إسطنبول ـ «القدس العربي»: كشفت وسائل إعلام تركية وكتاب كبار مقربون من الحكومة تفاصيل جديدة عن الخفايا التي رافقت قرارات مجلس الشورى العسكري أعلى هيئة عسكرية في البلاد والتي أطاحت بشكل مفاجئ بقادة القوات البرية والجوية والبحرية، وعلى الرغم من أن رئيس الأركان حافظ على موقعه إلا أن القرارات مهدت الطريق أمام الشخص الذي سيخلفه في هذا المنصب البارز في البلاد.
محللون أتراك أجمعوا على أن القرارات التي صدرت عن الاجتماع السنوي للمجلس تُظهر بشكل واضح «بصة» الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وكان أردوغان عقد اجتماعاً مطولاً استمر لمدة 6 ساعات مع رئيس الوزراء بن علي يلدريم يوم الثلاثاء، أي قبل يوم واحد من اجتماع مجلس الشورى العسكري، في حين كشفت صحيفة «حرييت» أن وزير الدفاع الجديد نورالدين جانكيلي ورئيس الأركان خلوصي أكار انضما إلى الاجتماع الذي وضع اللمسات الأخيرة على قرارات «الشورى العسكري»، حسب الصحيفة.
وبموجب القرارات التي صادق عليها الرئيس التركي لاحقاً، جرى تعيين الجنرال ياشار قولار قائداً للقوات البرية بدلاً من صالح زكي تشولاك، وعدنان أوزبال قائداً للقوات البحرية بدلاً من عبدين أونال، كما جرى تعيين حسان كوتشوك أكيوز قائداً للقوات الجوية بدلاً من بولانت بوستان أوغلو.
ومن بين القادة الثلاثة الجدد، يبرز اسم القائد السابق لقوات الدرك (الجاندرما) القائد الجديد للقوات البرية «يشار قولار» الذي يحظى بقبول واسع من قبل الرئيس التركي، وقالت العديد من وسائل الإعلام التركية إن تعيينه في قيادة القوات البرية أزل آخر العقبات أمام توليه مستقبلاً منصب رئاسة أركان الجيش، خلفاً لـ«أكار».
و«يشار قولار»، تولي منصب النائب الثاني لرئيس أركان الجيش عام 2013، وخلال محاولة الانقلاب تصدي بقوة للانقلابيين وكان من الذين تعرضوا للاختطاف والحجز في قاعدة أكينجي الجوية بأنقرة برفقة رئيس الأركان، الأمر الذي فتح الباب أمام تعيينه قائداً لجهاز الدرك «الجندرما»، وبعد أن بات رئيساً للقوات البرية بات الطريق أمامه ممهداً لتولي رئاسة الأركان كما يُجمع كثير المراقبين.
تقول صحيفة صباح المقربة من الحكومة: «يشار من أبرز قادة الجيش، حقق نجاحات هائلة في الحرب على تنظيم العمال الكردستاني ويقود العمليات العسكرية داخل البلاد الأمر الذي خفض مسلحي التنظيم إلى أقل من 1300 ويمكن أن ينجح بالقضاء عليه إلى درجة كبيرة، قام بعمل رائع في محاولة الانقلاب، ويحظي بثقة أردوغان، لذلك يبدو أن القائد المقبل لرئاسة أركان الجيش».
في مقال له في صحيفة «حرييت» تحت عنوان «التفاصيل الخفية لاجتماع مجلس الشورى العسكري»، يقول الكاتب المقرب من الحكومة عبد القادر سيلفي: «اجتماع مجلس الشورى العسكري الماضي الذي أعقب محاولة الانقلاب كان اجتماع تصفية قيادات الجيش الانقلابية، أمام هذا الاجتماع يمكن اعتباره اجتماع إعادة بناء مجلس الشورى العسكري».
ويضيف الكاتب: «القرارات توضيح أن رئيس الأركان خلوصي أكار سوف يستمر في منصبه حتى عام 2019، وإذا لم يحصل أي تطورات تمنع ذلك فإن القائد الجديد للقوات البرية سوف يتسلم منصب رئاسة الأركان للفترة بين 2019 و2023».
ويشير إلى أنه كان يتوقع تعيين جنرال آخر في قيادة القوات البحرية، لكن «إرادة سياسية» معاكسة استعبدته ورجحت تنصيب «عدنان أوزبال»، كما يعتبر قائد القوات الجوية الجديد من الجنرالات الذين تعرضوا للاحتجاز ليلة محاولة الانقلاب وهو ناجح جداً في القوات الجوية، حسب الكاتب.
ويرى الكاتب «أوكان مدرس أوغلو» في مقال له بصحيفة «صباح» أن الاجتماع الأخير أظهر بشكل واضح أن «أردوغان هو قائد أعلى فعلي للقوات المسلحة»، لافتاً إلى أن القرارات الأخيرة تعزز بشكل متزايد رقابة المدنيين (وزراء الحكومة) على الجيش.
وتلفت صحيفة «يني شفق» إلى أن الشخص الذي قدم قرارات المجلس إلى الرئيس التركي للتوقيع عليها هو وزير الدفاع نورالدين جانيكلي، ورأت فيها خطوة أخرى على تعزيز رقابة وزراء الحكومة المدنيين، كما تلفت الصحيفة إلى أن رئيس الوزراء بن علي يلدريم تعمد قراءة الفاتحة بدلاً من الوقوف صامتاً وفق البرتوكول خلال زيارة قبر مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك قبيل اجتماع المجلس برفقة جميع أعضائه.
وحسب الناطق باسم الرئاسة التركي إبراهيم قالين فإن قرارات المجلس شملت ترقية 6 جنرالات/أميرالات إلى رتبة أعلى، و61 عقيدًا إلى رتبة جنرال/أميرال، فيما جرى تمديد مهام 8 جنرالات عاما واحد، و159 عقيدًا لعامين، كما جرى إحالة 28 جنرالا/أميرالا، و107 عقداء إلى التقاعد.
وأجمع مراقبون أتراك على أن مجمل قرارات الترفيع صبت في صالح من يعتقد أنه أكثر قرباً وولاءً للرئيس رجب طيب أردوغان الذي ما زال يسعى لبسط مزيد من السيطرة على الجيش وضمان ولاءه لا سيما عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من يوليو/تموز العام الماضي.
ومنذ محاولة الانقلاب، اتخذ الرئيس التركي سلسلة قرارات من خلال مجلس الشورى العسكري تمثلت في إقالة عدد كبير من كبار الجنرالات في الجيش وترفيع آخرين وتغيير هيكلية وتبعات الكثير من الهيئات العسكرية والأمنية في تركيا.
وبعد أن ظل لعقود طويلة يعقد في الغرف السرية التابعة لرئاسة هيئة أركان الجيش، عقد الاجتماع للمرة الثالثة منذ محاولة الانقلاب في مقر رئاسة الوزراء بالعاصمة أنقرة وبرئاسة رئيس الوزراء بن علي يلدريم وحضور نوابه وعدد من الوزراء الدنين إلى جانب رئيس الأركان وقادة القوات الجوية والبرية والبحرية وكبار جنرالات الجيش.
وقبيل محاولة الانقلاب، كان المجلس يعقد اجتماعاته بدعوة من رئيس الأركان مرتين سنوياً، لكن أردوغان ألغى الاجتماع الشتوي ليعقد المجلس اجتماعاً واحداً سنوياً، وبناءاً على دعوة رئيس الوزراء فقط.
وتشمل هذه التعديلات التي أُقرت بموجب حالة الطوارئ المتواصلة في البلاد نقل أمانة عام المجلس إلى وزارة الدفاع، وتسمية أعضاء المجلس بحيث يضم رئيس الوزراء ورئيس هيئة الأركان العامة، ونواب رئيس الوزراء، ووزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع وقادة القوات البرية والبحرية والجوية، لينضم إليه بذلك لأول مرة وزراء مدنيين بما يضمن إطلاع الحكومة المستمر على تفاصيل ما يجري في أروقة الجيش من خلال الوزراء المدنيين.
ويرى مراقبون أن التغييرات التي يحدثها الرئيس التركي منذ محاولة الانقلاب وحتى اليوم هدفت بالدرجة الأولى لتعزيز العناصر المدنية في الدولة ومنح وزيري الداخلية والدفاع -المدنيين- مزيداً من الصلاحيات والنفوذ لتقليل صلاحيات قادة الجيش، وذلك في مسعى لإنهاء خطر المحاولات الانقلابية التي عانت منها البلاد على مدى العقود الماضية.
إسماعيل جمال