صوت رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب لم يسمع في اثناء الازمة الاخيرة التي اندلعت حول الحرم، واكتفى بمكالمة هاتفية مع الملك الاردني بعد انتهاء الازمة كي يشكره على دوره في تهدئة النفوس. ولكنه ترك الساحة طوال الوقت لمبعوثيه في المنطقة كي يعملوا حسب فهمهم والمساعدة في التوصل إلى حل الوسط في الحرم، الذي أبعد الموضوع عن برنامج العمل اليومي لاسرائيل والاردن والفلسطينيين.
لقد اختار ترامب كعادته بدل ذلك تسليط الضور على امور اخرى أكثر أهمية حسب رأيه. اثناء لقاء له في الاسبوع الماضي في البيت الأبيض مع رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري الذي يقوم بزيارة واشنطن، ركز ترامب حديثه على منظمتين تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الصراع ضدهما وهما داعش، الذي أصبح مستقبله من ورائه، والخطر الذي شكله على الاستقرار الاقليمي آخذ في التراجع. وحزب الله الذي اعتبره منظمة ارهابية تشكل خطرا على لبنان وعلى الشرق الاوسط عموما.
يمكن القول إن رئيس الحكومة اللبناني لا يختلف مع ترامب، بل هو يعتبر حزب الله عدوا خطيرا وتهديدا. وفي نهاية المطاف هو يعرف أكثر من غيره هذه المنظمة التي قامت بقتل والده رفيق الحريري في شباط 2005. ولكن في لبنان مثلما هي الحال في لبنان فان الواقع دائما يفوق الخيال. فقد وجد الحريري نفسه يدافع عن حزب الله في البيت الابيض بعد أن قام بتشكيل الحكومة مع حزب الله وانضمام بعض ممثلي هذا التنظيم الارهابي كوزراء.
الحريري لم يصل إلى البيت الابيض من اجل الحرب ضد الارهاب أو ضد حزب الله، بل على العكس، لقد جاء لاقناع الادارة الأمريكية بتخفيف الضغط الاقتصادي عن لبنان بسبب وجود ونشاطات حزب الله. الادارة الأمريكية فرضت قيودا خطيرة من شأنها أن تضر بالبنوك اللبنانية. فكل بنك يقوم بفتح حساب أو نقل الاموال لعضو في حزب الله، أو جمعية خيرية مقربة من المنظمة، سيعرض نفسه للمقاطعة الأمريكية.
يبدو أن الحريري نجح في مهمته، والبرهان على ذلك أنه بعد مهاجمة حزب الله بشدة، قام ترامب بمدح حكومة لبنان على صراعها ضد الارهاب، ووعد بمساعدة الجيش اللبناني المتعاون مع حزب الله ايضا في جنوب لبنان ايضا وعلى طول الحدود الاسرائيلية اللبنانية.
ليس غريبا أن حسن نصر الله راض، فبعد بضع ساعات على مهاجمة ترامب لحزب الله في البيت الابيض ظهر أمين عام حزب الله وأعلن في خطابه أنه في الايام الاخيرة، وبمساعدة روسيا وايران في سوريا، نجح الحزب في ابعاد داعش وجبهة النصرة من عرسال على الحدود اللبنانية السورية. وامتنع نصر الله عن التطرق لتصريحات ترامب ولم يذكر اللقاء الذي جرى في بيروت، حسب التقارير، مع قادة من روسيا جاءوا لمناقشة الشراكة غير المباشرة بينه وبين روسيا.
لكن المسألة ليست نصر الله، بل ترامب. الرئيس الأمريكي بدأ ولايته بالقدم اليمنى من خلال هجومه ضد سوريا في نيسان، الامر الذي جعل الكثيرين يمتدحونه. ولكن الخطوات التي جاءت بعد ذلك لم تلفت الانظار، هذا اذا لم تكن بالاتجاه المعاكس. لقد باع ترامب المتمردين في سوريا وأوقف المساعدات لهم وعقد صفقة مع روسيا تسمح ببقاء الاسد على كرسيه اكثر استقرارا من أي وقت، والاسوأ من ذلك هو أنه يسمح لايران بتعزيز وجودها في سوريا.
في اللقاء الذي أجراه مع رئيس الحكومة اللبنانية وعد ترامب بالاستمرار في مساعدة الجيش، ويحتمل أنه لا يعرف أن كل دولار يتم منحه للبنان والتسهيلات للبنوك اللبنانية والسلاح الذي يصل إلى الجيش سيخدم حزب الله. والامر الواضح هو أن التصريحات المتشددة مهمة، لكن الافعال هي الأهم، وهذه الافعال لا تلوح في الافق. لقد أهمل اوباما الشرق الاوسط وتركه لروسيا، انطلاقا من الضعف. وترامب يفعل ذلك انطلاقا من ايمانه بالشراكة بين روسيا والولايات المتحدة، وهي الشراكة التي قد يدفع ثمنها حلفاء واشنطن في المنطقة ومن بينهم اسرائيل.
اسرائيل اليوم ـ 30/7/2017