لست من دعاة التعصب الديني فضلا عن التعصب القومي المقيت ومن يطلع على بعض ما كتبته سوف يدرك ذلك جيدا، وكيف لا والعصبية بكافة أشكالها وألوانها من صفات الجاهلية الأولى فكما ورد في الأثر عن الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام في قوله لأبي ذر الغفاري حينما سمع بأنه عير عبدا له في امه فقال الحبيب المصطفى له : يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية..
راسلني جمع غفير من الأحبة الفضلاء حول ما كتبته آنفا حيث فهمت الكتابة على غير فحوى الخطاب لأنني تناولت فيها مدى الهيمنة الفارسية على المكون الشيعي العربي، وهذا ما جعلهم يفهمونها على أنها دعوة لعصبيةٍ قومية وقد وعدت القراء الكرام بأنني سوف أوضح ذلك ببحثٍ مستقل وإن كان على سبيل الإختصار وها أنا أفي بعهدي لهم كي أروي أكبادهم للحقيقة الغراء ونفوسهم الأبية التي أذلتها التبعية العمياء.
عزفت قيثارة العقيدة الإسلامية في تاريخها بأروع أناشيد التعايش والإخاء لا سيما في جيل صدر الموحدين من الرعيل الأول، حيث نجد في التاريخ الإسلامي أن الذي كان يصدح صوته بنداء السماء هو بلال الحبشي ذو البشرة السمراء وأبيض القلب والفؤاد، ونجد أيضا أن سلمان الفارسي الذي تجاذب عليه المهاجرون والأنصار حيث كل منهم يقول (منا سلمان) فقال النبي : {سلمان منا أهل البيت}. وشواهد اخرى كثيرة لأن المعيار الإلهي في تقييم الإنسان ومنزلته يكون بالتقوى والعمل الصالح وليس للعرق أو اللون أو اللغة ومن دواعي سرورنا وإعتزازنا أننا نجد شخصا ليس من بيئتنا ومحيطنا ثم يأتي ليتعلم العقيدة التي انزلت بلساننا ويطلع على حضارتنا وثقافتنا أيضا إلى أن يصل إلى درجة عالمٍ من علماء الأمة.
إعتزازنا وسرورنا به شريطة أن لا يكون على حساب هويتنا العربية وأن لا تكون هنالك هيمنة وإستحواذ بحيث تصل إلى درجة الإقصاء والتهميش الممنهج ضد أبناء امتنا، وهذا ما نشاهده والذي لا يخفى على العاقل اللبيب وما يزيد الحيرة والعجب في الواقع الشيعي قديما وحديثا أن الدستور الديني بقسمه الحديثي والروائي قد ورد عن أئمة أهل البيت والذين هم من جمجمة العرب بينما المصادر التي نقلت لنا تراثهم فمؤلفوها جميعا ليسوا عربا ثم إن المرجعيات الدينية في الأعم الأغلب على هذا المنوال بل الكثير منهم لا يحسنون العربية إلا بتكلفٍ شديد والقومية الفارسية ذات السهم الأكبر والحظ الأوفر في هذا المعترك وليس المعنى بأنه لا توجد مرجعيات عربية فثمة هنالك الكثير لكن لا دور لهم في قبال غيرهم ناهيك عن محاربة المرجع العربي بأشد أنواع الحروب
بل وبأساليبٍ لا تكاد تجدها في بؤرة المجتمعات الوثنية!.
حين قدم الشيخ أبو جعفر الطوسي (460 – 385 هـ) من خراسان إلى بغداد ثم إستقر في مدينة النجف وهو من نقل الحوزة إليها والذي يعده تاج الدين السبكي (771 – 727 هـ) في مصنفه {طبقات الشافعية الكبرى} من أعلام السنة الشوافع وحينما توفي الشيخ الطوسي في مدينة النجف ودفن فيها بمسجدٍ سمي بإسمه والشارع أيضا، بقيت الطائفة من بعده لقرن من الزمان على آرائه التي تبناها وتوصل إليها بحيث لا يجرؤ أحد على مناقشة أفكاره حتى إنبرى له إبن إدريس الحلي (598 – 543 هـ) الفقيه العربي وقام بمناقشة آراء الشيخ ونقدها جميعا فثارت عليه حميتهم وقذفوه بأقذع وأشد الألفاظ بل حينما توفي إبن دريس الحلي وهو في ريعان الشباب قالوا بتر الله عمره لأنه إنتقد الشيخ الطوسي ( يعني شور بيه كما نقول باللهجة الدارجة ).
السيد محمد محمد صادق الصدر ( 1999 – 1943 مـ ) حينما تصدى للمرجعية الدينية وهو عربي عراقي فقاموا بإغلاق مكتبه في مدينة قم وختموه بالشمع الأحمر وشوهوا سمعته في داخل العراق وخارجه ومزقوها شر ممزق بل وصل الأمر بهم إلى أن يتهموه بشرفه وعرضه ويرسلون الدعاة إلى مدينة ( الأحواز العربية ) من أجل محاربة عباد الله وليس دعوة الناس إلى دين الله!.
هذه الحقائق التي وضعت بعضا منها بين يدي القارئ الكريم وهي غيض من فيض وما خفي كان أعظم كافية لكي نعيد النظر في أدبياتنا جيدا وأن لا تغلب عاطفتنا على عقلنا وأن لا ننساق خلف أهوائنا ونحن فاقدون الإدراك والشعور بل أن الإستحواذ والهيمنة وجدتهما في بلاد الغرب أيضا فمن يمتلك لقبا فارسيا فيكون كافيا له ووافيا عن الفصاحة والبيان ولا داعي له أن يجيد ترتيل القرآن!
ومن طريف الذكر ما شاهدته في بداية وصولي للمملكة المتحدة حينما دخلت إلى مسجدٍ من مساجد المسلمين وكان هنالك شيخ وافد لتلك المدينة وقد ألقى كلمة قد أذهلتني عربيته المتألقة إلى درجةٍ فوق الوصف والخيال بينما هو من استراليا وليس من جذورٍ عربيةٍ أصلا. وقد إعتنق الإسلام وعشق القرآن والعربية كما قال لنا عن نفسه وفي تلك اللحظات { السيبويهية } تساءلت في نفسي كيف إستطاع هذا الشيخ في سنواتٍ معدودة أن يتقن العربية إلى درجة الفن بينما هنالك من يربو على الخمسين سنة وهو لا يجيد فاتحة الكتاب من غير عجمةٍ فاضحة وقد ضحكت على حالي في تلك اللحظات لأنني إنشغلت عن المحاضرة والحضور بمهازل الزمان.
شعارنا الرباني { إن هٰذه أمتكم أمة واحدة } ونشيدنا الإنساني { لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى } وسوف نبقى نناضل من أجل مبادئنا الوحدوية وأهدافنا الإنسانية ودعاة للعدالة الإجتماعية وأن لا ننساق خلف سراب الأهواء والأقوال فهل هنالك مناصرون؟
كاتب من العراق
إحسان بن ثامر