من الصفات التي تبدو أصيلة ومتجذرة في الشخصية العربية، التي يظهر أننا توارثناها في جيناتنا من أيام الجاهلية، العنجهية الكاذبة والغطرسة الزائفة. ولن أصدع رؤوسكم بإيراد كثير من قصائد الشعر الجاهلي حتى تلمسوا مدى حضور تلك السمة الذميمة في الشخصية العربية، بل أكتفي باستحضار بعض أبيات الشعر الشهيرة كعينة غرضية، أجدها تعبر بامتياز عن الدرجة غير المتخيلة من الصلف والغرور والخيلاء التي وصلت إليها الذهنية العربية. والأبيات المنتقاة هي من معلقة الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم، أحد أبرز شعراء المعلقات، التي يقال إنها ما سميت بهذا الاسم إلا بعد تعليقها على جدران الكعبة لفرط احتفاء العرب بها، وتقول:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
كأنا والسيوف مسلّلات ولدنا الناس طرا أجمعينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا
إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فينا
إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا!
لا أظن أن هناك حاجة لتفسير تلك الأبيات الكارثية الرفيعة أدبياً الوضيعة أخلاقياً، أو التعليق عليها، والتي لا يمكن تبريرها بالقول إن أعذب الشعر أكذبه، فقد تجاوزت بمراحل شاسعة حدود الكذب المحتمل. وقد يكفي البيت الأخير كي يوجز ما فيها من الكبر الأجوف، إذ يتبجح الشاعر مدعياً بأن الجبابرة تخر سجداً للعربي بمجرد أن يبلغ سن الفطام! مع أن العرب، حتى في جاهليتهم، كانوا تابعين أذلاء إما للفرس أو الروم! ولو لم يأت الإسلام ويعطهم شيئا من القيمة ذات زمان ولى، لماذا ذكرهم التاريخ يوما إلا من قبيل التندر أو تعداد الأمم التي كانت وما تزال عالة وعبئا على البشرية. ولكن دعونا من الماضي وعنترياته الفارغة، ولننتقل إلى الحاضر، حتى نتيقن من أن تلك الأمارة القبيحة ما تزال تستوطن العقل العربي وتحوّل حملته إلى كائنات جاهلية متخلفة لم تنفض عنها بعد غبار معارك داحس والغبراء!
إن الحاضر العربي الذي نلمسه ونعيشه بصورة صافعة يفيد بما يلي: تقف الأمة العربية في ذيل الأمم على مختلف المستويات والأصعدة، السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية. وكمقارنة بسيطة دالة على الصعيد العلمي والمعرفي فحسب، تنشر إسبانيا وحدها من الكتب في سنة واحدة، وهي من أقل دول أوروبا تقدما، أكثر مما نشره العرب مجتمعين منذ أيام هارون الرشيد! بل إن العلماء والباحثين في الكيان الصهيوني اللقيط يسجلون من براءات الاختراع في سنة واحدة ربما أكثر مما سجلته الأقطار العربية برمتها مذ بدأت فكرة تسجيل الاختراعات! وهذا يستدعي لو كنا نتمتع كعربان بذرة من حياء أو كرامة أن نقوم بحفر خندق عميق تمتد إحداثياته من المحيط إلى الخليج، بالاستعانة طبعا بشركات صينية أو كورية أو هندية، ثم نقفز، رجالا ونساء، كبارا وصغارا، حكاما وشعوبا، نخبا وعواما، فيه بشكل جماعي قفزة رجل واحد، بعد أن نكون قد أوصينا الشركات الأجنبية التي حفرت الخندق بإهالة التراب علينا، وذلك لمواراة آثارنا تماما، وإراحة الدنيا منا ومن قرفنا!
كمسلمة لا ريب فيها ولا جدال، إلا من جانب جاهلي جاهل أخرق مكابر، يفقد المرء كرامته حتما ويريق ماء وجهه إذا ما كان يستجدي خبزه أو أمنه، أو كليهما، من غيره، وإذا ما كان يضطر إلى مسالمة أعدائه الذين اغتصبوا أرضه ومقدساته وعرضه. وهذا ينسحب على الدول أيضا ولا يقف عند حدود الأفراد. والثابت أن تلك المسلمة، أو القاعدة، تنطبق على جميع الدول العربية دون استثناء. فالدول العربية ولفظة الدول هذه هي من باب التجاوز والمبالغة، فهي ليست أكثر من مزارع في واقع الأمر التي يريق قادتها وجوههم وهم يتسولون من الدول الغنية، وعلى رأسها أمريكا، لا يحق لها أو لقادتها أو لرعاياها مجرد الحديث، ولو سهوا، عن مفهوم الكرامة! والدول التي تدعي الانتساب للإسلام، بينما الأقصى، أحد أقدس أقداسها، ما يزال مغتصبا يدنسه شذاذ الآفاق من مجرمي العصابات الصهيونية، بل وتتسابق سرا وعلانية للتصالح والتحالف مع أولئك المجرمين، يحرم عليها تحريما قاطعا أن تورد مفاهيم العزة والكرامة والشرف في قواميسها! والدول التي يمكن أن تختفي من خريطة الوجود بغمضة عين إذا لم توفر لها أمريكا الحماية، وأكثر الدول العربية إن لم يكن جميعها تدخل ضمن هذه الخانة، من السفه والرخص وقلة الحياء أن تتشدق وتصدع رؤوسنا بخطب وشعارات لا تنتهي حول الكرامة المزعومة التي تناطح السحاب والشرف الرفيع الذي لم ينثلم يوما!
ولو وقف الأمر عند حدود الخطب والشعارات العقيمة الجوفاء التي لا يسمعها أو يصدقها ويصفق لها أحد، باستثناء معاشر الأذناب والمنافقين وسفلة القوم وجهلتهم، فلربما هانت الصدمة قليلا وبلعناها. إلا أنه تجاوز ذلك إلى نطاق إفساد الفن والموسيقى. فمن يسمع الأغاني والأهازيج الوطنية المقيتة في معظم الأقطار العربية يكاد يتقيأ غثيانا واشمئزازا، إذ تريد تلك الأغنيات الزاعقة أن تقنع مواطنيها زورا وبهتانا بأنهم ينعمون بالانتماء إلى بلد يضع سكانه أحذيتهم فوق رؤوس بقية سكان العالم، مع أنهم يداسون عمليا بـأحذية حكامهم، قبل أن يداسوا هم وحكامهم بأحذية من يتحكمون عمليا بشؤون هذا العالم من الصهاينة والأمريكان!
لكن تلك الصفاقات والمزاودات العربية الخاسئة التي لا معنى لها، تدخل فيما أحسب في باب المحاولات التعويضية اليائسة والحيل الدفاعية غير الواعية للتعويض عن الشعور بالنقص والضعف والخسة، والهروب من الاعتراف بالضآلة والهشاشة والانسحاق. فقد كانت العشائر العربية الضعيفة والمنكسرة تسمي أبناءها بأسماء توحي بالبطولة والشراسة والسيادة والمنعة، في محاولة بائسة لخداع نفسها وغيرها والتعويض عن إحساسها بالدونية والهوان.
وعلى الصعيد التفسيري ذاته، يقال إن إحداهن قد سألت الكاتب الإيرلندي الشهير جورج برناردشو باستنكار: لماذا تتكلم دائما عن المال، بينما يتكلم الكاتب الفلاني عن الأخلاق؟! فأجابها: كل امرئ يتحدث عما ينقصه!
لذلك، إذا سمعت عربيا يكثر من التفاخر والتبجح في أيامنا بالحديث عن الشرف والكرامة، فاعلم أنه يعاني من نقص مستفحل ومزمن فيهما! وليته يقرأ هذا المقال، لعله يدرك حجمه الحقيقي فيتوقف عن التبجح!
أكاديمي عربي مقيم في كندا
د. خالد سليمان