حين يلتحق الإعلامي المغربي بجوقة المطبلين المزمرين مرددي الأسطوانات المشروخة!

 

تأخذ الحماسة بعض الإعلاميين العاملين في القنوات التلفزيونية المغربية، فتتحول البرامج الحوارية التي يشرفون عليها إلى مناسبة لاستعراض آرائهم وانطباعاتهم الشخصية، بدل الاكتفاء بإدارة الحوار وطرح الأسئلة واستيضاح الأفكار والمعلومات من لدن الضيوف.
وتكون المناسبات الرسمية فرصة لأولئك الإعلاميين للمنافسة في إظهار التماهي مع الخطاب الرسمي والدفاع عنه، وعدم استحضار المسافة النقدية الضرورية التي يقتضيها مبدأ الحياد والموضوعية.
يوسف بلهيسي، الإعلامي في قناة «ميدي1 تي في»، واحد من هؤلاء الصحافيين الذين يبدو أن شغلهم الشاغل ليس إرضاء الجمهور من خلال توفير الحق في المعلومة وفي الاستماع إلى الرأي والرأي الآخر، وإنما شيء آخر. وآية ذلك أن الصحافي المذكور يستغل وجود الضيف للتعبير عن المواقف الشخصية التي تتناغم مع الأطروحة الرسمية، مثلما فعل أخيرا في البرنامج الخاص بمناسبة «عيد العرش»، الذي يؤرخ لذكرى تولي العاهل المغربي الحكم.
والواقع أن ذلك البرنامج كان مجرد رجع صدى لما جاء في خطاب الملك محمد السادس بالمناسبة المذكورة، حيث انضمّ الصحافي يوسف بلهيسي إلى ضيفيه منار السليمي وطارق اتلاتي، حتى خيّل لنا ـ نحن المشاهدين ـ أننا أمام شخص واحد يردد الكلام نفسه لمدة تقارب الساعتين، وخاب أملنا في الوصول إلى تحليل عميق ودقيق لأبعاد الخطاب الملكي. وكل ما فعله الثلاثة المذكورون أنهم اكتفوا بجلد الأحزاب والطبقة السياسية والهمز واللمز في حزب «العدالة والتنمية» والتلميح لأمينه العام رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، وإلصاق جميع أزمات البلاد به، كما لو هو وحده المسؤول عنها (مع أنه يتحمل جزءا من المسؤولية). كما أن سهام المطبّلين المزمرين توجهت أيضا إلى رواد منتديات التواصل الاجتماعية وكل من يحمل فكرا مغايرا ورأيا معارضا، لدرجة أن منار السليمي زعم أن هناك من له مصلحة في استمرار الحراك الاجتماعي في مدينة الحسيمة، لأنه «بمثابة ثدي يرضع منه» على حد وصفه. وفي المقابل، لم يتوان في تمجيد المؤسسة الأمنية وإبعاد أية تهم عنها بقمع المتظاهرين السلميين وإلحاق الأذى بهم. أما شريكه في التزلف، طارق التلاتي، فإن التعبير خانه عندما استعمل تعبيرا قرآنيا يتحدث عن الرسول محمد (ص) في حديثه عن العاهل المغربي، حيث قال «المحلل» المذكور إن «ّالملك لا ينطق عن الهوى». والكل يعلم أن هذه العبارة تحريف بسيط لما ورد في القرآن الكريم: «وما ينطق عن الهوى إنه هو إلا وحي يوحى».
وإذا نسي طارق التلاتي شيئا فإنه لن ينسى العبارات القوية الصادمة التي كانت الصحافية فتيحة أعرور قد أطلقتها في وجهه مباشرة عبر قناة «فرانس 24»، حيث قالت إن النظام عمل على شراء ذمم عدد من المثقفين الذين صاروا اليوم يمجدونه آناء الليل وأطراف النهار.

أسطوانة مشروخة

إن من يريد تعقب الزلات «المهنية» للإعلامي يوسف بلهيسي في قناة «ميدي 1 تي في» فسيجد نفسه أمام أكثر من حالة. ولعل ما تبقى منها لاصقا بالأذهان سقطته الشهيرة، حينما دعا أمين عام حزب الاستقلال، حميد شباط، إلى رفع دعاوى قضائية ضد الصحافيين الذين يهاجمونه. لكن شباط أجابه، في برنامج مباشر، بطريقة ذكية قائلا: «أنا أؤمن بدور الإعلام في بناء الديمقراطية ودولة القانون. ولهذا يمكن للمرء أن يخطئ ويصيب، وهناك تحليلات لبعض الصحافيين أعتبرها اجتهادا. وإذا لم أعد أقبل النقد ولم يعد غيري يقبله، وكمّمنا أفواه الصحافيين، فلن تعود هناك ديمقراطية».
وحين يستدعي يوسف بلهيسي المحللين منار السليمي وطارق اتلاتي، فإن المشاهدين يتوقعون مستوى النقاش ونوعيته والهدف منه، والمتمثل في ترديد أسطوانة مشروخة، شعارها العريض: الديماغوجية، ولاسيما حين لا يوجد في البرنامج رأي آخر مغاير. ولعل المسألة تتجاوز الصحافي المذكور لتصل إلى القائمين على التلفزيون الذين يعتقدون أن دور الإعلام السمعي البصري هو القيام بدعاية فجة للمؤسسة الرسمية، ومن ثم يستبعدون أصحاب الفكر الحر والحس النقدي، متجاهلين أن الناس اليوم لم تعد تقتصر على الإعلام التقليدي لتكوين رأي عام، إنها مهمة الإعلام الجديد الذي تجسده شبكات التواصل الاجتماعي.

كسل إعلامي

أمام الثورة الإعلامية الهائلة، ما زال البعض يعتقد أن أسلوب المديح يجدي في خدمة صورة الحاكم والتعريف بنشاطاته، مثلما لاحظ ذلك الأكاديمي المغربي عز الدين بونيت، حيث لاحظ في إحدى تدويناته الأخيرة أن الصحافيين الذين يرافقون الملك في أنشطته في الداخل والخارج كسلاء مهنيا، لا يجهدون أنفسهم في البحث عن المعطيات ومحاولة تقريبها إلى المتتبعين ليفهموا أبعاد وأهمية ما يفعله الملك، ومحاولة إثارة نوع الفضول لديهم من خلال أسلوب نوادري يعتمد براعة الصحافي. عوض ذلك يكتفي هؤلاء المساكين بترديد عبارات مسكوكة فجة تتكرر منذ أكثر من نصف قرن، دون تجديد. ويؤكد الباحث المذكور أن هذا النوع من الممارسة الإعلامية بليد ومخجل؛ عدا أن له دورا كبيرا في تبخيس جدوى العمل السياسي في ذهن المواطن. هل يفعل الصحافي المسكين ذلك من تلقاء نفسه؟ هل هي تعليمات لخط تحريري صارم التحديد؟ هل هو مجرد سلوك تملق متكلس تربت عليه أجيال من صحافيي الأنشطة الملكية؟
ويقول بونيت: «مهما كان مصدر هذا السلوك، فهو سلوك لا يمكن القبول بالاستمرار فيه وتجاهل آثاره السيئة على الحياة السياسية في البلاد. ففضلا عن كونه كذبا وبهتانا يخالف مبادئ العمل الصحافي ذي المصداقية، فهو يخالف صراحة مبادئ قانون الصحافة نفسه. ولا شيء يمكن أن يبرر التعامل معه كما لو كان من مقدسات البلاد. هذا سلوك غير مهني تافه ومضر بالجميع بمن فيهم الملك. وينبغي أن يقال ذلك بوضوح في كل النقاشات والمفاوضات السياسية، وفي النقاشات المهنية بين الصحافيين».

كاتب من المغرب

حين يلتحق الإعلامي المغربي بجوقة المطبلين المزمرين مرددي الأسطوانات المشروخة!

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية