في مديح الشعب الفلسطيني

ليس الفلسطينيون شعبا من الملائكة، وليس أي شعب آخر كذلك، لكن بسالة الفلسطينيين الأسطورية تخلع القلب فرحا، فلم يحاصر شعب كما حوصروا، ولم يترك وحيدا كما تركوا، ولم يجر التآمر على قضية، كما حدث مع القضية الفلسطينية، ومع ذلك تسقط المؤامرات، وتلد فلسطين شعبا جديدا مع كل طلعة صباح، وتتوالى أجيال تضع عيونها في عين الشمس.
لم يتحرك أحد عندما حوصر المسجد الأقصى، ووضعت على أبوابه أقفال البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة، وصمتت حكومات العرب والمسلمين كأنها أفواه القبور، وتصورت إسرائيل أنها أفلتت بجرائمها الجديدة، وأنها فرضت سيادتها المطلقة على مسرى النبي محمد، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ولم يكن في مواجهة القوة الإسرائيلية الغبية، غير بضع مئات من الصدور العارية، تتزايد أحيانا إلى آلاف، فقد أحكمت إسرائيل نصب أطواق من حول القدس ومسجدها الأقصى، وحظرت دخول الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى المدينة المقدسة، ومنعت زحف مئات الآلاف من عرب الأراضي المحتلة في نكبة 1948، ولم يبق في الميدان سوى المقدسيين من الفلسطينيين، كانت الدنيا كلها تراقبهم في إشفاق، وعلى طريقة إذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا، وحتى ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، تحولت إلى مراقب من بعيد، وراحت تصدر بيانات باهتة، وتنتظر عودة رئيسها محمود عباس من رحلة خارجية بعيدة، فيما لم تزد مساهمة الفصائل الفلسطينية الكبرى والصغرى عن إصدار بيانات استنكار فلكلورية، فقد غابت القيادة تماما في أيام المعركة الأولى، وانقطع المدد من ملايين الفلسطينيين العاديين بإجراءات الحصار الإسرائيلي الغليظة، لكن مئات المقدسيين الفلسطينيين تحولوا إلى قيادة بديلة للغائبين، وصنعوا من علماء الدين المحليين أئمة وشارات كفاح، وأبدعوا في خلق المشهد الفريد، وأقاموا الصلوات الطيبات في مواعيدها أمام بوابات المسجد الأقصى، ورفضوا ذل الدخول إلى المسجد العتيق عبر البوابات الإسرائيلي.
لم يكن مجرد شعور دينى فياض، بل إدراك في العمق لجوهر القضية في فلسطين والقدس بالذات، فإسرائيل تريد أن تفرض ما تسميه سيادتها على كل حجر في القدس، وتريد أن تؤكد على قرارها باعتبار القدس كلها عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، وتريد العصف بالمسجد الأقصى كعنوان باق على عروبة القدس، وتريد تهويد المسجد، بزعم أنه «جبل الهيكل­­­­«، وتريد أن يكون بيدها الأمر كله، وأن تستولى على الحقوق كلها، بما فيها حق الصلاة لله.
وتصورت إسرائيل أن الوقت أكثر من مناسب للفعلة الدنيئة، وأنها تجري «بروفة نهائية» لهدم المسجد في ما بعد، لكن مئات الصامدين البواسل حطموا أنف إسرائيل، وصنعوا مثالا جليلا، ألهب حماس الفلسطينيين جميعا، ودفع المترددين في السلطة الفلسطينية إلى أخذ قرار مقاطعة إسرائيل، ودفع قبلها بجموع الشباب الفلسطيني إلى تحدي إسرائيل، ومواجهة قوات إسرائيل عند حواجز المنع القسري، ودفع كيان العدو الإسرائيلي إلى إعلان التعبئة، وعلى ظن أنها تخيف المقدسيين الثائرين، وإلى حد بدت معه المواجهة كحرب تكسير عظام، انتصر فيها الفلسطينيون بالضربة القاضية، وأرغموا إسرائيل على إزالة بواباتها الإلكترونية، وإن حاولت الاحتيال بنصب «كاميرات ذكية» بالقرب من أبواب المسجد الأقصى أزيلت هي الأخرى، ببركة العناد المقتدر من الفلسطينيين، الذين فرحوا بنصرهم السريع في معركة، تضيف مددا هائلا إلى ذخيرة الكفاح الفلسطيني في طوره الجديد.
نعم، زالت الحواجز التي صنعتها اتفاقية «أوسلو» وأخواتها، وعاد الصدام مباشرا بين الشعب الفلسطيني وكيان الاحتلال الإسرائيلي، ولم يعد من جدوى لانتظار كلمة قيادات شاخت على كراسيها، ولا التعويل على مصالحات لا تتم بين «حماس» وعباس، فهؤلاء شغلتهم الكراسي ومناطق النفوذ والامتيازات، وجعلوا قضية السلطة بديلا لقضية الشعب الفلسطيني، إلى حد أن عباس أصدر بيان إدانة لعملية فدائية تلقائية، نفذها شابان فلسطينيان عند المسجد الأقصى، اقتصت بالدم لتنكيل إسرائيل بالمصلين، واستباحتها لقتل الفلسطينيين بدم بارد، ومن دون خشية من عقاب، وهو ما شجع إسرائيل على استباحة إضافية، وواجهت «انتفاضة الصلاة» الفلسطينية بالرصاص، وقتلت أربعة فلسطينيين مسالمين في يوم الغضب الأول وأصابت مئات، ومن دون أن ترد السلطة الفلسطينية، ولا ردت حركة «حماس»، بل جاء الرد من شاب، لا يزيد عمره عن 18 سنة، اسمه عمر العبد، لم يعرف عنه التشدد الديني، ولا شبهة انتماء لأي فصيل جهادي، لكنه تحرك بدواعي الغيرة والكرامة الإنسانية، واستل سكينا بدائية من مطبخ أهله، وتسلل إلى مستعمرة «حلميش» المجاورة لقريته الفقيرة شمال رام الله، وهاجم وحده عائلة مستوطنين يهود مسلحة بالرصاص، وقتل ثلاثة وأصاب رابعا مقابل الفلسطينيين المقتولين بالرصاص الإسرائيلي. جرى الرد الفوري في ذات اليوم، وصنع فرد واحد «توازن رعب» مع جيش احتلال ادعوا أنه لا يقهر، وأسرت إسرائيل عمر العبد، ولم يبال الشاب الباسل بإصابته البليغة بالرصاص في معركته الدموية مع قطعان المستوطنين، فقد ذهب إلى ما خطط مستعينا بالله، وبنية صافية في الشهادة من أجل فلسطين، وصار عمر هو»الأيقونة» الفلسطينية الجديدة، والعنوان الإضافي على حركة أجيال جديدة من الفلسطينيين، فقدوا الثقة بالقيادات والفصائل الموروثة، وأخذوا قضية شعبهم بأيديهم، وفجروا ثورة شعبية فلسطينية جديدة، تتداعى وقائعها منذ شهور طويلة سبقت، ولا تبدو قابلة للتحكم فيها، لا من سلطة ولا من فصيل، وتستعين بما ملكت الأيدي من حجارة وسكاكين وسيارات دهس، وتستعيد جوهر قضية فلسطين كمعركة تحرير وطني بنفس طويل، وتجعل القدس ومسجدها الأقصى مصدر الإلهام، ليس فقط باعتبار المكانة الدينية المقدسة للمسجد والمدينة المحتلة، وهي المكانة التي يتشارك في مشاعرها مليار و600 مليون مسلم في أربع جهات المعمورة وتعترف بها المنظمات الدولية كلها، ولا تعطي اليهود ولا إسرائيل أي حق في أي حجر مقدس، وهو ما لا يعتد به كيان الاغتصاب الإسرائيلي، ولا يخشى سوى صحوة الفلسطينيين لحقوقهم الوطنية والتاريخية المؤكدة، فإسرائيل تعرف بالغرائز أن القضية ليست دينية محضة، وأن القدس والمسجد الأقصى عنوان الهوية الوطنية الفلسطينية، وموضع الإلهام الأكثر تأثيرا في عموم الوجدان الفلسطيني، والدافع الأمثل إلى انتفاضات شعبية فلسطينية توالت على مدى عشرات ومئات السنوات، فقد كانت القدس دائما هي العنوان، وكان تحريرها هو جوهر عملية تحرير فلسطين من كل اغتصاب، مهما طال به المدى، من صلاح الدين الأيوبي إلى الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، التي تكسب الآن مددا عفيا بأجيال شابة من الفلسطينيين، تترك ما أرادوه لها من إلهاء عن جوهر القضية، ومن تكفير متصل بسيرة الكفاح الفدائي الفلسطيني، ومن نشر لليأس في النفوس، ومن تخويف بقوة البطش الإسرائيلي، ومن جري وراء أوهام سلام مستحيل التحقق في المدى المنظور.
فلا سلام بدون رد الحقوق كاملة، وإعادة النجوم لمداراتها، وهو ما يقدر عليه الفلسطينيون، بقوة الثبات على الأرض المقدسة، وبإبداع لا يفنى لصور المقاومة الشعبية، وبإلهام أبطال جدد في عمر الورد على طريقة عمر العبد.

بوسطجى المواجع:

الشاب ياسين الزغبى نجم مؤتمر الشباب المصري الأخير بامتياز، عمره 18 سنة، وقطعت ساقه من منبتها بعد حادث سير قبل ست سنوات، وضعوا له ساقا صناعية بدائية، كان يمكن أن تذهب به إلى عزلة واكتئاب مبكر، لكنه تحدى الإعاقة، وصار بطلا في ركوب الدراجات الهوائية، وحوّل دواعي العجز إلى ميزة، وإلى جاذبية شخصية لا تقاوم، تزينها الألفة والذكاء الناطق في عينيه، وظهرت أماراتها في فيلم قصير عرض في افتتاح مؤتمر الشباب بالإسكندرية.
كان الفيلم مفاجأة مفرحة، وقدم ياسين متجولا بدراجته في نواحى الوجع المصري، في عمق مدن وقرى محافظات غرب الدلتا، جالسا على حافة حقل، أو بالقرب من ساقية، أو في قارب بالبحيرة، أو على رصيف مترب، أو في خيمة بدوية، يجالس شبابا وشابات من عمره، لا يدعون في العادة إلى مؤتمرات رسمية أنيقة، ولا إلى جلسات الشباب «المعقم» «المبستر»، يستمع بحب إلى الشكاوى والأنين، ويكتب الأحلام البسيطة، ويودعها في خطابات محمولة في حقيبة على دراجته، ويخلع ساقه الصناعية، ويجعلها إلى جواره، كأنها عصا تحت ظل شجرة، ويبتسم من قلبه، رغم علامات الأسى على ملامحه المصرية المكدودة، ويبدو كساعي بريد شعبي، يقرأ الخطابات قبل أن يودعها في جرابه، وكأنه «بوسطجى المواجع» ، وصاحب الحق الحصري في التقاط وسماع هتاف الصامتين.
كاتب مصري

في مديح الشعب الفلسطيني

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية