حين أسمع كلمة ثقافة، أطلق صمام الأمان في مسدسي البراوننغ، شاعت هذ المقولة الشهيرة بعد أن حُورت بصيغٍ مختلفة من عينة مددت يدي إلى مسدسي، أو كما شاعت بالعربية تحسست مسدسي، ونسبت خطأً إلى غوبلز وزير البروباغندا النازي وهاينريش هيملر إلى غيرهما من أعمدة النظام النازي، ممن تفوقوا على أقرانهم الكُثُر من عتيدي الإجرام في ذلك النظام العفن، والمقولة في حقيقة الأمر جاءت على لسان أحد شخوص مسرحيةٍ لكاتبٍ نازي مجرم مثلهم تماماً، ثوى في مزبلة التاريخ الواسعة بعد سقوط هتلر.
تحضرني هذه المقولة كلما أخفى النظام صحافياً اخفاءً قسرياً، كما هي الحال مع إسماعيل الإسكندراني وهشام جعفر، على سبيل المثال لا الحصر أو حجب موقعاً إخبارياً، ولما كان هذا يتكرر كثيراً وبصورة متقاربة، فلست أبالغ إذا ما أكدت أن هذه المقولة لا تبرحني طويلاً. آخر المواقع المحجوبة كان موقع «بالأحمر» الذي اختار لنفسه شعاراً: نفهم العالم لنغيره، هذه المرة أضيف إلى غضبي من الحجب دهشةٌ عميقة، ولست بحاجة إلى الاستفاضة في تفسير مبعثها، إذ تكفي قراءة الصياغة الدقيقة التي عبر بها المشرفون على الموقع وكتابه، عن ما يرونها مهمته ورؤيته، منصة غير حزبية للحوار والتفاعل والإبداع في مختلف مجالات الفكر والسياسة والثقافة، منطلقها مبادئ الثورة المصرية والثورات العربية في الحرية والعدل الاجتماعي والكرامة الإنسانية، سلاحها النقد الثوري الحازم لكل ما هو قائم، فكرا وبنى وممارسة، مبتغاها ديمقراطية حتى النهاية، والاطلاع على أي مقالٍ مطولٍ من العينة التي ينشرها أو متابعة الطبيعة النظرية المتعمقة (شبه الأكاديمية في أحيان كثيرة) لكثيرٍ من مواضيعه أو مترجماته عن المجلات الأجنبية لتدرك ما أعني.
فما الذي يضير ويزعج ضباط الأمن في مصر من موقعٍ كهذا؟ أهي محاولة الفهم أو السعي والتوق للتغيير؟ هل هي نكهته اليسارية؟ ثم هل يفهمون أصلاً محتوى المواضيع والمقالات والقصص المنشورة والمترجمة؟ وهل يمتلكون من طول النفس ما يمكنهم من متابعتها؟ أكاد أجزم بالنفي. لكن الكثيرين من العالمين ببواطن وغياهب الأمن من المثقفين والمهتمين والمشتغلين في المجال العام، ممن لهم خبرةٌ طويلة وباعٌ في العمل السياسي، ومن استضافتهم المعتقلات طويلاً في شتى المراحل، يجيبون على هذا الاستفسار بأن الضباط يعتمدون على مثقفين مزعومين من صغار الكتبة، مخبرين بالوصف البسيط البلدي؛ وبذا يضرب النظام أروع دليل على سعيه الدؤوب لتضافر شرائح من قوى الشعب العامل، فيغدو الأمن والمخبرون (وقبل ذلك اللجان الإلكترونية) يداً واحدة ضد الثقافة والإبداع ومحاولة الفهم، ويخطو بنجاح صوب اصطناعه قاعدةً شعبية من البصاصين والجواسيس والمندسين، حيث يغدو المواطن المخبر الجهول عدو الثقافة على أرضية المحافظة الدينية، وعدو الإخوان على أرضية إسمعوا وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم، وعدو كل من يناصبه النظام العداء، على حسب تغير المواسم، يغدو ذلك المسكين هو المواطن النموذجي.
بيد أن هاتفاً يصيح في داخلي واحتجاجاتٍ تصلني من كثيرٍ من الأقارب، ومن كانوا أصدقاء بأن الصورة لا يمكن أن تكون على هذه القتامة وأن ثمة إنجازاتٍ لا بد أن تذكر، وإلا كنت سوداوياً متشائماً وغير محايد، فالإنصاف يقتضينا مثلاً أن نرى ذلك النزر اليسير، الذي يملأ الكوب فنذكر الإيجابيات، إذ لا ريب أن الأمثلة التي ذكرنا سابقاً: غوبلز وهيملر وموسوليني إلى غيرهم من فطاحل الإجرام، يثبتون أن النظام المصري لم يأت من فراغ، وأنه يستلهم تجارب سابقة أوروبية، أنحن أكثر تطوراً من ألمانيا مثلاً؟ وبالتالي فإنه إذ يحاكي تلك السياسات من القمع وقبل كل ذلك الكذب ثم الكذب حتى يصدق الناس (والنظام في حالتنا هذه) الكذبة، فإن ذلك بمثابة تأسيس نظري من نوعٍ ما (وربما من دون قصد) تؤكد أن هناك فكراً وراء ممارساتهم وسياساتهم العفوية الكارثية (يحب الضباط جداً أن توصف أنظمتهم بأنها صاحبة فكر، ربما تلبيةً لشعورٍ عميقٍ مؤلمٍ بالنقص واستجابةً لرغبةٍ ملحة بالتعويض) بل وللتأكيد على استمرارية ممارسات النظام واتساقه مع ذاته، يذكرونني بصلاح نصر والمعتقلات طيلة الستين سنة الماضية، وأن حرية التعبير المكلفة ليست بدعة مقصورة على مصر، مستحضرين مقولة عيدي أمين بأن هناك حرية تعبير، ولكنه لا يستطيع ضمان الحرية بعد التعبير، في محاولةٍ أخرى للتأصيل وإثبات انفتاح مصر على عمقها الإفريقي.
للحق، ضعفاً مني واستجابةً لنوازع الوطنية والحاجة إلى التفاؤل أكاد أميل إلى إغراء التصديق في أي منطق أو ضرورة أو كفاية في تلك الممارسات على ما في ذلك من خداعٍ للنفس أدركه قبل غيري، إلا أن تلك الرغبات الغامضة لا تصمد طويلاً.
فما لا يدركه النظام ولا تدركه أبواقه الإعلامية عالية الصوت كثيرة الضجيج هو أن الزمن تغير. مضى زمن «مُقرَّر» الحكومة والرواية الرسمية، مضى زمن الزعيم الأوحد والتنظيم الوحيد والصحافي الأوحد، مضى زمن احتكار المعرفة والحقيقة.
ولما كان النظام رثاً، فإنه لا يدرك أن ثورة الاتصالات، بما لها وما عليها، لم تعد تتيح حجب الحقائق لفترةٍ طويلة، واحتكار القدرة على تسييد سرديةٍ واحدة لا يتحداها أحد.
يتحسرون جميعاً على قوة مصر الناعمة، وتأثيرها، بينما لا يعرفون أسلوباً سوى الحجب والاعتقال والضرب، يتعاملون مع عالمٍ متغير بأساليب قرون مضت، جاهلين أنه وإن كان الاستلاب والاستغلال مازالا السمة الرئيسية للعالم، فإن وسائل سيطرةٍ حديثة، أكثر ذكاءً ومواربةً صارت تستخدم.
لا يلوح في الأفق أدنى مؤشر على فهم النظام لطبيعة العالم المتغيرة، ولا أي نية جادة للانفتاح السياسي أو التخفيف من غلظة قبضته الأمنية، بل العكس هو الصحيح، إذ تحت غطاءٍ من عدم مبالاة الغرب، الذي لم يعد يشغله سوى الإرهاب الذي أوصل قياداته الحالية إلى قناعة بأن هذه الأنظمة هي الأنجع في مواجهته (بما تحمله تلك السياسة من نظرةٍ استشراقيةٍ استعلائية)، فإن النظام لا يرى الحاجة إلى التغيير، بل يخشى أي حديثٍ عن ذلك.
نظامٌ طبيعته كهذه لا يرى في فهم العالم والحوار والتفاعل والفكر النقدي الحازم، إلا صداعاً وكلام أفندية وأراذل، كما كان الرئيس المؤمن السادات يصفهم فقط، ولا يكتفي بمناصبة الثورة المصرية والثورات العربية عداءً متأصلاً، انطلاقاً من مصالحه وانحيازاته الاقتصادية – الاجتماعية فحسب، بل هو يشعر بخوفٍ غامضٍ يواكب ذلك، يرى أن السماح بمساحة التعبير تلك من منطلق «خليهم يتسلوا»، التي عبر بها المخلوع عن عدم اكتراثه، هي ما سهل وساعد على إضرام حراك يناير الثوري، وإنهم وإن لم يفهموا الكثير (إن لم يكن كل) ما يكتب فإنهم يخشونه ويناصبونه العداء ويتحسسون مسدسهم، مثبتين بذلك المقولة الشهيرة التي لم يعفُ عليها الزمن في منطقتنا المنكوبة: الإنسان عدو ما يجهل.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل