يحسن المتشدقون والمحللون والخبراء التنظير من عل عندما يطلبون منا الالتفات الى الصورة الأشمل والمؤامرة الأكبر والخطط العظمى والتي تتجاوز التفاصيل الصغيرة والحكايا العظيمة والتضحيات الجليلة والشخصيات التي ستخلد في وجدان الناس كأيقونات وقدوات ستمكنهم يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل، كما مكنت غيرهم من الشعوب، من الصمود في وجه الطغيان والظلم والاستبداد ، ستكون أمريكا ساذجة ولا تستحق لقب دولة عظمى، بمقاييس المجتمع الدولي في العظمة، إذا لم يكن لديها خطة للشرق الأوسط وحماية مصالحها واسرائيل أهمها، وسنكون سذجا اذا اعتقدنا غير ذلك وانها قد تقف مع شعوبنا ذات يوم أو تسعى لتطبيق القيم الانسانية في بلادنا، وكل ما نسمع عنه من مخططات وشرق أوسط جديد وفوضى خلاقة لا يجب أن يهزمنا ويقعدنا عن التغيير فالانسان بإرادته يصنع المعجزات ويغير موازين القوى ويقلب الطاولة على رؤوس المخططين فلقد سبق ووجهت أمريكا كل قوتها وطغيانها وحقدها نحو هيروشيما ونجازاكي وكأنها أرادت أن تعلم بهما البشرية. درسا لا يُنسى ولكنهما قامتا من الرماد وانتصر الانسان وانتصرت الارادة وعادت اليابان تنينا يكاد يبتلع أمريكا اقتصاديا وتكنولوجيا. البشر والنماذج هم من يصنعون السنن ويغيرون مجرى التاريخ ويفشلون المخططات وينجحون المشاريع كذلك والقدوات تمكن الناس من الصبر فهم ليسوا فرادى ولا متفردين في تحمل المعاناة أو صناعة العظمة وانما يكملون طريقا مشى عليه من قبلهم وخطوا لهم طرقا وممرات للتعامل وتقبل أقصى الظروف من أجل مبادئهم ومثلهم و في القصص الفردية والشخصية لأهل الشرعية المصرية في ميادين مصر، ما علمنا منها وما لم نعلم، ما وُثق منها وما لم يُوثق، تكتمل الصورة التي تمكننا من فهم الصمود الاسطوري في ظروف صعبة بل واستثنائية في سبيل إحقاق الحق، صمود امتد ضد التثبيط والتضليل والوعيد والاستهداف حتى في قلب الأمان أثناء الصلاة في شهر الحرمة والحرمات في رمضان وانتهى بالمجزرة الكبرى التي أدمت كل من بقي في قلبه ذرة من إنسانية. التنظير وتجاوز الدماء والتضحيات أيضا قسوة وطغيان وأجرام فالدنيا كلها بامتدادها والكعبة بقدسيتها ليست أغلى على الله من دم امرىء مسلم وعرش الرحمن اهتز لاستشهاد إنسان وقامت الدنيا ولم تقعد في عهود عز المسلمين لأجل انتهاك حرمات الأفراد قبل الجماعات. هؤلاء البشر الذين صمدوا للمخططات التي اجتمعت عليهم من الشرق والغرب والداخل والخارج لم يكونوا ليكونوا لولا أنهم تربوا على قصص الصحابة في التضحية والبسالة والفداء ثم رأوا نماذج حية بشرية، لم يكن الرسول بين ظهرانيهم، ولكنهم تبعوه على سنته صل الله عليه وسلم ومنهاج صحابته، في بلدهم مصر وتاريخها وفي المدرسة الفلسطينية والتونسية والليبية والعراقية كل أضاف بصمته وكل ارتفع بمنزلته وبلغ النموذج المصري في رابعة اكتمالا غير مسبوق وإحياء لقصص وسير ظنناها وجدت للقراءة والاستمتاع وربما التحسر في كتب السيرة فقط واذ بنا نراها تجسيدا عظيما في مدرسة رابعة ومنها: معاذ ومعوذ أولاد عفراء يعودان من جديد. شابان في مطلع الشباب ينسبان الى أمهما كي تخلد السيرة دور هذه الأم في تربيتهما حتى كبرا ليتسابقا في ميدان الجهاد أيهما يقتل أبا جهل أولا فطموحاتهما كانت موجهة لرأس من رؤوس الكفر ولم يمنعهما صغر السن من بلاء القوة والشدة والرجولة فتذكر القصة عن عبد الرحمن بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفتّ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا بن أخي، فما تصنع به؟ قال: اُخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، قال: وغمزني الآخر، فقال لي مثل ما قال الغلام الآخر، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال:هل مسحتما سيفيكما؟فقالا:لا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين قال: كلاكما قتله. هذا التسابق بين الأخوة في النسخة المصرية كان بين الأخوين محمد والدكتورعبد الرحمن خالد الديب الذين كانا يتسابقان في كل ميادين الثورة فكان آخر ما كتبه عبد الرحمن لأخيه محمد قبل استشهاده في مجزرة الفض’ يبدو يا صديقي أن أحدنا سيسبق الاخر قريبا، هكذا يخبرني قلبي، فقط أحببت أن أعلمك أني استمتعت بمرافقتك في كل مواطن الثورة ومواقف الإقدام طوال ثلاثة أعوام مضوا سبقتني في معظمها وسبقتك في بعضها، الآن أطمع أن أكون سابقك في الختام، على أية حال، ليشفع من يصل منا أولا للاحقه’. وسبقنا حنظلة وزوجه: فتح الله باب التنافس لعباده من المتقدمين والمتأخرين وأثبت الصفوة والاصطفاء لمن سبق ولمن لحق وصدق كذلك واشتاق رسول الله لأصحابه وأحبابه من المتأخرين الذين اتبعوه بغير رؤية ولا معايشة، وعريس الصحابة حنظلة الغسيل عاش ليلة عريسا، حصل شيئا من قرة العين ودفء المودة وسكن الرحمة وخلفه ولد مد في عمره بالخير والطاعة، ولكن بعض شهداء رابعة من العرسان صعدوا الى الرفيق الأعلى بأحلام الحب والقرب والأسرة تختلج في صدورهم. في مجزرة الحرس الجمهوري استشهد الصحافي أحمد عاصم السنوسي وهو يوثق الجريمة وفي رابعة استشهدت خطيبته سارة لتحلق به! أطلبها من الله كما يطلب أهل الجنة أهاليهم في منازلهم العليا فأجاب الله طلب الشهيد وألحق به خطيبته؟ هو هذا الإيمان بالكرامات والرفعة المحققة الذي لا يفهمه الليبرالييون والملحدون والميكافيليون ما استجلب الصمود في قلوب المصريين قبل أجسادهم غير آبهين بآلة العسكر بالرغم من بطشها المحقق، لقد تحققت القلوب بلذة الحرية ومعاني الشهادة فأسبغت على الأجساد صبرا ويقينا. د.ديمة طارق طهبوب