الجاذبيّة، الكاريزما، الانخطاف
رشاد أبوشاورالجاذبيّة، الكاريزما، الانخطافتعرّف الكاريزما بأنها (القبول)، وهي إرسال من شخص إلي (جمهور)، لأنها تتعلّق بزعيم، أو خطيب مفوّه متدفّق ذرب اللسان، بليغ، أخّاذ، يملأ الجمهور قوّةً وثقةً بالنفس…في الزعامة السياسيّة لا يمكن أن يكون الزعيم كاريزمياً إلاّ إذا كان متحدّثاً بارعاً، خطيباً ملهماً، وهذا النوع من الزعامة انقرض في بلاد العرب، لأن الخطيب لا بد أن يكون صادقاً، له مواقف واضحة تميّزه عن غيره، وهذا ما يجذب ملايين العرب مثلاً لمتابعة القائد الفنزويلي الصامد شافيز، والقائد البوليفي الصاعد موراليس، تعويضاً و(بدل ضائع)…الكاريزما تميّز بها القائد جمال عبد الناصر، ومن بعده ظهرت نسخ مقلّدة تلاشت بسرعة، ولذا ونحن نسمع ونري موراليس في بوليفيا يعلن : باسم الشعب البوليفي أعلن تأميم النفط والغاز. استدعت ذاكرتنا الجمعية أيّام العّز والكبرياء، وهذا ما دفعني لأن أهّب واقفاً وأنا أري موراليس وهو يتقدّم الخبراء البوليفيين لوضع اليّد علي حقول النفط والغاز باسم شعب طالما نهبوا ثرواته، وجوّعوه، هاتفاً: يعيش موراليس تحيا بوليفيا حرّةً عر…اقصد: أمريكيّة لاتينيّة وأردّد مع موراليس:باسم الأمّة تؤمم حقول الغاز والنفط بوليفية. ويختلط بصوته ذلك الصوت الذي نفتقده: باسم الأمّة تؤمم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصريّة…أستيقظ من حلمي علي نظرات زوجتي المندهشة:ـ هو اليوم ذكري ثورة تموّز؟ ـ…ـ أين هو جمال عبد الناصر؟ـ في بوليفيا، رأيته يتقدم بحزم مع الأخ موراليس والمهندس المصري محمود عزمي الذي أشرف مع الخبراء المصريين علي إدارة القناة، عندما أطلق الرئيس كلمة السّر (دلسبس)، وهو يخطب في الجماهير. دموعي سالت حزناً، وفرحاً بانتصار بلد يشبهنا فقراً وتوقاً للحريّة، بلد انتصر بالخيار الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع، فهّب شافيز وبلده لدعمه، لا لمحاصرته، فالأخوة في (القّارة) غير (أخوة)يحاصرون قرار الفلسطيني ورغيفه.إلي الأمام يا موراليس، يا حبيب الملايين!أطلقت الهتافات، ودرت في صالون البيت، فقد انتعشت روحي، وتدفّقت في ذاكرتي أنشودة أم كلثوم: ما احلاك يا مصري وانت عالدفّة من لم يعش تلك الأيام لا يتخيّل مدي اعتزازنا ونحن نتأمّل زوارق مصر، وعليها الخبراء المصريون وهم يقودون السفن العملاّقة في قناة السويس، وعلم مصر يرفرف سيّداً.أصارحكم أنني بدأت هذه المقالة وفي ذهني شيء، بل أشياء، فإذا بي تتلاطم بي الذكريات، فاعذروني!أردت أن أحدّثكم عن الجاذبيّة، والانخطاف، والكاريزما، منطلقاً من موضوع فلكي مثير، وأنا لا أفهم في الفلك، وأدوخ أحياناً وأنا أتأمّل النجوم في الليل، والقمر وهو ينزلق باستدارته النورانيّة، وتلك النجمة التي تلحق به دائماً، تاركةً بينها وبينه مسافة تتسّع أحياناً، وتضيق أحياناً، بحيث أنني أخشي عليها الذوبان في هالته كما تذوب المعشوقة في العاشق…الأشياء لها روح، فالمغناطيس هو روح، ولذا يجذب أرواحاً فيها مغناطيس انجذابي، وقانون الجاذبيّة هو الذي يثبّتنا علي الأرض، أما ترون روّاد الفضاء في (قمراتهم)وهم يطيرون في فضائها، ويتلوون، ويتشقلبون، وينطوون علي أنفسهم، وينفردون.تخيّلوا لو أن الأرض بلا جاذبيّة ! سنكون كائنات هائمة في فضاء بلا نهاية…النجوم والكواكب، والأقمار، كلّها فيها جاذبيّة، وآخر ما قرأته وهو الموضوع المثير علي موقع البي بي سي، أن كوكب نبتون اختطف قمراً ليس له!…فنبتون ثامن كواكب مجموعتنا الشمسيّة اختطف القمر ترابتون الذي كان يدور في الماضي حول كوكب آخر، اختطفه نبتون منه بتأثير قوّة جاذبيته!العلماء في الماضي وجدوا صعوبة كبيرة في تفسير كيفيّة اختطاف جرم كبير بحجم القمر ترابتون من قبل كوكب غازي ضخم مثل نبتون، ولكنهم حلّوا اللغز، فالأقمار الشّاذة التي تدور بشكل فوضوي يمكن أن تجذب من قبل كوكب ما لأنها لا تدور بانتظام حول كوكب آخر…هذا يحدث مع البشر، فبعض الفتيات يمكن أن يقعن في الحّب دون سابق إنذار وتوقّع، ومع أشخاص لا يخطر بالبال أنهم سيجذبونهنّ إليهم، وياما رأينا بذهول فتيات يعشقن أشخاصاً لا يلفتون انتباهنا، بل إننا في مضمار الحب، والعشق، ما كنّا نقيم لهم حساباً…ما التفسير العلمي؟الجاذبية طاقة سريّة لا تفسير لها، فما الذي يجذب فلاناً لفلانة، وليس لغيرها، أو فلانة لفلان وليس لغيره؟ لقد كنت شاهداً علي قصص حب غريبة، نشأت من نظرة، جلسة، لقاء عابر، فارتفاع في الحرارة، واحمرار ـ وهذا من علامات الضغط، وهو عابر، ومؤقّت ـ في الوجنتين، وارتجاف، وأحياناً اصفرار، وربّما يصاب المحّب بالإسهال كما في رواية (الحّب في زمن الكوليرا)، ولذلك إن وقعتم في الحّب رجاءً تغطّوا جيداً… حالة الانخطاف تعني: لمّا بتشوفه، أو بيشوفها، بينخطف لونه، أو لونها، بيصير سمار الوجه، أو بياضه، مثل الليمونة الصفراء…من صغري طرحت أسئلة علي نفسي، وبخّاصة لما وقعت بنت من مخيّمنا في هوي ولد من مخيّم قريب علينا، ولولا أنها كانت أكبر منّي لمّت قهراً من وقوع خيارها علي ذلك الفلعوص، الضامر الجسد، الذابل العينين، الذاهل دائماً الـ.. ألا يكون سبب حبّها له هو غموض حالته؟ أينطلق الحّب من شرارة الفضول، وحّب الاطلاع، والرغبة في فّك لغز شخص لشخص آخر، أم من الجاذبيّة المغناطيسيّة الكامنة؟!إنني أنصح الفتيات بأن يحذرن مّمن يخاطبهن مع تسبيلة العينين: يا قمري، فهنّ في خطر من اجتذابه لهن، وقد يعمل علي ابتلاعهن، إلاّ إذا كانت الجاذبية متبادلة، متعادلة، بحيث تكون العلاقة متكافئة، وليست امّحاءً وتبعيّةً…أنصح بالانتباه إلي أنّ جذّاب علي وزن كذّاب، والدونجوانيون جذّابون وكذّابون، ونصيحتي لمن يعنيهن الأمر: لا تنجذبن بسرعة، وقاومن الانجذاب وإلاّ فمصائركن كمصائر الفراش المحلّق حول النار تحليقاً شّاذاً، فجاذبية النار تحرق، وكذا الحّب…يقال الحّب أعمي ! ولذا لا بدّ من وضع نظّارة علي القلب كي يري بشكل مضبوط، فلا يقع المحّب في حفرة تدفنه، بل يبقي سائراً في طريق مفروش بالأمل، والياسمين و.. بصحبة حبيب صافي الوّد، لا يستخدم جاذبيته مصائد مغفلين، فتنتهي الرحلة مع الجذّاب المخادع بأغنية العندليب : حلو وكذّاب ليه صدّقتك؟0