لا أحد ممن درسوا، أو عاشوا، في كلية التربية إلا وبقي أسير زمنها. في ظنّ من انتسبوا إليها كانت أوسع بكثير مما كان لبنان. أقصد أن طلابها الألف، وكان هذا عددهم لا ينقص كثيرا ولا يزيد كثيرا منذ منتصف الستينيات حتى منتصف السبعينيات.كانوا كما لو أنهم جاؤوا من بلدان مختلفة. أنماط من العادات والأفكار والمعتقدات واللهجات، بل واللغات، تعايشت معا هناك في الكلية. أولئك الذين قدموا من القرى أتيح لهم أن يترافقوا ويتشاركوا العيش مع آخرين، كانوا قد خبروا المدينة وتابعوا تمدّنها حتى آخر مظاهره.
والكلية، التي اقتصرت مساحتها على مبنيين متلاصقين، وكافتيريا واحدة، ومن دون باحات ولا ملاعب تتسع لأي نوع من النشاط، كانت ضامّة إليها لبنان كله. أولئك الجنوبيون كان يستضافون عند مَن باتوا أصحابهم في أقصى عكار، أو يذهب المتنيون، أو الكسروانيون لقضاء عطلهم في مناطق لبنان وأقضيته. وقد كانوا أصدقاء. وما زالوا محتفظين بذكرى تلك الصداقات، أو حتى متمسكين بها إلى الآن، بعد نحو أربعين سنة على انعقادها.
تلك الصداقات ذخيرة من زمن جميل مضى، وما كان ممكنا فيه بات صعب التحقّق من بعده. فإن كان على الطالب القديم، من أيام الكلية، أن يظل مصادقا لمسيحيين، عليه أن يبقي صلته مستمرة مع من كانوا أصدقاءه في أيام شبابه. ذاك لأن العيش منقطع بين هنا وهناك (وهذه الهنا والهناك لا تقتصر على تعيين المكان، بل تشمل أشياء أخرى أكثر خفاء وتعقيدا)، لكن، ولنقرّ بما تفعله السنوات، لا بدّ من أن تتباعد تلك العلاقات وتضعف، بالنظر إلى أن مناسبات الالتقاء باتت تصير أقل فأقلّ.
أجيال الطلاب التالية، أجيال ما بعد 1975، لم يتح لها ما أتيح لسابقيها. في ما يتعلّق بالدراسة الجامعية باتت الخيارات كثيرة الآن، إذ ناف عدد الجامعات عن الخمسين، أو ربما الستين، بعد أن كان في لبنان أربع جامعات فقط. لكن على أن يكون مكان الجامعة المختارة، هنا وليس هناك، عندنا وليس عندهم.
في مقالة عن ضيق الـ«هنا» أشار الباحث التربوي عدنان الأمين إلى «حادثة» افتتاح فرع للجامعة اللبنانية في أحد أقضية لبنان، واصفا تفاصيل الاحتفال الذي اقتصر الحضور التمثيلي فيه على رئيس بلدية القضاء ومدير المنطقة التربوية للقضاء والمسؤولين الروحيين، في القضاء، وكذلك نائب القضاء إلى آخره. وفي المقال تذكير لمن يهمه الأمر ربما أن الطالب بات، من صفوف الحضانة حتى تخرّجه من الجامعة، يظلّ في المكان نفسه، الذي هو بلدته، أو قضاؤه على أوسع تقدير. من يعرفهم هم من كان يعرفهم، إذ لن يكون ممكنا له التعرف على سواهم. مرّة أخرى، بدا العالم لطلاب كلية التربية، أو لطلاب ما قبل 1975، سجنا لا يفتأ يضيق.
ذكّرتني بمقال عدنان الأمين واحدة من النبذ الإعلانية عن المدارس والجامعات التي تكثر في هذا الوقت من السنة، ونحن على مشارف بدء عام دراسي. بين هذه إعلان عن جامعة تظهر فيه أبنية وطلاب وصفوف وأدوات مختبر وقاعات تدريس وطلاب في يونيفورم التخرّج إلخ، وتترافق مشاهد من الإعلان مع تعليق لرئيس الجامعة المذكورة يعلن فيه أن مشروعه الذي حقق نجاحات متواصلة منذ قيامه سيشهد الآن قفزة استثنائية، إذ ستتسع الجامعة، وستكون لها فروع في مناطق مختلفة (بما يعني أنها، هي الجامعة، ستذهب إلى حيث الطالب بدل أن يأتي الطالب إليها). وفي تعليق الرئيس نسمع ما معناه، أو ما حرفيته، أنه سيتاح «للطالب أن يبقى في بيئته، وسيتاح للطالبة أن تبقى في كنف أهلها»، بما يذكّر بقصيدة حافظ إبراهيم التي خصصها لتكريم الأم ولتحرير المرأة التي هي «في الشرق علّة ذلك الإخفاق»:
«أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا بين الرجال يجلن في الأسواق»
وهذا سيترافق، حسب ما ورد في التعليق، مع تطوّر آخر كبير ستعرفه الجامعة يتمثّل بمشاركتها جامعات أمريكية (بينها جامعة أريزونا التي جرى الاتفاق معها على أن يكون لها مقرّ ثابت هنا، في الجامعة موضوع الذكر) وجامعات من أوروبا. وهذا التطوّر الكبير سيستدعي، لا بدّ، تغيير اسم الجامعة ليصير The International University الجامعة الدولية بدلا من الاسم السابق الذي اقتصر على إضافة اسم أمريكا وحدها إلى اسم لبنان.
هي، في ما قد يذكّر بعنوان كتاب كان بين أول ما قرأنا في السياسة، خطوة إلى الوراء.. خطوة إلى الأمام، خطوة نحو المحيط الاجتماعي المتجانس (الضيّق)، وخطوة إلى العالمية الجامعة بين أمريكا وأوروبا. ذلك يشبه، بطريقة ما، ذاك الذي كان قاله أنور السادات حين أراد مصر، في أيام حكمه، أن تكون «دولة العلم والإيمان».
٭ روائي لبناني
حسن داوود