هل تخص قضية قبرص الأتراك فقط أم كل المسلمين؟

انتهت قبل أيام جولة مباحثات سياسية في سويسرا بين طرفين من سكان قبرص، هما الطرف التركي المسلم الذي يحكم شمال قبرص، والطرف المسيحي الذي يحكم جنوب قبرص، وكانت المباحثات قد بدأت يوم 28 يونيو الماضي، وانتهت بعد 8 أيام من المحادثات الرامية للتوصل إلى حل شامل في الجزيرة، بمشاركة القبارصة الأتراك واليونانيين، إضافة إلى الأطراف الضامنة وهي تركيا واليونان وبريطانيا والأمم المتحدة.
الوضع الحالي لجزيرة قبرص قائم منذ عام 1974، عندما نفذت تركيا حملة عسكرية لإحلال السلام في قبرص في 20 يوليو عام 1974، بعد أن شهدت الجزيرة انقلابًا عسكريًا قاده نيكوس سامبسون، على الرئيس القبرصي مكاريوس، بدعم من المجلس العسكري الحاكم في اليونان، وقد جاء التدخل العسكري التركي في ذلك الوقت للدفاع عن حقوق المواطنين القبارصة الأتراك، بعد فترة من استهداف المجموعات المسلحة اليونانية لسكان الجزيرة من الأتراك، بدءًا من مطلع عام 1963 حتى عام 1974، وقد انتهت الحملة في 22 يوليو بوقف لإطلاق النار. وأطلق الجيش التركي حملة ثانية في قبرص، في 14 أغسطس 1974، انتهت بتوقيع الطرفين على اتفاقية تبادل للأسرى بين الجانبين بتاريخ 16 سبتمبر 1974، وتم تأسيس «دولة قبرص التركية الاتحادية»، في الشطر الشمالي من جزيرة قبرص، وفي 15 نوفمبر 1983، أصبح اسم الدولة «جمهورية شمال قبرص التركية».
ومنذ ذلك التاريخ جرت عدة جولات من المباحثات بهدف توحيد الجزيرة سياسيا بما يكفل حقوق كافة سكانها، ولكنها لم تحقق نجاحاً حتى الآن، وبما أن حال قضية القبارصة الأتراك كحال القضايا الإسلامية الأخرى، من قضية فلسطين إلى كشمير إلى الروهينغا إلى غيرها فإن بقاء القضية القبرصية دون حل يعني ضياع حقوق المسلمين الأتراك فيها، ولكن ولاعتبارات دولية وبسبب طبيعة الحكومة التركية العلمانية عند نشوء القضية القبرصية، لم تدخل القضية القبرصية ملف القضايا الاسلامية العالمية، وأعطيت أبعاداً قومية منذ ذلك الوقت، وتم الحديث عن قبارصة أتراك وقبارصة يونانيين، ولذلك فإن مباحثات القضية القبرصية ومنذ عقود بقيت في بعدها القومي اولاً، وفي بعدها الاستعماري ثانيا، حيث ان بريطانيا هي من الدول الأساسية المشاركة في إيجاد حل سلمي، كونها الدولة التي استعمرت الجزيرة بعد احتلالها وإنهاء الحكم العثماني فيها.
الموقف التركي الرسمي والشعبي متحد، وعبر عنه الرئيس التركي أردوغان بعد انتهاء مباحثات سويسرا الأخيرة بالفشل قائلاً:» إنّ بلاده لن تظل مكتوفة الأيدي حيال بقاء أتراك جزيرة قبرص ضحية لحالة غياب الحل القائمة في الجزيرة»، جاء ذلك في رسالة بعثها أردوغان إلى نظيره القبرصي مصطفى أقينجي، بمناسبة الذكرى السنوية الـ43 لحملة السلام في جزيرة قبرص، حسب المركز الإعلامي للرئاسة التركية، وقد هنّأ أردوغان نظيره القبرصي وأتراك الجزيرة، بمناسبة الذكرى السنوية الـ43 لحملة السلام، وأكّد على أنّ أتراك قبرص أبدوا رغبتهم في التوصل إلى سلام عادل وشامل في الجزيرة في كافة المحافل الدولية».
أما وجهة النظر التركية لما جرى في سويسرا في المباحثات بين القبارصة الأتراك واليونانيين، فهي كما عبر عنها الرئيس أردوغان قائلاً في هذا الخصوص: «القبارصة الأتراك أظهروا نواياهم الحسنة ورغبتهم في التوصل إلى حل عادل وشامل، خلال المباحثات الأخيرة، لكن المواقف التي تبنّاها الجانب اليوناني كانت خالية من الرغبة في تحقيق السلام». وأكّد أردوغان:» أنّ تركيا كانت وستظل إلى جانب أتراك جزيرة قبرص، وستدافع عن حقوقهم المشروعة في كافة المحافل الدولية، وأنّ أنقرة ستظل الضامنة لأمن وسلامة الجزيرة وشرق البحر الأبيض المتوسط».
كما عبر عن الموقف التركي نفسه رئيس الوزراء بن علي يلدرم معلقا على مباحثات سويسرا: «إن وفدي بلاده وجمهورية شمال قبرص التركية قاما بعمل جيد خلال مؤتمر سويسرا الأخير حول قضية قبرص، وكشفا عدم جدية قبرص اليونانية في التوصل لحل»، وشدّد يلدريم على أن بلاده ستستمر في العمل:
1ـ لتقوية قبرص التركية وتحقيق الرفاه لشعبها.
2 ـ تعريف العالم بقضيتها.
ولم يبين الطريقة التي سوف تقوم بها الحكومة التركية بتعريف العالم بالقضية القبرصية، فالقضية وهي في بعدها الأوروبي وداخل الاتحاد الأوروبي لم تؤد إلى نتيجة حسنة ولا مقبولة لدى القبارصة الأتراك، لأن التحيز الأوروبي واضح نحو القبارصة اليونانيين، فهم جزء منهم ويحملون هويتهم الدينية والثقافية والحضارية، بينما القبارصة الأتراك لا يجدون غير الجمهورية التركية تتبنى قضيتهم وتدافع عنها، والحكومة التركية لا تزال حتى الآن تتعامل مع القضية في بعدها القومي فقط، بينما حقيقة الخلاف في القضية القبرصة هي هوية سكان قبرص التركية، التي تم تقسيم السكان على أساسها، وهي الهوية الدينية الإسلامية، وهذا يتطلب أن تتجاوز الحكومة التركية موروث الحكومات التركية السابقة، التي فصَّلت مقاسات القضية القبرصية منذ عام 1974 وقبلها وبعدها في مقاسها القومي التركي واليوناني فقط، وعندما يقول رئيس وزراء جمهورية قبرص التركية أوزغورغون:» إن شعب قبرص التركية بيّن بشكل واضح أنه لا يمكن التوصل لحل:
1ـ بدون تطبيق مبادئ المساواة والحرية.
2 ـ وبدون دور ضامن فعال لتركيا «الوطن الأم».
فإنه يعبر بذلك عن الطريق المطلوب لإيجاد حل، وهو البحث عمن يشارك القبارصة الأتراك مبدأ الوطن الأم، بكل مقوماته القومية والدينية والثقافية والتراثية والتاريخية والحضارية، وهي الأمة الاسلامية التي تبلغ نحو ملياري إنسان مسلم في الكرة الأرضية، وتمثلها دول منظمة التعاون الإسلامي في أكثر من خمسة وخمسين دولة، فضلا عن الجاليات الإسلامية المنتشرة في كل أنحاء العالم، فهذا هو الانتماء الأوسع لدعم القضية القبرصية والتعريف بها وتأييدها، فنسبة المسلمين 99% من سكان جمهورية قبرص التركية، وهي نسبة المسلمين نفسها في الجمهورية التركية الأم، وأثر هذه النسبة على دخول تركيا للاتحاد الأوروبي غير خافية على أحد. ولعل في انتصار الشعب الفلسطيني المقدسي الأخير على الاحتلال الإسرائيلي مثالا حيا على قوة أثر الدعم من العالم الاسلامي على كسب أية قضية إسلامية، فالحكومة الاسرائيلية لم تحتمل الضغط الفلسطيني الداخلي والتأييد الاسلامي الخارجي لإبقاء البوابات الالكترونية في المسجد الأقصى لأكثر من ثلاثة عشر يوماً، واضطرت مذعنة لإزالتها، لأن الشعب الفلسطيني فرض إرادته على قيادته أولاً، ولأن تأييد الشعوب المسلمة في كل انحاء العالم فرضت على العالم التدخل لإحقاق الحق، وفتح المسجد للصلاة فيه كما يريد الفلسطينيون أنفسهم.
إن كل القضايا الاسلامية التي يتم تناولها مجزأة لا يمكن ان تحقق انتصارها ولو في المجال السياسي فقط، فعندما يقول الرئيس التركي أردوغان إن إسرائيل حاولت ان تفرض رؤيتها للقدس على مليار وسبعمئة مسلم، يعني أن التحدي الإسرائيلي هو أمام مليار وسبعمئة مليون مسلم، وأن إسرائيل تستمد قوتها من تشتت المسلمين، فهذا ينطبق على كل القضايا الاسلامية العالمية، وهذا ما يجب أن ينطبق على كل القضايا الاسلامية في العالم، فأمن المسجد الأقصى يمكن تحقيقه طالما تمت أسلمة القضية، وأخذت دعمها من الأمة الاسلامية كاملة، وكذلك ينبغي أن يتم تناول كافة القضايا التي يشكل الهوية والدين الإسلامي ركنها الأساسي، فقضية الأتراك في قبرص يلعب الإسلام دورا أساسيا فيها، لأن الهوية الدينية والحضارية للقبارصة الأتراك هي الاسلام، والحديث عن الهوية الاسلامية للقضية القبرصية لا يعني إلغاء الهوية القومية التركية، ولا الدعوة إلى تحويلها لصراع ديني، وإنما لكي تأخذ التأييد من الأتراك ومن كافة المسلمين والدول الإسلامية في العالم، وبالأخص على المستوى الدولي الدبلوماسي، وعلى المستوى الشعبي الاسلامي في كل العالم الإسلامي، فعدم الاعتراف الدولي بجمهورية قبرص التركية تتحمل مسؤوليته دول العالم الاسلامي أولاً، ولكن ذلك لا يمنع من تقديم الدعم السياسي من كافة دول العالم الاسلامي لحماية حقوق المسلمين من سكان الجزيرة القبارصة، وهم القبارصة الأتراك، بما يحفظ حقوقهم المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
كاتب تركي

هل تخص قضية قبرص الأتراك فقط أم كل المسلمين؟

محمد زاهد جول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية