عمان ـ «القدس العربي»: توسعت على نحو غير مسبوق مناخات الاحتفال في الأردن بإلغاء مادة من قانون العقوبات لها علاقة بجرائم الاغتصاب وبصورة غير مسبوقة في الوقت الذي دخلت فيه إلى حيز التنفيذ فعليا التعديلات على ثلاثة قوانين معنية بتطوير وإصلاح الجهاز القضائي.
المادة 308 من قانون العقوبات كانت مثارا للنقاش والجدل في الأردن طوال عدة أعوام.
وأخفقت عدة حكومات منذ عام 2005 بإسقاط هذه المادة التي تخصص مساحة من الأعذار المخففة عن المتهم والمجرم في جناية الاغتصاب والاعتداء الجنسي.
لكن بعد طول جدل ونقاش أقر مجلس النواب الحالي إلغاء هذه المادة بصورة تم التعامل معها بصفتها نقلة نوعية في حزمة التشريعات التي تخص المرأة رغم المحاولات المعاكسة للتيارات المحافظة خارج البرلمان وداخله.
تلك بدت قفزة تشريعية نوعية نحو تمدين المجتمع وإنصاف المرأة عندما تمكن مجلس النواب من إلغاء النص القانوني الموصوف بأنه لا يعاقب المغتصبين والمعتدين في الجرائم الجنسية.
بعد إلغاء العذر المخفف فيما يسمى جرائم الشرف تصر الحكومة على إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات، يثور جدل عنيف بين كل التيارات في المجتمع، ويعلن رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي إصرار حكومته على إلغاء المادة، ويتجاوب مجلس النواب بعد جدل داخلي، فيلغي المادة حتى خلافا للجنته القانونية التي حاولت التوصل إلى صيغة وسطية.
اللجنة القانونية نفسها صدمت بقرار المجلس إسقاط صيغتها الوسطية، وحصلت بعض الانسحابات والاستقالات قبل أن يتبين أن مؤسسات مرجعية متعددة تدعم خيار الإلغاء بسبب الانعكاسات الإيجابية التي يفرضها بالخارج خصوصا مع دول ومنظمات طالما انتقدت الأردن بسبب العقوبات المخففة التي تطال المغتصب أو قاتل الشرف.
إلغاء هذه المادة يعني أن عقد القران الشرعي بين المعتدي وضحيته في جرائم الاغتصاب والاعتداء لا يلغي العقوبة أو لا يتحفظ عليها.
والمادة اعتبرت جائزة لمن يعتدي أو يغتصب خصوصا إذا كانت المرأة هي الضحية.
بالموجب أصبح الزواج قصرا أو طوعا ليس مبررا للتغاضي عن عقوبة الجريمة.
تلك خطوة إيجابية غير مسبوقة تعطي شكلا متجددا للإدارة والحكم والتشريع في الأردن، وتوازي المنجز الذي رفع قبل ذلك الغطاء عن من يرتكب جريمة باسم الشرف؛ حيث تقول التقارير أن نحو 25 أردنية على الأقل سنويا يقتلن بداعي الشرف، ومن دون تدقيق وأدلة وبناء على الاشتباه فقط.
وبعد تعديل الصورة، وبناء تصور جديد في الإطار المدني لم يعد قاتل الشرف مستفيدا مما يسمى بالعذر المخفف الذي كان يعفيه من عقوبات الإعدام والسجن الطويل بدعوى الغضب كدافع لارتكاب جريمته ضد امرأة.
هي خطوة مهمة وتاريخية تدلل على تطور لافت في تشريعات الاعتناء بالمرأة، والإنصاف في رأي الرجل الثاني في الحكومة الدكتور ممدوح العبادي الذي عبر مباشرة لـ»لقدس العربي» عن سروره بهذه الخطوة، واعتبرها منجزا يظهر التعاون بين الحكومة ومجلس النواب الذي شكره العبادي لأنه اتخذ قرارا شجاعا وجريئا وتاريخيا.
هي في المدلول العام خطوات تشريعية مفيدة ومشجعة، وتشيع مناخات إيجابية في أوصال المجتمع تعززها في المقابل حالة التطوير اللافتة جدا التي حصلت تشريعيا مؤخرا تحت عنوان الإصلاح القضائي. تشريعات الإصلاح القضائي التي أنجزت تقريبا مؤخرا وستوشح بالإرادة الملكية، كانت محطة إضافية في مجال التطور التشريعي خصوصا وأن رئاسة مجلس النواب تفاعلت تماما مع اتجاهات مؤسسة القصر الملكي في هذا المضمار.
جدية السلطات في ملف إصلاح القضاء بدت ظاهرة للعيان خصوصا بعدما تحدثت ورقة ملكية نقاشية عن تعزيز وتطوير القضاء وهيبته بالتوازي مع قطع خطوات برامجية نحو المدنية والحفاظ على هيبة القانون والدولة.
قبل التلامس مع البرلمان رسمت لجنة شكلها الملك عبد الله الثاني برئاسة رئيس الوزراء المخضرم السابق زيد الرفاعي سلسلة من التصورات والتوصيات.
بجهد ملحوظ بين الحكومة وبعض النواب تحولت هذه التوصيات إلى تعديلات قانونية.
بعد عبورها الأسبوع الماضي من مجلس الأعيان يفترض أن البلاد ستشهد كما يقول الخبراء نقلة نوعية في مجال عصرنة وتحديث آليات وعمليات التقاضي.
الحديث هنا عن مواجهة التكلس والترهل البيروقراطي، والسرعة في حسم القضايا، وتحديث وتطوير الأنظمة الإلكترونية وأنماط التبليغ والإجراء وقطع خطوات في مجال التحكيم في النزاعات خصوصا المالية بين المؤسسات والأفراد.
تلك كانت على المستوى التشريعي ورغم الاتهامات الشعبية المستمرة في الحكومة والبرلمان منجزات ومنتجات لمظاهر الاشتباك الفعال بين السلطتين، وقد برزت وبثت روحا من الإيجابية فيها ما يكفي إثر تفاهمات لم يعد من الحكمة إنكارها بين السلطتين، وحظيت بإسناد شديد من برنامج ملكي إصلاحي ومتدرج وعميق في مفاصل ومن المستوى الأمني.
النمو الملحوظ في تشريعات الإصلاح القضائي تحديدا والقفزة في مجال إلغاء المادة 308 هما علامتان من الصعب إنكارهما في المجال التشريعي في رأي العديد من الساسة في ظل موقف شعبي سلبي أصلا من السلطتين في التنفيذ والتشريع.
حاول التيار المحافظ هنا الحد من نمو هذه التشريعات وإعاقة عبورها لكن الجهد هذه المرة كان مكثفا في الاتجاه المعاكس.