التّجربة العبرية كنموذج للحياة

العبرية من أقدم اللغات السامية وتنتمي إلى مجموعة اللغات الشمالية الغربية من الفرع الكنعاني، وتحتوي على 22 حرفاً، وتُكتب من اليمين إلى اليسار. وتعود النصوص العبرية الأولى إلى الألفية الثانية قبل الميلاد. وكانت العبريةُ لغةَ حديث في كنعان، إلى أن سقطت أورشليم في أيدي البابليين نحو سنة 587 قبل الميلاد. وتوالت المواجهات والنكبات، كان آخرها ثورة بار كوخبا (132- 136م) وسميت هكذا نسبة إلى قائدها شمعون بار كوخبا، وكان تمرّد اليهود الثالث على الإمبراطورية الرومانية وآخر حرب بين بني إسرائيل والرومان.
وكانت نتائجها مأساوية، فقد قتل الرومان بار كوخبا والكثير من أتباعه، وشيّدوا مدينة إيليا كابيتولينا. ومن نتائج ذلك أيضا تشتت اليهود وانهيار لغتهم. فقد انتشروا في بلدان مختلفة وصاروا يتحدثون لغاتها. فتلاشى استعمال العبرية شيئا فشيئا لينحصر في العبادة والنصوص الأدبية.
وفي وقت لاحق تشكّلت لهجات عبرية مختلفة متأثرة بلغات أجنبية مثل الييدية وتدعى أيضا اليديشية أو الألمانية اليهودية في وسط أوروبا في القرن التاسع الميلادي، واللادينو أو الإسبانية اليهودية في إيبريا، نقلها معهم يهود سفارديون إلى مواطن جديدة في البلقان وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، بعدما طردوا في القرن الخامس عشر.
وبعد أكثر من 1600 سنة، عادت هذه اللغة المشتتة الميتة والفقيرة من حيث المفردات إلى الحياة، في شكل لغة عبرية حديثة أواخر القرن 19 ومطلع القرن 20، تختلف عن العبرية القديمة اختلافا يقول عنه الكاتب الكندي ديفيد شتاينبرغ في كتابه «تاريخ اللغة العبرية القديمة والحديثة» أنّ النبي إرميا لو عاد اليوم، لن يستطيع قراءة كلمة واحدة في الإشارات المكتوبة بالعبرية والعربية والإنكليزية.
وهذا الرأي يبدو صائبا بحكم أنّ العبرية الحديثة تتشكل من خليط لغوي. فهي تعتمد على العهد القديم وفيه نحو 8674 كلمة عبرية، والمشناة التي تضم الشرائع والتفاسير الدينية للعهد القديم. وتحتوي العبرية على نحو ألف كلمة من اللغة الآرامية الجارة المنقرضة، إضافة إلى ابتكار نحو 15 ألــــف كلمة بعــد إحياء هذه اللغة. يضاف إلى ذلك تأثير اللغة العربية الشقيقة. فالاقتراض العبري من العربية لم يقتصر على المفردات، بل امتد ليشمل التراكيب والصرف.
ليس من شك في أنَّ ما حمى اللغة العبرية من الانقراض الأبدي وساعدها على الانبعاث بالدرجة الأولى اقترانها بالديانة اليهودية التي استمر اليهود في ممارستها عبر العصور، وكانت المصدر الأساسي الذي استمدت منه العبرية الحديثة مفرداتها، وهو ما أكّده نورمان برديشفسكي في كتابه «العبرية الحديثة»: «إحدى الدراسات التي أجرتها الصحف الإسرائيلية سنة 1970 أشارت إلى أن 60-70٪ من المفردات صدرت من العهد القديم، و15- 20٪ من العبرية المشناتية».
وكان للغويين اليهود دور عظيم في صناعة هذه اللغة ونشرها. تذكر (مجلة «كلية اللغات» – عدد 24، 2012) أسماء بعض هؤلاء الرواد: «وكان من أشهر هؤلاء أليعيزر بن يهودا الذي أسهم بشكل كبير في استحداث العديد من المفردات، سواءً أكان ذلك من حيث الشكل أم من حيث الدلالة. وتلاه آخرون كان أشــــهرهم الشاعر حاييم نحمان بيالك، إضـــافة إلى شلونسكي وجنسين وميلتسار وشتاينمان وشنهار وعجنون وهزاز وش. شالوم وميجيد وأ.ب. يهوشع وغيرهم».
وليس من ينكر أنّ دور أليعزر بن يهودا كان الأعظم. ظهر هذا الشاب اللتواني سنة 1881، وكان يؤمن بإمكانية تعميم استعمال العبرية، فجعل يتحدّث مع كل من قابله بهذه اللغة، واجتهد في نشر مبادئه المتمثلة أساساً في ضرورة تحدّث اليهود في ما بينهم ومخاطبة أفراد عائلاتهم في بيوتهم باللغة العبرية وضرورة إدراج العبرية في الدراسة، وجعلها لغة التعليم الوحيدة في المدارس. ولما كان من الضروري إثــــراء اللغة الجـــــديـــدة بالمفــــردات، فقد سعى الرجل كل مسعى لصياغة الكلمات من الكتاب المقدس متجنبا الكلمات الأجنبية ما استطاع. ولم يتوقّف نشاط هذا الرجل القوي عند هذا الحد، فقد قام بإنشاء مجمع لغوي سنة 1889 رفقة عدد من المثقفين، فساهم المجمع في صياغة المصطلحات العلمية وقواعد النحو وطرق الكتابة والنطق الصحيحة وسعى لتوحيد اللغة.
ولما كانت مفردات اللغة العبرية القديمة قليلة مقارنة بلغات أخرى مثل العربية أو الإنكليزية وفي سبيل تطوير لغة عبرية حديثة، اجتهد اللغويون في صياغة كلمات جديدة بإضافة حروف إلى كلمات قديمة. وقاموا باشتقاق أفعال من الأسماء، وتوليد معان جديدة من كلمات قديمة يتسنى بها التعبير عن مفاهيم جديدة.
وقاموا باقتراض ألفاظ من لغات أخرى لسد العجز، فقد ذكر المؤلِّف إدوارد كوتشر كيف أنّ «بن يهودا اعتقد أنّه بوسع العربية تقديم كل الجذور المفقودة في العبرية… وأنه وجد عدة جذور تمّ دمجها في اللغة، بات بعضها اليوم واسع الاستعمال مثل «نادر»، «رسمي»، «مخزن»». وسعوا لابتكار مصطلحات جديدة بجمع كلمتين وإنشاء كلمات مركبة. واليوم تحصي أكاديمية اللغة العبرية نحو 45000 كلمة، أضيف إليها ما يعادل 30000 إلى 35000 كلمة مركّبة.
ما ساهم أيضا في حفظ هذه اللغة وإعادة بعثها الإسهامات الأدبية والفكرية العبرية التي إن صدرت في أنحاء متفرّقة في العالم إلاَّ أنها تواصلت عبر العصور. فمنذ سنة 70 للميلاد حتى القرن العشرين، تمّ تأليف آلاف الكتب باللغة العبرية شارك فيها كُتّاب من أمثال هاليفي جودا (1085-1141) الذي نشأ في الأندلس وكتب الشعر بالعبرية والنثر بالعربية، وموسى بن ميمون القرطبي (1135- 1204) الذي كتب أيضاً بالعبرية والعربية.
وتسعى أكاديمية اللغة العبرية اليوم لحفظ اللغة العبرية من تأثير غزو المصطلحات الأجنبية، في زمن العولمة، مع أنّ اللغة العبرية في حاجة إلى اقتراض كلمات من اللغات الأجنبية نظرا لقلة مفرداتها، وهو ما يعترف به روفيك روزنتال مصنِّف معجم العامية الشامل الذي يقول عن العبرية: «هي جزء صغير من حجم اللغة الانكليزية، مما يشجّع الاقتراض». وهذا ما يؤكّده أيضا وليام تشومسكي في كتابه «العبرية: اللغة الأبدية»: «أكاديمية اللغة العبرية المؤلّفة من علماء وكُتاب، يقظة، حذرة من كل ما قد يعكّر صفاء اللغـــــة» ونتيجة هذا الحذر، لا تدخل المعجمَ العبري كلمةٌ جديدة إلاَّ بموافقة الأكاديمية. ويجتهد اللغــــــويون اليهود اليوم في ابتكار كلمات عبرية تخلف الكلمات الأجنبية الموجودة في اللغـــــة العبرية واقتراح المقابلات على الأكاديمية لمصادقتها مثلما أوضح تقرير «الواشــــنطن بوست» ـ 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2005: «من حين إلى آخر، يقوم أكبر لغويي البلاد بعرض ابتكاراتهم على مجلس الأكاديمية فيُصَادق على أفضلها، بعد نقاش حاد غالباً».
ويضيف التقرير الأمريكي: «وتنشر الأكاديمية قائمة كلمات جديدة تطلب من الإذاعة والتلفزيون استخدامها.» حتى تتعوّد عليها الجماهير.

٭ كاتب جزائري ـ بريطانيا

 التّجربة العبرية كنموذج للحياة

مولود بن زادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية