تَحَرَك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الملف الليبي فاهتزت شباك الأوروبيين عموماً والإيطاليين خصوصاً، لاسيما بعدما تحولت «وساطة باريس» في جمع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج والقائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، مادة سجالية في قلب روما.
إيطاليا المستعمر القديم كسبت في السنوات الماضية حيزاً من الملف الليبي نتيجة عوامل عدة، تبدأ من مسألة «الهجرة غير الشرعية» من السواحل الليبية إلى أوروبا المعنية بها مباشرة، وتمر بنجاح المستشار الأمني الأممي للدعم في ليبيا الجنرال الإيطالي باولو سيرا بنسج روابط متينة مع المجموعات المسلحة في غرب ليبيا، ولا تنتهي عند العلاقات الوثيقة التي تربطها بمصراتة حيث لعب ممثلها السياسي رجل الأعمال أحمد معيتق دوراً رئيسياً فيها. لكن هذا التأثير الإيطالي في الغرب الليبي لا يمتد إلى شرقها وجنوبها حيث لفرنسا حضورها وتأثيرها
بفعل تماسه المباشر مع مناطق نفوذها التقليدي في الساحل الافريقي.
هي لعبة تنافس إيطالية- فرنسية منذ ثورة 17 شباط/فبراير 2011، رغم كثرة اللاعبين على المسرح، يقول مراقب ليبي. غير أنه لا يزال من المبكر الجزم أن باريس نجحت حيث أخفقت روما، رغم أن هناك من يعتقد أن الظروف الراهنة تُوفّر لـ «الوساطة الفرنسية» فرصة أكبر لتسجيل «اختراق ما» في الأزمة الليبية بما يعبّد الطريق أمام إنجاز التسوية السياسية.
في رأي متابعين ليبيين أن الإيطاليين لم يأخذوا في الاعتبار قوة القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر، ولم يخلقوا آليات فعلية إتصال به، فيما الفرنسيون أنطلقوا من فَهْم أشمل وأكثر واقعية للوضع الليبي. فكان أن مهّدوا داخلياً لمبادرتشهم بحركة اتصالات مع مختلف الأطراف المحليين، والتي تأتي في وقت أرهقت فيه جميع القوى بما يجعلها تخفّض من شروطها ومن توقعاتها، كما أعطى تعيين الممثل الخاص للامم المتحدة غسان سلامة دفعاً لباريس التي جاءت رعايتها للقاء السراج- حفتر استكمالاً للقاء أبو ظبي بين الطرفين في أيار/مايو الماضي، وتأكيدأ على الاتفاق السياسي الذي يعرف بـ»اتفاق الصخيرات» الموقع في كانون الأول/ديسمبر 2015.
وينظر أحد المعنيين السابقين بالملف الليبي إلى لقاء باريس من زاوية أن ماكرون يسعى إلى لعب دور بعد سنوات من إنخراط محدود في ليبيا، معتبراُ أن اللقاء لم ياتِ بأفكار جديدة، ومستبعداً رؤية نتائج سريعة له على الأرض، متوقفاً عند الأجواء التي ترافقت مع خطوة ماكرون، والتي تشي أنه لم يُنسق مع أحد، وهذا خطأ كبير، ذلك أن ضمان نجاح هذه المبادرة يحتاج إلى جهود إيطاليا التي تمتاز بنفوذ وتأثير أكبر في هذا البلد.
فما نٌقل عن وزير الخارجية الإيطالي أنجلينو ألفانو تعليقاً على المبادرة الفرنسية من أنه «يوجد الكثير من الصيغ في ليبيا، والكثير من الوسطاء والكثير من المبادرات، تلك المبادرة لن تكون الأولى وأخشى أنها لن تكون الأخيرة» يؤشر إلى حجم الاستياء الإيطالي نتيجة تجاهل فرنسا التنسيق مع روما التي كانت حتى الأمس القريب تعتبر نفسها المنسق الرئيسي للجهود الدبلوماسية الأوروبية والولايات المتحدة في الملف الليبي. وهو استياء سعى الاتحاد الأوروبي إلى احتوائه من خلال التأكيد بأن الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني ناقشت الأمر مع كل من الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته جان إيف لودريان، في نفي للانباء التي تمً تداولها عن تجاهل فرنسا للمجموعة الأوروبية.
قول ماكرون بوجود «شرعية سياسية تقع في يد السراج وشرعية عسكرية في يد حفتر» يحمل الكثير من التوصيف الدقيق- حسب المراقب الليبي- و»قرار عملهما سوياً» قد يكون فيه الكثير من النوايا الصادقة بين الرجلين، أما نجاحهما، فهو مسألة مرهونة بعوامل واعتبارات عدة. فإشارة السراج إلى أن اتفاق باريس مطروح للنقاش والتفاوض مع باقي أطراف العملية السياسية في ليبيا هي إشارة واضحة أن هناك لاعبين آخرين، قاصداً بذلك الجماعات الإسلامية ومصراتة. فمصراتة، الواقعة تحت نفوذ متعدد المستويات يتجسد بالنفوذ السياسي التركي والإيطالي العسكري والأمني والخدمي والنفوذ القطري المعنوي والمالي، هي المفتاح في تسهيل الاتفاق أو عرقلته، دون أن يعني ذلك التقليل من دور الميليشيات داخل مدينة طرابلس.
التوقعات في هذا الشأن تذهب إلى أن الموقف الأوروبي سينطلق راهناً من النظرة العقلانية التي يتسم بها، فتضع في الحسبان النتائج التي حققها على الأرض حفتر بمساعدة الأمريكيين والمساعدة الإماراتية- المصرية. والأكيد أن إيطاليا ليس بمقدورها بعد اليوم أن تدير الملف كما كانت تديره سابقاً. فالوساطة الفرنسية شكلت صفعة لها، لا ضربة قاتلة، الأمر الذي جعلها تتنبه إلى الوقائع الجديدة التي لم يعد بالامكان التغاضي عنها.
على أن الأنظار، في قراءة المتابعين للشأن الليبي، تتجه نحو واشنطن التي أصدرت موقفاً مُرحّباً متأخراً حيال مبادرة ماكرون، وإن كان الأخير أوحى أن تحركه يحظى بدعم أمريكي. كما لم يبرز موقف بريطاني رسمي واضح في هذا الخصوص والذي يأتي في غالب الأحيان انعكاساً للموقف الأمريكي. في قراءة المتابعين، أن ضوءاً أمريكياً أخضر من شأنه أن يٌسرّع مخرجات اتفاق باريس نحو الدفع قدماً لإنهاء الأزمة الليبية، من دون أن يكون بمقدور الجهات المتضررة التأثير السلبي في المشهد، غير أن غياب هكذا ضوء سيفتح شهية تلك الجهات لعرقلة المبادرة والتزامات السراج- حفتر التي تضمنها الإعلان المشترك، والذي حمل عشرة بنود أكدت على الحل السياسي الذي ممره المصالحة الوطنية، وعلى الالتزام بوقف لاطلاق النار وتفادي اللجوء إلى السلاح خارج نطاق مكافحة الإرهاب النار وتوحيد مؤسسات الدولة، ودمج المسلحين في المؤسسات الأمنية، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن، وبناء دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة تحترم القانون وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة.
ورهانات المتابعين تدور في أحسن الأحوال على حدوث اختراقات في المدى المنظور، لكنها إذا حصلت تعتبر إنجازاً، لأن المطلوب في رأيهم اليوم هو القيام ببعض الإجراءات الممكنة في اتجاه تأمين الاستقرار، تتركز، إلى وقف إطلاق النار، على انتشال الاقتصاد ومقاربة المشاكل الحياتية بما يُعيد الثقة لليبيين ويُراكم الإنجازات التي من شأنها أن تُسرّع الخطوات الأكبر في «خريطة الطريق» لحل الأزمة.
«حفتر- السراج» رجلا المرحلة: السراج الذي يكتسب قوته من الثقة الأوروبية والدولية به ومن العقلانية التي يتمتع بها رغم افتقاره لشعبية داخلية، وحفتر العسكري الذي له حضور على الأرض وأضحى بعد اتفاق باريس رجل المشهد الليبي من دون أن يتحمل تبعات هذا المشهد المضطرب، بفعل أنه ليس شريكاً في الحكم، كما هي حال السراج الذي يتم إلقاء اللوم عليه في الملفات الداخلية المتعثرة التي تخص حياة المواطن بحكم مسؤوليته. رجلان يتنافسان على من يحكم ليبيا غداً، فيما التنافس أوروبيا جار على من يحمل لقب «عرّاب ليبيا» أهي إيطاليا أم فرنسا!.
رلى موفق