تتجاهل السلطة عندنا الاحتجاج وتستخف بمطالب الشعب

حجم الخط
0

إن المجتمع الاسرائيلي منقسم منشق في مجالات كثيرة لا حاجة الى عدّها، لكن الانقسام الوحيد الذي يشتمل على احتمال حرب أهلية هو بين اولئك الذين بكوا بعد مقتل رابين، واولئك الذين لم يبكوا، أو اذا شئتم، بين اولئك الذين خجلوا وغضبوا من القتل البغيض الذي نفذه باروخ غولدشتاين في الحرم الابراهيمي، وبين اولئك الذين باركوا ذلك الفعل ونشروا كتاب ‘مبارك ذلك الرجل’.
من الصعب ان نجد اتفاقا بين مَنْ أحكام التوراة والشريعة اليهودية أهم عندهم من قوانين الدولة وبين المواطن الذي يحافظ على القانون ويبحث عن السلام، بل إنه لا توجد بينهما لغة مشتركة. فالاول يؤمن بالله ومخلص لأحكامه مثل ‘أُمحُ ذكر عمليق محواً’ و’هذه الارض أُعطيت لك ولنسلك من نهر الفرات الى نهر مصر’ أما الثاني فيحيا في عالم حديث، وقد يؤمن بالله لكنه لا يؤمن بالحاخامين المتطرفين، ولا يبحث عن عمليق بل عن السلام مع الجيران المحيطين به.
بيد أن هؤلاء الجيران ايضا متورطون بالصراع الأدبي بين المتطرفين المتدينين والعلمانيين. ولا ترى نظرتنا الى جيراننا من أعلى، فضلا عن العالم كله، التشابه المخيف بين الحروب الدامية بين الاخوان المسلمين المتطرفين والمسلمين العلمانيين الليبراليين، وبين نفس التوتر بين ظهرانينا، الذي تضاف اليه كما في سورية ومصر ايضا مواد متفجرة طائفية وقومية.
مع كل الاختلاف بيننا وبين جيراننا، فلا شك في ان احتجاج الخيام تأثر بميدان التحرير في القاهرة. وكان لدافني ليف الجريئة التي أصبح اسمها مكتوبا في كتب التاريخ، كثيرٌ من الاخوة والأخوات في الرأي في ذلك الميدان. وكما أن الثورة سُرقت منهم سُرق الاحتجاج منها ايضا، فقد تولى الحكم على ظهرها إخوان غير مسلمين، وتتجاهل السلطة عندنا وعندهم ايضا الاحتجاج وتستخف بمطالب الشعب المشروعة.
علينا ان ندرك ان كل تطرف يتجه الى حشد قوة وفقدان الكوابح اذا لم يُعالج علاجا جذريا. والتأليف بين التطرف الديني الاعتقادي وبين التطرف القومي الخلاصي الذي لا لجام له فتاك لا بالعدو بل بك أنت نفسك. ويرى كل واحد من الطرفين ان الطرف الآخر هو العدو الرئيس وينسى أنه محاط بأعداء حقيقيين.
نتساءل احيانا كيف لا تستطيع شعوب متحضرة وذكية وناجحة منع حروب أهلية. وكيف تنقسم دول مجيدة الى الشمال في مقابل الجنوب، والشرق في مقابل الغرب. وسبب ذلك أنه يوجد ميل بشري الى الحروب والى الحروب الأهلية ايضا، وكان يمكن ان نلاحظ عندنا جذور ذلك قبل ان نصبح شعبا كسائر الشعوب. إن التاريخ اليهودي مشحون بحروب مع جيران وقوى كبيرة، لكنه مشحون ايضا بحروب أهلية جلبت علينا دمارا وخرابا وجلاءً عن الارض. وكانت فترات الاستقلال والسيادة لشعب اسرائيل في ارضه قصيرة، بسبب سلوكه والانقسام الديني والحضاري فيه، على الخصوص.
إن الحرب الأهلية الكلامية تُهيئ لاستعمال وسائل مسيحانية وسفك دماء، وأخذ هذا يزداد زخما مقلقا عندنا، فهناك الكثير من السلاح والكثير من الغضب والكثير من اليأس والكثير من الفُرقة في هذا البلد الصغير، وخطر الاشتعال أقرب مما نعتقد.
إن دماثة احتجاج الخيام جعلنا ننام، لكن ما أثار الاحتجاج لم يُصلح البتة. فليس للطبقة الوسطى وللطبقات الضعيفة مستقبل، لكن لها قوة وسيتم التعبير عنها إن عاجلا أو آجلا. ومن وراء العواصف السياسية الاجتماعية التي تهب حولنا في الشمال والجنوب، ومن تحت الصراع بين الدين والعلمانية يكمن جوع للخبز والفول، فضلا عن انعدام السكن.
إن العنف الكلامي يُشعل ويؤجج عنفا ماديا في النوادي والشوارع ويسكب هذا وقودا قد يحوله ثقاب صغير الى عنف سياسي داخلي وخارجي، والخط الاخضر لا يوقف النار.

يديعوت 21/8/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية