باريس ـ «القدس العربي»: المخاطرة التي خاضها الرئيس الفرنسي ايإيمانويل ماكرون، في الوساطة الليبية، لا تنجو من أبعاد جيو- سياسية، يحاول القادم الجديد إلى الإليزيه ترسيخها في خريطة طريقه الدبلوماسية. وعلى الأرجح هي أولى خطواته، في رسم ملامح مثيرة للجدل عن الدور الفرنسي في المنطقة العربية. وبالتأكيد معارضته كل سياسات سلفه فرنسوا أولاند، وذلك في فتح قناة حوار مع اللواء خليفة حفتر، التي رفضت دبلوماسية الرئاسة السابقة مد أي يد له.
ففي العرف الباريسي، تحاول الرئاسة الفرنسية التوفيق الدائم بين مصالح الدولة من جهة، والاصطفاف مع الحلفاء التقليديين لها، وهو ما سعى إليه معظم الوافدين إلى الرئاسة الأولى، وترسخه الخارجية ضمن سياسة لا تخرج عن «أدبيات» دبلوماسية معروفة. وهو ما جعل باريس، مراراً، تتخذ موقف المتفرج، في الكثير من الأزمات، أو المنحاز بشكل يتطابق مع الحلفاء.
لكن ما بدا عليه ماكرون، أقرب إلى إعادة اعتبار لهذه الدبلوماسية الآفلة، والتي تحولت مع زمن الرئيس السابق فرنسوا أولاند، إلى «دبلوماسية مهترئة»، على ما تصف بعض الصحافة الباريسية، أو أقرب إلى دبلوماسية «حذرة».
ومنذ انتخابه رئيساً، تخلت باريس عن الحياد الذي كانت تظهره دبلوماسيتها في التعاطي مع الصراع في ليبيا، لتقف بثقلها العسكري والسياسي إلى جانب حفتر مجدداً. كما أعلنت فرنسا عبر وزارة خارجيتها ترحيبها بإعلان حفتر، عما وصفه بــ»تحرير بنغازي من الإرهاب» مطلع الشهر الجاري، مبدية في بيان رغبتها في «رعاية عملية استئناف جهود التسوية السياسية من أجل تشكيل جيش ليبي نظامي يخضع للسلطة المدنية من أجل أن تدوم هذه النجاحات».
وسبق أن أثار الوجود الفرنسي العسكري في شرق البلاد إلى جانب قوات حفتر جدلاً كبيراً في الأوساط الليبية والدولية، بعدما انكشف إثر سقوط مروحية فرنسية، توفي على إثرها ثلاثة جنود فرنسيين كانوا على متنها في تموز/يوليو من العام الماضي.
والواقع، أن ماكرون، الآتي وفي جعبته سلسلة مفاجآت، يحاول التوغل، من باب الوساطة لفرض مكانة لفرنسا أوروبياً، أولاً، وسط صعود «نجومية» المستشارة الألمانية انغيلا مركل، على أكثر من ملف، ونزوعها التحكم في بعض قرارات الاتحاد الأوروبي وسياساته. وهذا الأمر، على عدم علانيته، يثير شهوة الرئيس الجديد، الذي يتوق إلى «دور» أكبر له كشخص، ولفترة حكمه أيضاً.
لكن محاولة ماكرون، الليبية، لم تنطل على النخبة الفرنسية، التي بدأت تلاحظ الوجه الآخر للرئيس، الذي وبعد أقل من شهرين من تسلمه سدة الرئاسة، فتح النار على مؤسسة الجيش وقائدها، وانتقد المعارضة، وترك لشخصه حضوراً استفزازياً، لا سيما بعد خطاب فرساي الأخير. ولا تنسى هذه النخبة، مواقفه الخارجية، حين قال أن «معاداة الصهيونية امتداد لمعاداة السامية»، أو في اعتباره أن السياسة الفرنسية في السنوات الست الماضية، في مقاطعة نظام بشار الأسد في سوريا ودعم المعارضة، على الأقل سياسياً، كانت «فاشلة». وهو ما شجع كثيرين إلى اعتباره يسوق لـ»سياسة» كيدية، هدفها فعل العكس لسياسات أولاند.
ويبدو أن التوفيق بين المصالح الفرنسية، من جهة، وتلميع الصورة «الحديثة» لفرنسا ما بعد «ماكرون» من جهة أخرى، هي الدلالات الأولى المعبرة عن خطوة الرئيس الشاب، الذي يفترض أنه بدأ «بتكميم» الأصوات المعارضة له في الداخل الفرنسي، على أثر فرضه قوانين ضريبية جديدة، وسياسة «تقليصية» تتعلق بتخفيض ميزانية الجيش. وما تفرضه باريس في مسار التسوية الليبية، طرح تساؤلات كبيرة، حول هذا الدور المستجد، والأهداف الكامنة خلفه. حيث من المعروف أن باريس، متخوفة على مصالح شركاتها في ليبيا، وتعتزم البحث في المرحلة المقبلة، لزيادة الاستثمارات في مواجهة شرسة مع المستعمر القديم، إيطاليا، التي امتعضت من حركة ماكرون، واعتبرتها أوساط سياسية في روما، بمثابة «تجاوز» لها بما يخص الوضع الليبي.
وطرحت الوساطة، في اجتماع منطقة سيل سان كلو عشر نقاط، أكد فيها الطرفين البارزين في الصراع الليبي عن أن «حل الأزمة الليبية لا يمكن أن يكون إلّا حلا سياسياً، يمر عبر مصالحة وطنية، تجمع بين الليبيين وكافة الجهات الفاعلة: المؤسساتية والأمنية والعسكرية».
وخاطب ماكرون الصحافيين بعدما تصافح الزعيمان الليبيان وابتسما أمام الكاميرات بالقول: «توجد شرعية سياسية تقع في أيدي السيد السراج. وتوجد شرعية عسكرية تتمثل في القائد العسكري حفتر. لقد قررا أن يعملا معا. هذا عمل قوي». وتابع قوله «إنهما يتمتعان بالشرعية ولديهما القدرة على أن يجمعا حولهما كل من يريد المشاركة في عملية سياسية من أجل المصالحة وصنع السلام».
لكن، الدور الفرنسي، في الملف الليبي، كان حاضراً على الدوام، خصوصاً في عهد ساركوزي. حيث كان لفرنسا دور كبير في حصول أغلبية في مجلس الأمن للقرار 1970، الذي كانت هي أيضاً وراءه. كما أن الدور الفرنسي كان حاضراً منذ بدء الأحداث في بنغازي ومصراتة، ومع قيام فرنسا بالضربات الأولى على ليبيا واعترافها الرسمي كأول دولة بالمجلس الانتقالي.
وتراجع الدور الفرنسي في عهد أولاند، في حين حاولت إيطاليا أن تحل محله، فقامت بتوطيد علاقتها مع القوى الليبية، إلا أن الدور الإيطالي لم يترجم بأي اتفاق على أرض الواقع.
ويأتي «إحياء» ماكرون الملف الليبي والدفع به كأولوية، بناء على عدة أمور قد يكون أهمها انخفاض شعبيته في فرنسا والتي تعود لفشله في تحقيق وعوده الانتخابية الداخلية ومنها محاربة البطالة وتحقيق الرفاهية للشعب الفرنسي. وهذا ما دفع به إلى اختيار ملف خارجي من أجل رفع أسهمه من ناحية ومن ناحية أخرى لعب دور قيادي في الشأن الأوروبي، ما يتيح لباريس الظهور بمظهر قيادي خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
صهيب أيوب