الأزهر من رمزية على مستوى العالم الإسلامي. أثناء المؤتمر الصحافي الذي جمع كلاً من نتنياهو وترامب في تل أبيب عقب انتهاء ما أطلق عليه القمة الأمريكية العربية الإسلامية في مدينة الرياض، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن حلمه بالسفر إلى المملكة العربية السعودية في رحلة طيران مباشرة من تل أبيب إلى الرياض. إسرائيل تريد من العرب سلاماً لا يقابله ثمن، تريد منهم سلاماً يفتح أبواب العواصم العربية لأبناء الدولة العبرية، يمارسون نشاطاً اقتصادياً وثقافياً، ويحلبون الأرباح، بدون أن يدفعوا شيئاً. نتنياهو لا يقل طمعاً عن ترامب في حافظة الدولارات الخليجية. كان من الممكن أن تصبح فكرة التحرك نحو المسجد الأقصى بالزيارة أكثر وجاهة لو كانت إسرائيل تدفع مقابلاً لهذه الخطوات».
لهذا السبب تراجعت إسرائيل
«لماذا أقدمت إسرائيل على خطوة إزالة البوابات الإلكترونية من المسجد الأقصى؟ تتولى جيهان فوزي الإجابة في «الوطن» مؤكدة أن إسرائيل ظنت أنها أقدمت على تنازل كبير من جانبها سيسهم في عودة الهدوء واستقرار الأوضاع، إلا أن الإصرار على التصعيد من قبل المرجعيات الدينية المقدسية خصوصاً، والفلسطينيين عموماً يبدو مستمراً، حتى يعود الوضع لما كان عليه قبل الرابع عشر من الشهر الحالى، فاستبدال إسرائيل البوابات الإلكترونية بالكاميرات الذكية هو مجرد التفاف وتحايل على الموقف، خاصة في ضوء قرار المجلس الوزاري المصغر بتنصيب بوابات حديدية تستند إلى تكنولوجيا متقدمة، كبديل للبوابات الإلكترونية الكاشفة للمعادن في المستقبل القريب، وخصص لها ميزانية ضخمة، ظناً منه بأنه قد ينجح في تهدئة النفوس في المنطقة بأسرها، إلا أن هذه البدائل ليست لها أهمية ما دامت تعارضها دائرة الأوقاف الإسلامية، وترفضها الجماهير الفلسطينية والمرابطون في الأقصى، الذين يصرون على التصعيد، لقناعتهم بأن إسرائيل ما زالت تصر على موقفها، وتقوم بالدور الذي أرادته لنفسها وهو فرض السيادة الكاملة على المسجد الأقصى. يصر المرابطون على استمرار وجودهم في المسجد الأقصى ومحيطه، والتصعيد إلى أن تتم إزالة كل أثر وضعه الاحتلال، لأنه يصادر حرية المصلين ويرسخ لسيادة دولة الاحتلال على القدس الشرقية، التي طالما سعت للوصول إليها، لقد أثبت المرابطون في الأقصى أنهم الحصن الشامخ العصي على الانكسار، يقف سداً منيعاً في وجه القمع الإسرائيلي حتى تحقيق أهدافهم وتنفيذ مطالبهم بتطهير الأقصى وساحاته من دنس الاحتلال».
البلد لمن يشتري
«كل شيء مخالف للقانون أصبح محل تجارة.. بهذه الحقيقة المؤلمة يعري حسن حنفي في «المصري اليوم» الكثير من صور الفساد، كما تضع الدولة ضريبة القيمة المضافة والمواطن لا يجد ما يأكل، حتى تضاف إليه هذه الضريبة، بل إن المواطنين أصبحوا تجارة مثل أبراجهم، تجارة الأعضاء، وتجارة الأطفال، بل إن أراضي الوطن أصبحت أيضا موضوعا للتجارة، لمن يدفع أكثر. وقد بنيت الأبراج تجارة وليس حلا لقضية الإسكان. ولا فرق بين القصور الأثرية والأبراج. فتهدم القصور التاريخية لأن ثمن الأرض التي بنيت عليها هذه القصور أغلى من ثمن القصور نفسها. وفي الوقت نفسه الذي يُباهي فيه بالقاهرة الفاطمية أو القاهرة الخديوية تبنى الأبراج في الأراضي الخالية بدلا من الحدائق، لأنها أكسب وأغلى من القصر القديم. فلا مكان لتاريخ مصر. أصبحت الحياة لا قيمة لها. ويمكن قتل الأولاد والآباء والأمهات والأقرباء والأصدقاء والجيران على أتفه الأسباب ثم الانتحار. وفي الأغاني الشعبية يغني الحبيب لمحبوبته «ابني لك قصر عالي»، وأيضا في التمنيات «ربنا يعلي مراتبك». ولسيد درويش أغنية مشهورة «عشان ما تعلى وتعلى وتعلى، لازم تطأطئ تطأطئ تطاطئ». فشرط المعلوم هو طأطأة الرأس لصاحب الرشوة وآليات الفساد. وبناء الأبراج ناتج عن تصور شعوري للحداثة، أو لاشعوري للمباهاة والفخر. فقد شاهد المهندسون أبراج دبي في الخليج التي تريد تقليد ناطحات السحاب في مانهاتن. فلماذا تكون دبي أقل من نيويورك. وقد اضطرت مانهاتن لبناء الأبراج لضيق الأرض وكثرة المطالب البنكية والإدارية عليها. أما عندنا وفي الخليج فالأراضي متسعة، صحراء جرداء. تحتاج إلى من يعمرها. أبراج مانهاتن تصعد طولا إلى السماء، أما أبراجنا فتترك الأرض السمراء عرضا وتصعد طولا».
فوق الكل ربنا
الرئيس قال في مؤتمر الشباب، إنه «جالس فوق وشايف كل حاجة». وهو الأمر الذي أثار اهتمام محمود سلطان في «المصريون»: «يقصد أن رؤيته هي الأفضل، لأنه بحكم موقعه كرئيس للجمهورية، يعرف كل صغيرة وكبيرة عن البلد، ولكنها عبارة كاشفة ومخيفة في آن، لأنها تتضمن نزعة مطمورة لقمع أي رغبة في مناقشة أو نقد سياسات الرئيس. فإذا لم نقتنع بما يقول، فلا خيار آخر إلا التسليم به، لأنه «جالس فوق وشايف كل حاجة أفضل مننا». العبارة التي وردت على لسان الرئيس، تستبطن مقولات التراث الشعبي: «أنت ها تعرف أكثر من الحكومة؟» وهي عبارة تستخدم عادة لقمع تساؤلات الطرف الآخر، ولا تقال إلا عند «الزنقة» والرغبة في إنهاء الحوار والتهرب من الإجابة على الأسئلة. عبارة الرئيس، تبريرية فلا أحد يسأله مثلا ـ والحال كذلك ـ عن أسباب تجاهله لحكم أعلى سلطة قضائية، بمصرية تيران وصنافير، وإحالتها للبرلمان للتصديق عليها.. ولا استبعاد المستشار يحيى دكروري من توليه منصب رئاسة مجلس الدولة، وغيرها من قرارات كبيرة وخطيرة صدرت من الاتحادية منفردة. علينا أن نسلم بأنها عين الحق وما دونها هو الباطل، لأنه ـ أي الرئيس ـ جالس فوق وشايف كل حاجة أفضل مننا». في السياق، قال الرئيس إنه توجد «إنجازات» أخرى، لا يريد الكشف عنها الآن لأسباب معينة، ولا نعرف ما هي تلك الأسباب التي اعتبرها ـ مرحليا ومؤقتا ـ سرية، فيما نشرت كل الصحف المقربة منه، أسرارًا عسكرية دقيقة، بشأن قاعدة محمد نجيب العسكرية، التي افتتحها الرئيس، منذ أيام قليلة. الإنجازات «السرية» تلك.. تعتبر أيضًا كاشفة، لمركزية الرئيس ومنزلته العلوية، التي تجعله وحيدًا يقرر بدون الرجوع إلى المؤسسات»
إحلم براحتك
الحديث عن مؤتمر الشباب الذي عقد في الإسكندرية ما زال مصدر اهتمام الصحف، ويرى دندراوي الهواري في «اليوم السابع»: «لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي، للإجابة على أسئلة المواطنين التي أرسلوها، عبر موقع مؤتمر الشباب، وبلغت 300 ألف رسالة. سيطرت على إجابات وردود الرئيس حالة من البهجة والتفاؤل، وتصدير الأمل من خلال رصد أرقام الإنجازات الضخمة التي تحققت على الأرض، والتي سيعلن عن تفاصيلها بالكامل في نهاية يناير/كانون الثاني 2018، ما انعكس أيضا على تصدير طاقة إيجابية للشارع. الرئيس تحدث عن الاحتياطى النقدي الذي اقترب من رقم 35 مليار دولار، ما يعني أنه اقترب كثيرا من أعلى رقم وصل له الاحتياطي النقدي لمصر عبر تاريخها، وهو 37 مليارا في عهد مبارك، الذي استمر 30 سنة كاملة في الحكم. الرقم الذي وصل له الاحتياطي النقدي له دلالات بالغة الأهمية، منها أن مصر، ورغم ما واجهته من إعصار تخريبي ومؤمرات تحاك في الخارج والداخل، وتواجه حربا ضروسا ضد الإرهاب الهادف لإسقاطها، ووسط انهيار للقطاع السياحي، فإنها تمكنت من العبور وتجاوز المحنة، وتقترب من الوصول إلى رقم 37 مليار دولار الذي وصلت إليه قبل ثورة يناير. السيسى الذي سيطرت عليه روح البهجة، وحالة الاطمئنان وروح الدعابة والتفاؤل في إجاباته على أسئلة المواطنين، أعطى صورة حقيقية عن مصر المستقبل، التي تسير بخطى سريعة نحو التقدم والازدهار، وأنه لن يرتضي أن يكون حجم الاحتياطي النقدي لمصر 37 مليار دولار، وإنما 350 مليار دولار، مثلما أكد في جلسة الصراحة مع الشباب وكبار رجال الدولة».
أسئلة مشروعة
ومن بين المنتقدين لمؤتمر الشباب النائب هيثم الحريري الذي انتابته الصدمة لعدم توجيه الدعوه له للمشاركة في الفعاليات وفقاً لـ«مصر العربية»: «حيث أني لم أتلق دعوة لحضور مؤتمر الشباب الذي سيعقد في الإسكندرية.. فإني أوجه مجموعه من الأسئلة لرئيس الجمهورية. لقد أعلنت من قبل سعادتي بتواصل مؤسسة الرئاسة المباشر مع الشباب، وما نتج عن هذا من قرار بالعفو عن بعض المسجونين من الشباب. بداية لا أحد يعلم ما هو معيار الإفراج عن الشباب؟ ولكـــــن الأهم والأخطر ان عشرات الشباب تم القبض عليهم وتلفيق الاتهامات لهم، ومنهم عشرات من شباب الإسكندرية الذين شاركوا في ثورة يناير/كانون الثاني، يونيو/حزيران، ولكنهم أعلنوا رفضهم التفريط بتيران وصنافير، مصرية على وسائل التواصل الاجتماعي. هل هذا يستحق حبسهم لسنوات وتغريمهم عشرات الألوف من الجنيهات؟ مؤسسة الرئاسة مطالبة بتنفيذ قرار العفو عن كل الأبرياء في السجون بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية السلمية».
عيب يا لؤي
لؤي شاب طرح أمام الرئيس سؤالاً عن إنجازاته التي حققها، كي يتم انتخابه مجدداً، وهو الأمر الذي أثار غضب الكثيرين من بينهم صبري غنيم في «المصري اليوم»: «والله عيب.. عيب أن يخرج شاب من المفترض أنه مثقف جدا ولذلك اختير ضمن مجموعة الشباب المنتقاة للحوار مع الرئيس، ثم يطرح سؤالا على الرئيس وهو يعلم أنه سؤال مستفز لأن إجابته لا تحتاج إلى الرئيس، كون أن يتجاهل هذا الشاب الإنجازات العملاقة ويسأل الرئيس قائلا «انت وعدتنا بتحسن الأمور بعد 6 شهور والوضع ثابت.. ثم قلت ادوني سنتين ومفيش تحسن برضه.. امتى الوضع هيتحسن». السؤال في حد ذاته لا يطرحه عاقل، إلا إذا كان مغيبا عن الإنجازات التي تحدث على أرض مصر.. أقول هذا ليس دفاعا عن الرئيس لأنني اكتشفت بعد حوارات الرئيس مع الشباب في مؤتمرهم الوطني، أن هذا الرجل خسارة فينا نحن المصريين. الذى أثلج صدري أن الرئيس استقبل السؤال بنوبة من الضحك، وهو يقول للشاب صاحب هذا السؤال «يعني ما شفتش حاجة خالص».. وأخذ الرئيس يتكلم ويؤكد أنه لم يكن هناك بديل عن إجراءات الإصلاح الاقتصادي، والحق معه يوم أن قال إن أي مسؤول يتردد في اتخاذ القرار الصح من أجل الإصلاح الاقتصادي، يعد خائنا للوطن. وسكت الرئيس قليلا ثم فجّر عدة قنابل ليذكر كل من في داخله هذا السؤال بالإنجازات التي تحققت في عصره.. الأولى كانت عن منظومة الكهرباء وكيف كنّا نعيش في أزمات قبل ثلاث سنوات في انقطاع التيار الكهربائي عن البيوت والمصانع والمستشفيات، وكم من أطفال ماتوا في الحاضنات بسبب انقطاع الكهرباء.. مقاومة الالتهاب الكبدي الوبائي «فيروس سي» الذي كان منتشرا وشبكة الطرق، التي أقيمت في عهده».
إن بعد العسر يسرا
ومن بين أبرز المتفائلين بالمستقبل محمد بركات في «الأخبار»: «دون مبالغة لا حاجة لنا بها، نستطيع التأكيد على الأهمية الكبيرة للمشهد الذي جرى في الإسكندرية خلال اليومين الماضيين، وتابعناه جميعا منطلقا من مكتبة الإسكندرية، ذلك الصرح الحضاري والثقافي والتنويري الضخم، حيث انعقدت جلسات المؤتمر الوطني الرابع للشباب تحت رعاية وبحضور الرئيس ووجود الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، وبمشاركة فاعلة وإيجابية لأكثر من ألف وخمسمئة شاب يمثلون الشرائح والقطاعات الشابة في الأحزاب والبرلمان والجامعات وهيئات المجتمع المدني في محافظات غرب الدلتا. وما وتابعناه على الهواء مباشرة يؤكد حقيقة أن المؤتمر أصبح بالفعل مساحة لمناقشات واعية وجادة لكل القضايا والموضوعات التي تشغل الداخل المصري، هي بالفعل موضع اهتمام الجميع نظرا لاتصالها المباشر بحياة الناس وواقع ومستقبل الوطن.
وما يبعث على الثقة والتفاؤل أيضا ما لمسناه من الحرص البالغ لدى الجميع على المصارحة والمكاشفة والجدية في العرض، وإبداء الرأي وشرح حقيقة الواقع، بدون تزيّد أو محاولة للتجميل، أو إعطاء صورة مغايرة من جانب الوزراء والمسؤولين، وذلك توجه جاد وإيجابي يستحق التنويه والإشادة، كما انه يبعث على الثقة ويدفع بالشباب للمشاركة الفاعلة في تغييرالواقع وتقديم الرؤى في صناعة المستقبل. وفي هذا السياق بات واضحاً أن المؤتمر أصبح بالفعل ملتقى جادا للحوار الصريح والأمين وجسراً للتواصل بين الشباب والمسؤولين في الدولة، من خلال جلساته التي شهدت نقاشا وحوارا إيجابيا حول كل القضايا والموضوعات المهمة المدرجة على أجندة الوطن، التي تشغل فكر وعقل عموم المواطنين، وقد نجح المؤتمر في أن يصبح بالفعل جسراً للتواصل الصريح والإيجابي والفاعل بين الشباب والدولة يضعهم في مقدمة المسيرة الوطنية للبناء والتنمية وقيام مصر الحديثة القوية بإذن الله».
أمل كاذب
الحرب على نظام التعليم تتزايد ومن بين المشاركين أحمد عبد التواب في «الأهرام»: «لا جديدَ في وعد وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقي عن استهداف القضاء على كارثة الدروس الخصوصية، فقد قالها كلّ من تولى المسؤولية قبله، ولكنه أصاب حقاً عندما أعلن عن التزامه بعدم اتخاذ أي قرار إلا بعد دراسة وحوار مجتمعي. والحقيقة أننا في أمسّ الحاجة إلى تعزيز قاعدة إجراء حوار مجتمعي حول الكثير من القضايا قبل البتّ فيها بقرار. هذا الكلام هذه المرة يُبشِّر بأمل في إمكانية التوصل إلى بداية سليمة لإمساك طرف خيط قضية تعاظمت تبعاتها بعد أن مسَّت ملايين التلاميذ وأسرهم، ومعهم جيش هائل من المعلمين، تصل أعدادهم في بعض الإحصائيات إلى نحو مليون ونصف المليون معلم، ولم يعد هنالك من يجادل في أن الأغلبية منهم تعطي دروساً خصوصية، رغم أنها مُجرَّمة قانوناً. ومن تعقيدات القضية، أن الظاهرة سادت واستقرَّت عبرَ عقود حكم مبارك، وبات جميع الأطراف يتعاملون معها وكأنها من طبائع الأشياء، بعد زمن كان التلاميذ فيه يعايرون زميلهم إذا لجأ إليها، وكان المعلم يداريها كتهمة مشينة، ثم جاء عهد مبارك ليتفرج المسؤولون الكبار على انهيار العملية التعليمية، ولتصير المدرسة، عملياً، مصيدة للزبائن من التلاميذ يأتون بأنفسهم بدلاً من أن يبذل المعلم جهداً في البحث عنهم وسط زحام السكان. ثم نأتي لنقطة شديدة الأهمية، وهي أن هنالك مكاسب موضوعية قد تحققت للمعلمين عبر عقود، وليس من المتوقع من هؤلاء أن يستجيبوا بسهولة لسياسة جديدة تنتقص من مكاسبهم، في ظرف لم تعد الرواتب الرسمية توفر الحد الأدنى، ومن المؤكد أن اللجوء للعقوبات لن يجدي».
ماذا لو راجعت أمريكا موقفها؟
كثيرا ما سأل صلاح منتصر نفسه كلما هلت ذكرى ثورة يوليو/تموز: «ماذا لو أن واشنطن لم تركب رأسها ولم تقف الموقف المتعنت الذي وقفته ضد عبد الناصر متعمدة إهانته بالطريقة التي فعلتها؟ ويتابع الكاتب في «الأهرام»: ألم يكن الممكن أن يتغير التاريخ؟ ولأن « لو» حرف استحالة فالذي حدث أن مصر كلها أصبحت على نار في انتظار ما سيفعله عبد الناصر ردا على صفعة أمريكا. ولهذا عندما أعلن عبد الناصر قرار تأميم قناة السويس يوم 26 يوليو 56 لم نحسب يومها مكاسب وخسائر عملية التأميم، وأننا سنسترد القناة بعد 12 سنة، وإنما كان الحساب على أساس أنها معركة كرامة تهون في سبيلها أي تضحيات.
ومن ثاني يوم بعد إعلان قرار التأميم، أصبحت مقيما بين الإسماعيلية وبورسعيد، ممثلا لمجلة «آخر ساعة» في تغطية الحدث الكبير، الذي توافد بسببه ممثلو إعلام العالم، بعد أن أصبح الرهان على أن مصر ستفشل في إدارة القناة. وأكتب عن سبق حققته فقد تصادقت مع مصور صحافي سويدي اسمه أندرسون وعن طريقه حضرت اجتماعا للمرشدين الفرنسيين والإنكليز عقد في ناديهم في بورسعيد، وعلى مائدة للعبة «البنغ بونغ» وقعوا استقالاتهم.
وأبلغت الإدارة المصرية التي استعدت للمفاجأة واستدعت مجموعة من ضباط البحرية المصرية لتحل مكان المرشدين المستقيلين.. ولم يكن متصورا أن يصل الأمر ببريطانيا وفرنسا بعد نجاح مصر، أن تدبرا غزوا تبدؤه إسرائيل باحتلال سيناء، تتظاهر فيه إنكلترا وفرنسا بقلقها لوصول إسرائيل إلى قناة السويس، فتوجه إنذارا لمصر وإسرائيل تطلب منهما الانسحاب إلى عشرة أميال شرق وغرب القناة. وترفض مصر الإنذار وتسقط إنكلترا وفرنسا قواتهما في القناة وتعيش بورسعيد أمجد أيامها»
حسام عبد البصير