عندما نتحدث عن أدب ما بعد الاستعمار، فنحن نستحضر مصطلحاً سياسياً راج في الثلث الأخير من القرن العشرين، يتناول أزمة البلدان التي رحل عنها الاستعمار الغربي، وتركها تتخبط سياسياً واقتصادياً، وتعاني صراعات وأزمات.
انهارت الامبراطوريات التي أقامتها الدول الأوروبية الكبيرة خلال القرون الثلاثة الأخيرة. وسبقها سقوط امبراطوريات قديمة عظيمة مثل الامبراطورية العثمانية والصينية، وغيرها من الدول والممالك في افريقيا وآسيا، تحت نير الدول المستعمرة الغربية، التي امتصت ثروات هذه الشعوب، حتى قويت الحركات الوطنية المعارضة، ما استتبع تغيير الخرائط الجغرافية، فتتابع جلاء المحتل الأجنبي عن عشرات الأقطار في قارات العالم، وتسليم السلطة إلى حكومات وطنية، جاءت في غالبيتها من خلفيات عسكرية، وأقامت أنظمة شمولية، وأساءت إدارة الاقتصاد الوطني، الذي ظل مرتبطاً بنيوياً بالمحتل الأجنبي. بالإضافة إلى المشكلات الحدودية المتفجرة التي أوجدها الاحتلال من خلال رسم خريطة البلدان، وتقسيمها بشكل تعسفي، مزّق من خلاله الوحدة الجغرافية والعرقية والثقافية لهذه البلدان، ووضع قنابل موقوتة، تتوالى انفجاراتها إلى يومنا.
والتعريف الأكثر تحديداً لاصطلاح «ما بعد الاستعمار» يعني: الحقبة التاريخية لما بعد استقلال الأقطار المحتلة. وهو تحديد زماني مكاني، لأنه يجعله مرتبطاً بجلاء المحتل عن البلدان المستعمَرَة، فيتأمل في مسيرتها وما آلت إليه الأوضاع فيها. إلا أن هناك موجة فكرية رافضة لما تم خلال الحقبة الاستعمارية لهذه الدول تسمى Anti -Colonialism، وتعني الحركة الثقافية التي ملأت فضاء البلدان المستقلة ثقافياً وفكرياً ضد ممارسات المحتل، فلما نالت الاستقلال تحولت إلى رغبة في التحديث والنهضة وعلاج آثار الاستعمار. لقد شكل كل ما سبق «أدب ما بعد الاستعمار» الذي يرتبط بالنظرية نفسها، والمحدد علمياً بفترة انتهاء الاستعمار الغربي لدول العالم الثالث، وبزوغ مرحلة تاريخية جديدة.
وبالنسبة إلى الأدب الإنكليزي، فإنه شهد ظهور هذا اللون مبكراً منذ العام 1950 وبلغ قمته في العام 1960 ليعبّر أدبياً عن البلدان المستقلة عن القوى الاستعمارية خاصة الامبراطوريتين: الإنكليزية والفرنسية، وما أحدثته فيها، إذ أن هناك ملايين من سكان تلك البلدان تبنوا ثقافة المستعمر وباتت لغته هي لغة العلم والثقافة والإبداع لديهم. والأمر يثار حول إبداع بلدان أمريكا اللاتينية التي شهدت استعماراً اسبانياً وبرتغالياً، وكذلك الدول التي سقطت تحت الاحتلال الأمريكي.
وهناك تعريفات عديدة تربط هذا المفهوم بحركات فكرية أخرى، مثل حركات ما بعد الحداثة، والتاريخانية الجديدة، لأنها واكبت زمنياً هذه الحقبة في نشوئها، وامتاحت منها رؤى كثيرة، فهناك أوجه من التأثير والتأثر بين تلك المذاهب والأفكار، نظراً للعلاقات الجغرافية والثقافية التي جاءت موطناً لدراسات الحركات السابقة. ولكن تظل حركة: ما بعد الاستعمار معبرة عن حقبة تاريخية لها خصوصيتها تساعدنا على فهم أوضح لنواتج التمدد الامبريالي الغربي.
إن مصطلح ما بعد الاستعمار أو ما بعد الكولونيالية؛ مثل كل المصطلحات التي تشتمل على «ما بعد»، لا يعني بالضرورة مناهضة ما قبله ومقاومته، وإنما يعني الوعي بالثقافات الأخرى التي وُجِدت في المستعمرات، وبالهويات والاتجاهات والتاريخ والوثائق المعرضة للاندثار، وأيضاً الاحتفاء بمختلف الإبداعات والكتابات الصادرة من أبناء المستعمرات أو من غيرهم، بوصفها كتابات الرد على خطاب المركز/المحتل الأجنبي، وترسيخ الهوية لثقافات عانت من النفي والتهميش، فالقضية استعادة دور الهامش، ضمن خطاب المركزية الاستعمارية المهيمنة.
ويستند خطاب ما بعد الاستعمار إلى النظرية الثقافية الجديدة، ذات الامتدادات والفروع المتصلة بعلوم النفس والجنوسة والاجتماع واللغة والنقد الأدبي والدراسات الإثنية والسياسة والاقتصاد، فلن يفهم هذا الخطاب إلا في ضوء التحليل الثقافي المتكامل، وعدم الانجرار إلى أحادية التوجه والفكرة أو التركيز على مجال بعينه.
ولا شك أنه يتلاقى مع حركة ما بعد الحداثة في جوهرها، بل إننا نزعم أن ما بعد الحداثة مبنية على المراجعات التي قام بها الفلاسفة والمؤرخون الجدد والنقد الثقافي على خطاب المركزية الغربية، الذي نظر باحتقار إلى ثقافات الشعوب الأخرى، وتعامل معها باستعلاء، وأوجد طبقة من أهل الشعوب الأخرى متعلقة به ثقافياً ولغوياً وتعليمياً وانبهاراً بالنموذج الغربي في الحداثة والتقدم والنهضة، وتغض النظر في المقابل عن الانتهاكات والمظالم والجرائم العنصرية من قبل المستعمِر.
فأدب ما بعد الاستعمار ما هو إلا وجه من أوجه رصد الفترة التاريخية التي أعقبت جلاء الاحتلال الغربي، فهناك بلا شك وجوه أخرى مرتبطة بهذه الحقبة، وتعبر عنها في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والدراسات الأنثروبولوجية والثقافية واللغوية. فالاصطلاح الأدبي جزء من كل، ولن يفهم إلا في هذا الإطار الواسع. فكي نعي ماهية أدب ما بعد الاستعمار علينا أن ندرس أدباءه وإبداعاتهم، وهم على فئتين: فئة تنتمي إلى البلدان الغربية المحتلّة، وهؤلاء كتبوا عن مأساة الأوطان التي سقطت تحت نير الاحتلال وما عانته من مظالم وانتهاكات ونهب لثرواتها. فكانت آدابهم نوعاً من المراجعة والإدانة للخطاب الثقافي والإبداعي الذي رافق المستعمر الغربي وهو يتمدد بقواته العسكرية في أقطار العالم، حاملاً شعارات ظاهرها الخير مثل: نشر المدنية الحديثة، ومحاربة الجهل، والتبشير أيضاً.
لقد تأسست موجة ما بعد الحداثة على تفكيك السرديات الكبرى لخطاب المركزية الغربية في قراءتها للعالم والتاريخ وثقافات الشعوب، وهو ما يتماس مع مشروع ما بعد الكولونيالية في تفكيك ثنائية الهامش/المركز، لخطاب الهيمنة/الامبريالي، فالنظريتان تتلاقيان في: رفض مركزية الخطاب الواحد (الغربي تحديدا)، والتركيز على دلالة اللغة وتحليل معطياتها، والكتابة في ضوء التجربة الخاصة المعيشة، وفي بناء تجربة الكتابة ذاتها، واستعمال استراتيجيات مختلفة في الكتابة الإبداعية معتمدة على تقنيات: التنكر/السخرية، المفارقة.
والفئة الثانية أدباء ينتمون إلى البلدان الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي، وهؤلاء رووا المعاناة التي عاشتها شعوبهم، وكيف بدا المحتل الأجنبي الذي يتغنى بقيم إنسانية سامية، وهو يرتكب أحط السلوكيات العدوانية مع الشعوب الفقيرة. وما أكثر الدراسات والأبحاث التاريخية التي وثّقت القتل الجماعي لعشرات الآلاف، والتعذيب البشع، واستغلال الثروات ونهبها، والإفساد الاجتماعي، وتكوين طبقات على ولاء بالمستعمر الأجنبي، هي التي تسلمت السلطة فيما بعد الجلاء.
أدبنا العربي المعاصر وما بعد الاستعمار
فبالرغم من سقوط جلّ الأقطار العربية تحت براثن الاحتلال الأوروبي، إلا أن الإبداعات العربية التي تناولت أدب ما بعد الاستعمار كانت قليلة. وهذا عائد لأسباب عديدة، أهمها وفرة السرديات: روايات وقصص وأفلام ومسرحيات تناولت الحقبة الاستعمارية ومظالم المحتل الأجنبي، وكلها إبداعات مصاغة باللغة العربية. وقد جاءت في حقبة مبكرة زمنياً تسبق ازدهار ما يسمى آداب ما بعد الاستعمار في الغرب (في الثلث الأخير من القرن العشرين)، وبالأخص أن هذا اللون من الأدب، كان مكتوباً باللغات الأجنبية العالمية، وموجهاً إلى القارئ الغربي خاصة والقارئ المتواصل مع الآداب العالمية عامة، وقد رافقها تنظيرات فكرية وفلسفية ونقدية تراجع التاريخ الأوروبي الحديث، وجرائمه مع الأقطار العربية. وفي هذه الفترة أيضاً، كانت هناك قضايا مستجدة في الأوطان، تتجاوز أزمة الاستعمار ومظالمه، مثل الحروب الإسرائيلية العربية، وقضايا الفساد والاستبداد، وسقوط المشروع الناصري بعد هزيمة يونيو 1967، وتصاعد طبقات طفيلية في المجتمعات، أدت إلى تراجع النخبة المثقفة، وأحيانا إلى هجرتها. ومؤخرا، تحول الربيع العربي إلى كابوس، وتبددت أحلام المواطن العربي في اقتصاد مزدهر، ومنظومة حريات حامية، وسياسة رشيدة.
لقد انشغل العقل العربي بالحروب العربية البينية والمصائب التي ترتبت عليها، وتغافل عمَن تسبب فيها، ورسم الخرائط التي أشعلتها. وبعبارة أخرى: تناسى العقل العربي المعاصر ما فعله الاستعمار والغرب، وانشغل بأزماته ومشكلاته الداخلية، التي إن تأمل فيها سيجد أن كثيرا منها نتيجة التركة الاستعمارية البغيضة، بالإضافة إلى النظم المستبدة والفاسدة التي تسلمت الحكم بعد جلاء المستعمر، وأدارت البلاد بالقمع والحديد والنار، وزادت الشعوب فقراً، وما زالت الأزمة تراوح مكانها، فلم تتحقق التنمية الموعودة، ولم ينل المواطن العربي حقوقه الأساسية. في الوقت الذي كانت فيه الأقطار العربية الأخرى تغالب الأمية، وتفتقر إلى المبدعين المتميزين في الكتابة السردية كــي يعــبروا عن مشكلاتها وقضاياها.
وكانت المشكلة المحورية هي أن العقل العربي المعاصر لم يعد يحفل كثيراً بما يجري في التخوم، فتركيزه منحصر في دول المركز: ثقافة وفكرا وإبداعات، بجانب السياسة والاقتصاد، ما أدى إلى حالة كبرى من تراجع الوعي العربي بحوافه الحدودية، التي هي جسور إلى العالم الإسلامي من ناحية، وإلى الثقافات الافريقية والآسيوية من ناحية أخرى، وإنما لا تزال أبصارنا شاخصة إلى عواصم الاستعمار الغربي، ترنو إليها، وتقتدي بها، وتنقاد إلى ثقافتها وسياساتها.
وكانت المحصلة النهائية، تغافل الجمهور العربي عن كوارث هددت التخوم الحدودية، ناهيك عن إغفال الفكر القومي العربي للامتدادات الجغرافية التي يمكن نسميها العمق الاستراتيجي، المتمثل في أقطار العالم الإسلامي، والعمق الافريقي والآسيوي. فاهتم كثيرا بالقضايا العربية، وغض الطرف عن الأقليات غير العربية التي تعيش بين ظهرانينا، أو على حدودنا، ومن ثم تفاجأ بأن هذه الكواراث تفاقمت وبدأت تهدد دول المركز ذاتها.
إن الإبداع الأدبي يعكس بصورة مباشرة الواقع الاجتماعي، بكل تقاطعاته الثقافية والنفسية والدينية والاجتماعية، لذا فهو حقل خصب في الدراسات الإنسانية المتعلقة بالهوية، والساعية إلى فهم أكثر لدينامية العلاقة بين أبناء المجتمع في منطقة معينة. فقد أضحت نظرية الهوية ودراساتها تعتني بالنماذج الفردية المقدمة في أشكال السرد المختلفة، بقدر عنايتها بتحليل السلوكيات والأنشطة الجماعية.
مصطفى عطية جمعة جودة